المحتوى الرئيسى

تحت القسمثــورة الشـك بعد الثورة المضادة

06/17 00:07

بعد أن توقف الحديث‏,‏ أو خفت عن الثورة المضادة والفلول‏,‏ مع أن أحدا لا يستطيع أن يجزم هل هزمت هذه وتلك نهائيا‏,‏ أم أوشكت علي تلقي الهزيمة النهائية‏,‏

أصبح لدينا منذ جمعة الغضب الثانية ما يمكن تسميته بثورة الشك.. لكنه ليس الشك المنهجي الذي يعرفه دارسو الفلسفة منسوبا إلي أبي الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت, أي الشك الذي يقود إلي الحقيقة, وإنما هو الشك غير المنهجي الذي لا نجد له أسبابا يقبلها العقل ويقلبها علي وجوهها, ليخلص إلي نتائج يقينية أو شبه يقينية يتفق الجميع( أو الأغلبية) عليها.

إننا نتحدث ليكذب بعضنا بعضا, وليتهم فريق فريقا آخر, ثم يتطور الجدال إلي دعوات إلي إقصاء المخالفين في الرأي, مع أن الخلاف في الآراء والمواقف ليس فقط هو سنة الحياة, وإنما هو الهدف النهائي الذي قامت ثورة25 يناير من أجله, فهي قامت من أجل بناء مصر المدنية الديمقراطية المتقدمة, وهذه الصفات الثلاث المنشودة لمصر25 يناير تعني التعددية, وما التعددية إلا اختلاف الآراء والمواقف, تعبيرا عن اختلاف الأفكار والمصالح الواجب إدارة تنازعها بالوسائل السلمية.

ثورة الشك التي نتحدث عنها اجتاحت وتجتاح كل شيء: كل كلمة في صحيفة, حديث في برنامج تليفزيوني, تصريح لوزير, بيان رسمي, لقاء سياسي أعلن عنه, أم لم يعلن عنه, بل وتمتد في بعض الأحيان إلي اختلاق أخبار ومعلومات, تحريفا للكلام عن موضعه, أو توليفا لكلام لم يحدث أصلا.

في البدء اتهم البعض الداعين إلي جمعة الغضب الثانية بأنهم يخططون لانقلاب علي الشرعية الانتقالية عن طريق انتخاب مجلس رئاسي في ميدان التحرير, ومع أن المقاطعين لجمعة الغضب من قوي الثورة الأصلية كانوا يحذرون من جهات غير معروفة وغير منتمية للثورة تبث تلك الدعوة, فإن الفتنة فعلت فعلها, علي الرغم من أنه ثبت بالدليل العيني أن المشاركين في جمعة الغضب الثانية لم يخططوا أو يطالبوا بشيء من ذلك الذي سمي انقلابا علي شرعية الفترة الانتقالية, وطالبوا فقط بـ الدستور أولا وبسرعة إحالة الرئيس السابق ومعاونيه إلي المحاكمة الجنائية بتهمة قتل المتظاهرين, وكذلك فقد ثبت يقينا أن مقاطعي جمعة الغضب الثانية لم يتهموا في أي من بياناتهم الرسمية المشاركين بأنهم أصحاب تلك الدعوات المشبوهة, وكان المنطقي بالتالي أن تعود قوي الشباب الثورية إلي الوحدة علي أرضية تعدد الآراء والاجتهادات, ولكن الذي حدث هو مزيد من الاختلافات حول تقدير أعداد المشاركين في الغضب الثانية ليتسع الجرح بدلا من أن يضيق, ولتتولد الشكوك من جديد, وتبدأ أحاديث الانشقاقات داخل ائتلاف الشباب, والدعوات إلي تغيير هذا أو ذاك من أعضاء اللجان التنسيقية للائتلافات الشبابية, ثم تزداد الهوة اتساعا بين مشاركين في حوار الشباب مع المجلس الأعلي للقوات المسلحة, ومقاطعين لهذا الحوار إما بصفة مؤقتة أو احتجاجا علي طريقة ترتيبه, وإما رفضا لمبدأ الحوار مع المجلس الأعلي من الأصل, وكأن هذا المجلس أصبح خصما للثورة يريد احتواءها وتصفيتها, وليس ممثلا لإحدي قواها الثلاث: الشباب, وجموع الشعب المساندة, والقوات المسلحة, مع التسليم بحق الاختلاف مع سياسات المجلس الأعلي بصفته السياسية, وحق الاعتراض علي انفراده بإصدار القوانين المنظمة لعملية الانتقال.

علي هذه الأرضية التي سادها الخلاف والشك, أصبح كل شيء مهتزا في عيوننا, فإذا صدر تحذير من المجلس الأعلي للقوات المسلحة من قوي مشبوهة تريد الوقيعة بين الجيش والشعب, يتحول هذا التحذير علي تلك الأرضية من الخلاف والشك إلي تهديد لقوي ثورية بعينها, مع أنه من البدهي أن تكون هناك قوي خارجية وداخلية تسعي إلي مثل تلك الوقيعة, وإلا فإننا ننفرد عن بقية شعوب العالم بمناعة فطرية ضد مثل هذه المؤامرات, وهذا ليس مفهوما, بل إن العكس كان هو السائد, حيث كان العالم كله يتهم المصريين والعرب بإدمان نظرية المؤامرة ضدهم كوسواس قهري.

وعندما أذيعت أنباء ضبط دبلوماسي إيراني يدير شبكة تجسس في مصر, سارع كثيرون, وقبل أن تنتهي التحقيقات مع أعضاء تلك الشبكة, إلي التكذيب, والحديث عن احتمال افتعال القصة كلها لوقف عملية تطبيع العلاقات بين مصر وإيران( مع أن كاتب هذه السطور من الداعين لإعادة تلك العلاقات منذ فترة طويلة, حرصا علي إيجاد توازن استراتيجي في المنطقة في مواجهة إسرائيل ولمصلحة مصر, ولكن مع التفاهم الذي لا لبس فيه مع طهران علي عدم التدخل في الشئون الداخلية المصرية) وبذلك ينسي هؤلاء المتحدثون عن الافتعال أن كل دول العالم تتجسس علي بعضها البعض, بما في ذلك أوثق الحلفاء كالولايات المتحدة وإسرائيل, وعلي أي حال فلننتظر نتيجة التحقيقات والمحاكمة.

الأغرب من ذلك ـ وعلي تلك الخلفية من حالة الشك العامة ـ أن بعضنا استقبل نبأ ضبط عميل الموساد الإسرائيلي, وكشف جهاز الأمن القومي بالصور والوثائق,( وبعضها منشور إلي جوار هذه السطور) أنه شارك مع آخرين في مظاهرات الثورة, وخطب في المساجد تحريضا ضد الجيش والشرطة, نقول إن بعضنا استقبله علي أنه ينطوي ضمنا علي اتهام للثورة والثوار بالوقوع في حبائل جواسيس إسرائيل, وكأن الملايين الذين ظلوا مرابطين في ميادين الثورة في أنحاء مصر يمكن أن ينطلي عليهم هذا التفسير المتشكك في دوافع إعلان ضبط الجاسوس, وكذلك كأن من غير الطبيعي أن يشارك في مظاهرات واعتصامات تلك الملايين المقدرة بالعشرات أعداد كبيرة من العملاء الأجانب والجواسيس, وأصحاب مخططات الوقيعة بين الجيش والشعب, وبين قوي الثورة نفسها, مثلما شارك في تلك المظاهرات والاعتصامات أعداد كبيرة من الأجانب الشرفاء إعجابا بالثورة وتأييدا لجماهيرها, أو مشاركة في حدث تاريخي بهر العالم كله, ويفخر كل من شارك فيه بهذه المشاركة, وحكايتها لأصدقائه وأولاده وأحفاده.

وفي حالة الجاسوس الإسرائيلي أيضا لم ينتظر الذين ادعوا القلق من تشويه صورة الثورة نتائج التحقيقات والمحاكمة علها تكشف الكثير مما وراء الأكمة.

أما أكثر ما يقلق من تداعيات ثورة الشك فهو اتساع الحديث الذي بدأ خافتا عن صفقة سرية بين المجلس الأعلي للقوات المسلحة, والتيارات الدينية, وعلي رأسها جماعة الإخوان المسلمين, ومع اعترافي بوجود دواع للقلق عند المطالبين بدولة مدنية ديمقراطية( وأنا منهم بصريح العبارة كما تشهد بذلك المقالات الثلاث التي سبق نشرها في هذا الباب تحت عنوان صعود الدور السياسي للدين), فإنني أجزم ـ بمنطق التحليل السياسي فقط ودون أي معلومات خاصة, أو ادعاء بالحديث نيابة عن المجلس الأعلي للقوات المسلحة ـ أجزم بأن عقيدة ونظرية الأمن القومي المصري تجعل القوات المسلحة في مقدمة القوي الرافضة لأن يترك قرار الحرب والسلام في مصر لتيار مستعد للحرب لأسباب غير مصرية خالصة, لأنها هي التي ستخوض هذه الحرب, وهي الأعلم من الجميع بواجبها ومهامها, وعقيدتها الاستراتيجية, ويغني هنا ـ كما يقال ـ الإجمال عن التفصيل.

إن مصر بعد ثورة25 يناير يجب أن تنبذ الإقصاء, والتخوين, ولكنها يجب أيضا ألا تنام ملء جفونها مطمئنة علي أن الثورة والوطن غير قابلين للاختراق والوقيعة.. وكل ذلك لن يتحقق إلا بهزيمة ثورة الشك الناشبة حاليا, مثلما هزمنا الثورة المضادة أو كدنا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل