المحتوى الرئيسى

قال وأخواته بقلم:ياسين السعدي

06/16 21:18

هدير الضمير

قال وأخواتها!!

ياسين السعدي

بعد أن استقر الأمر للعرب المسلمين، بعد الفتوحات الإسلامية الأولى في العهد الراشدي، بدأت مرحلة جمع الأحاديث النبوية، بينما بدأ جمع القرآن وتدوينه قبل ذلك. وبعد أن اطمأن المسلمون إلى حفظ أركان دينهم الجديد من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، التفتوا إلى وعاء حضارتهم وركن وجودهم الحضاري؛ ألا وهو اللغة العربية.

لقد بدأ النحو على يد الخليفة علي بن أبي طالب، كما تجمع مصادر التدوين. وقد أخذ النحو العربي اسمه من إرشادات هذا الخليفة الراشدي، حين طلب من أبي الأسود الدؤلي أن يدون بعض الملاحظات اللغوية تعليقا على القصة التي يرويها علماء اللغة؛ عن تعجب ابنته من جمال السماء، حيث أخطأت حين استعملت صيغة السؤال بدل صيغة التعجب في قولها: ما أجملُ السماء، بضم ما بعد ما التعجبية بدل فتحها، فأجابها: نجومها. فقالت: أنا لا أسأل عن أي شيء أجمل في السماء وإنما أتعجب من جمالها فردها علي، كرم الله وجهه، وقال لها أن تنصب ما بعد ما ولا ترفعه، وطلب من أبي الأسود أن يعمل ما يحفظ للناس لغتهم، ودله على المنهاج الذي يتبعه في ضبط اللغة، وقال له: انحُ هذا النحو. ومن هنا أخذ علم النحو اسمه.

أبو الأسود أبو علم النحو

وعليه، فإنه لا خلاف بين العلماء، على أن أبا الأسود الدؤلي هو مؤسس علم النحو العربي، كما أشرنا. لكن ذلك كان بتوجيه وإرشاد من الخليفة الذي قال فيه الرسول الكريم: (أنا مدينة العلم، وعلي بابها). ومن هنا نفهم كيف ولج أبو الأسود الدؤلي إلى مدينة العلم اللغوي، وأن ذلك كان من الباب الذي ذكره عليه السلام.

وقد توسع العلماء في تتبع قواعد اللغة العربية، وتدوين مفرداتها وطرق استعمالها، حتى قال بعضهم: أموت وفي نفسي شيء من حتى؛ كدلالة على أن الحرف (حتى) له استعمالات كثيرة، تتبعها العلماء حتى أعياهم الحصر.

ومن أبواب النحو العربي، باب يعرفه كل الذين وصلوا إلى المراحل الأولى من التعلم، وهو باب (كان وأخواتها)؛ لأن هذا الباب يعتبر (مركزيا) للدخول الصحيح إلى ميدان اللغة الفصيح والصحيح.

أما قاعدته، كما تعلمناها صغاراً، وعلمناها بعد ذلك، فتقول بأن (كان) تدخل على المبتدأ والخبر، فترفع المبتدأ، ويسمى اسمها، وتنصب الخبر، ويسمى خبرها. وتفعل أخواتها كما تفعل كان.

قال وأخواتها في الإعلام العربي

مثلما يوجد في اللغة العربية قواعد يتقيد بها متكلم اللغة العربية، فإنه يوجد كذلك قواعد يتقيد بها المشتغلون بالإعلام العربي. ففي قواعد اللغة، يوجد باب ( كان وأخواتها ) ، وفي قواعد الإعلام العربي يوجد باب (قال وأخواتها)، كمنهاج يتقيد به الإعلاميون الرسميون في كل وسائل الإعلام العربي.

من باب (قال وأخواتها)، يلج الناس جميعا إلى وسائل الإعلام العربية. وليس لهم من باب غيره، ولا بد من الدخول إلى كل نشرات الأخبار عبر هذا الباب أولاً. وكما أنه لا بد لكل من يدخل فندق الرشيد في بغداد، من المرور على صورة بوش الأب، المنقوشة على بلاط المدخل هناك، فإنه لا بد لكل من يتابع نشرات الأخبار العربية أن يلج من باب (قال وأخواتها)، ولا بد له من استجلاء صورة السلطان في بداية كل نشرة إخبارية.

ويوجد هذا الباب التلفزيون وفي الصحيفة وفي الراديو. وهو باب واسع مفتوح دائما، لا يغلق إلا عندما يغلق الناس عيونهم ليلاً. ومنها ما يظل مفتوحا على الدوام.

أمثلة قال وأخواتها

قلنا إنَّ (كان) لها أخوات يقمن بما تقوم به كان وأخواتها في اللغة. وأخوات كان؛ كما في (شرح شذور الذهب) لإبن هشام هي: أمسى وأصبح وأضحى وظل وبات وصار وليس. وهذه أخوات شقيقات، أما الأخوات غير الشقيقات، ولكنهن يعملن عمل ليس، فهن: ما زال وما برح وما فتئ وما انفك وما دام. ولعل لها أخوات لا ندريهن، ويعلمهن أهل العلم النحوي العربي.

أما قال، فهي كذلك لها أخوات: شقيقات وغير شقيقات. والفرق أن اللغة العربية الأم، أنجبت كان وأخواتها واكتفت بهذه الذرية الصالحة. لكن الإعلام العربي يلد لنا كل يوم أختاً لقال، سواء شقيقة أو غير شقيقة؛ وكلهن يقمن بما تقوم به (قال) المحظوظة والمدللة.

كل نشرة أخبار عربية تبدأ ب (قال)، متبوعة باللقب المناسب الذي نعرفه جميعاً. وقد يتبع اللقب دعاء لصاحبه بطول العمر، أو الحفظ من كل شر وسوء.

في التلفزيون تجد الصورة الناطقة المستبشرة دائماً. وفي الصحيفة تطالعك الصورة الضاحكة، سواء للسلطان أو الأعوان؛ وكلها تتقدم كل الأخبار. وكذلك الحال في الراديو؛ حيث تكون قال وأخواتها في موضع الصدارة. وكل الأخبار تدور حول نشاط السلطان اليومي، وكلها تبدأ بقال وأخواتها.

ما من وسيلة إعلام عربي واحدة، إلا وتبدأ بقال وأخواتها، وحسب منهاج لغوي إعلامي ثابت. فأنت تشاهد وتسمع، أو تشاهد وتقرأ، أو تسمع فقط، أن السلطان قال كذا وكذا. أما أخواتها فهن: صرح وتحدث وأوعز وأصدر توجيهاته وكلف فلانا أو حمله رسالة إلى أخيه السلطان فلان أو اتصل به.

أما الأخوات عير الشقيقات فهن أيضا كثيرات. فأنت تسمع مثلاً: عقد اجتماعا، أو توجه أو غادر إذا سافر. حتى الصلاة لها أخت من أخوات قال؛ فيقال صلى العيد في مسجد كذا أو صلاة الجمعة. أما في رمضان، فيقال: تناول طعام الإفطار، ولا ندري لماذا لا يذكرون طعام السحور. ومن يدري؛ فقد يلد الإعلام العربي أختا أخرى لقال فيها خبر ذهاب السلطان إلى الحمام وخروجه منه!

قال وأخواتها، تسود الخطاب الإعلامي العربي. والويل كل الويل للصحيفة إن أخرت (قال) أو إحدى أخواتها إلى الصفحات الداخلية. حتى الأتباع والأشياع فلهم الصدارة، كما تقول فيروز في إحدى أغانيها الجميلة.

من هنا نفهم؛ لماذا يصر الأبناء على متابعة مسلسلاتهم المفضلة. ونختلف معهم، أحيانا، عندما نريد متابعة نشرة الأخبار بعد الانتهاء من باب (قال وأخواتها)، لعلنا نجد في النشرة ما يطمئننا عن أوضاع مدينة فلسطينية محاصرة، أو بلدة داهمتها قوات الاحتلال، ولكي نعرف أخبار التقتيل والتدمير والتجريف اليومي في الوطن المحاصر.

حتى صغارنا صارت لديهم الخبرة بمحطات التلفزيون العربية، ويعرفون أن المهم من الأخبار يأتي في النصف الثاني من الوقت المحدد للنشرة، وبعد (قال وأخواتها) طبعاً.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل