المحتوى الرئيسى

حكومة المأزق المتشعّب

06/17 07:54

وليد شقير

من الطبيعي أن يستفيد القيّمون على تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة من ولادتها لتغليب إيجابيات إنجازها بعد فراغ حكومي دام أكثر من 4 أشهر و18 يوماً تعب خلالها اللبنانيون والقطاعات الاقتصادية كافة من انعكاساته المضرة على حياتهم اليومية جراء التعطيل الذي أصاب الكثير من المؤسسات، فضلاً عما أصاب بعض قوى الأكثرية الجديدة من استنزاف في العلاقة مع جمهورها العريض بسبب عجزها عن حسم الأمر والعودة الى تولي مسؤولية تسيير شؤون الدولة والمجتمع بعد إقالة حكومة الرئيس سعد الحريري التي كانت وضعت جدولاً زمنياً لتقديم بعض الإنجازات، التي حالت الأزمة السياسية والخلاف على المحكمة الدولية دون تحقيق أي منها، على رغم ما بُذل من جهود في شأنها.

الاعتداد بإيجابيات ملء الفراغ والانتهاء من سلبيات الانتظار المميت الذي حكم حياة اللبنانيين في الأشهر الماضية، هو أقرب الى تمنين اللبنانيين بإنجاز من رصيدهم الاجتماعي والاقتصادي، بقدر ما يسمح بتوقع بعض الثمار من إقلاع العمل الحكومي، لا سيما في فصل الصيف، بحيث تعوّض حركة المغتربين خلاله نحو بيروت وبعض السياح، جزءاً من الارتفاع في عجز الميزان التجاري في الربع الأول من السنة، وتحد من انخفاض نسبة الودائع في المصارف اللبنانية، ومن تراجع النمو الى أدنى مستوياته. وقد تستفيد الحكومة الجديدة وقوى الأكثرية، من إجراء تعيينات في 200 الى 300 وظيفة شاغرة في كادرات الإدارة العليا في الدولة، لإثبات نشاطها مقابل حال انعدام الوزن التي سيطرت على البلاد خلال أكثر من سنة، من ضمنها حال الشلل التي أصابت الحكومة السابقة بسبب الخلاف على قضية الشهود الزور... لكن اللبنانيين سيشهدون أيضاً على مدى التقاسم في توزيع الحصص في هذه التعيينات، ومدى الخلافات حول هذه الحصص داخل الطوائف والمذاهب، ومدى تأثير الحسابات الطائفية والمذهبية في الموجبات السياسية لبعض هذه التعيينات، لا سيما في الأجهزة الأمنية والمتصلة بها، على تأخير التوافق أو سرعته داخل الحكومة.

كل هذا طبيعي في السياسة اللبنانية التقليدية. والطبيعي أيضاً أن تنتظر المعارضة هفوات الكيدية والانتقامية، وإن كان الرئيس نجيب ميقاتي ينفيها صباحاً مساء، وكذلك رئيس «جبهة النضال الوطني» النيابية وليد جنبلاط، لتستفيد منها في وجه التركيبة الحاكمة الراهنة. فوزراء الكيدية والانتقام في الحكومة كثر ولديهم نياتهم المعلنة بلا مواربة.

لكن الطبيعي أكثر، أن هذه الحكومة ولدت من رحم المأزق الذي بلغه لبنان مطلع هذا العام، حين جرى إفشال تسوية س. س على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وإذا كان إسقاط الحريري إسقاطاً لهذه التسوية، فإن الحكومة البديلة هي وليدة المأزق نفسه، طالما أن تأليفها يستحيل أن يقود الى تجديد فرص التسوية لأن الطرف الثاني فيها مغيّب، بل مرفوض في ظل طموح بعض الشركاء الرئيسيين في الحكومة الى التأسيس لقانون انتخاب للخلاص منه، أو لإفقاده وزنه الحالي في الحد الأدنى. وهو أمر سيؤتي نتائج عكسية على الأرجح، تماماً كما حصل عام 1998 حين سعى عهد الرئيس إميل لحود للخلاص من رفيق الحريري، فاكتسح العاصمة بيروت ومدّ نفوذه الى مناطق أخرى، على رغم الوجود العسكري السوري في لبنان، خلال انتخابات عام 2000.

وإذا كان يصحّ القول إن مجيء هذه الحكومة جنّب لبنان انفجاراً، نتيجة إسقاط التسوية، وهي الإيجابية الرئيسة التي ينسبها ميقاتي الى قراره بالترشح للرئاسة الثالثة، فإن الأخذ بهذا الاستنتاج على أنه حقيقة يقود الى الاعتقاد في أفضل الأحوال بأن هذه الحكومة موقتة أو انتقالية لمدة زمنية، يفترض أن تنتهي مع تجدد فرص التسوية، أو العودة الى احتمال الانفجار الذي جاءت التركيبة الراهنة لتأجيله أو تجنبه.

وعلى رغم حرص رئيس الجمهورية ميشال سليمان على نفي تدخل سورية في تأليف الحكومة، فإن اللحظة الإقليمية التي ولدت فيها لا يمكن إلا أن تجافي هذا الموقف. لقد كان مستحيلاً أن يؤلف هذه الحكومة، غير الجهة التي أسقطت الحكومة السابقة، ومعها تسوية س. س، التي تعذر تجديدها على رغم بعض المراهنات على إمكان العودة إليها. والتوقيت ارتبط بالأزمة التي تمر بها دمشق. فالقيادة السورية أرادت من التأليف أن تبعث رسالة الى من يهمه الأمر، بأنها في ظل الهجوم عليها وإمكان تحوّل الموقف الدولي ضدها، (الذي تجري محاولاته في مجلس الأمن) فإنها قادرة على تثبيت قدرتها على الإمساك بزمام الأمور، ليس فقط على الأراضي السورية، بل في لبنان أيضاً. فلطالما اعتبرت هذه القيادة أن دفاعها عن موقفها وموقعها أو التفاوض على مصالحها، يستوجبان إدارتها للقرار اللبناني، مع حلفائها. وهذا يحوّل لبنان الى جزء من الأزمة السورية...

الطبيعي إذاً، أن الحكومة الجديدة هي حكومة المأزق اللبناني بتشعباته الإقليمية القديمة والجديدة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل