المحتوى الرئيسى

> معالم المستقبل تحدده صراعات القوي السياسية

06/16 21:09

كتب - رولا خلف

نقلا عن : فاينانشيال تايمز

ترجمة - داليا طه

تشق الحشود طريقها إلي مدخل فندق شبرد علي ضفاف نهر النيل، ويجادلون بشكل صاخب الحراس الذين يسدون الطريق إلي اجتماع سياسي حاشد فعليا.

في قاعة احتفالات كبيرة تضيئها ثريات كريستال، تقوم لجنة من القادة السياسيين العلمانيين بتلخيص خطة للمستقبل في أعقاب الإطاحة بالرئيس حسني مبارك خلال هذا العام ـ ليس أقله آمالهم بأن الأحزاب التي تم تأسيسها حديثا من قبل أعضائها يمكنها أن تؤسس جبهة مشتركة من أجل التنافس في الانتخابات البرلمانية المقررة في شهر سبتمبر.

يحتفظ الجمهور أنيق الملبس، ومعظمه من الطبقة العليا، بأعلي صوت تصفيق للتصريحات الناقدة للإخوان المسلمين، المجموعة الإسلامية التي يعتبر حزبها الجديد متقدما بأشواط عن القوي الليبرالية في مصر من حيث التنظيم.

يريد الجمهور أن يعرف ما إذا كان الإسلاميون سيكونون ملتزمين، حسبما يقولون، بنظام دولة مدنية. وهل بإمكان التجمعات الليبرالية التنافس في الانتخابات كقوة واحدة متناسقة؟ يقول أحد الشباب: "علينا أن نوحد جهودنا ـ إن حزب "الإخوان المسلمين" يسبق الأحزاب الأخري. وبإمكان الأيديولوجية الليبرالية، والمجتمع المدني الرد علي الهجوم".

مر نحو أربعة أشهر علي تنحية الرئيس مبارك بعد أن أمضي ثلاثة عقود في السلطة، ويجري الآن فعليا الصراع علي الحكم في البلد العربي الأكثر عدد سكان. وفي الوقت الذي تتيح فيه وحدة الهدف التي ظهرت خلال الثورة المجال أمام حقائق الديمقراطية الناشئة، تم رسم خطوط المعركة بين الإسلاميين والقوي الليبرالية التي ستميز كل انتقال في فترة ما بعد الثورة في المنطقة.

ليس لثورة 25 يناير في مصر لون محدد ـ كان الإسلاميون طرفا واحدا فقط من بين العديد من القوي الاجتماعية في ثورة قادها الشباب. غير أن "الإخوان المسلمين"، وهي منظمة بقيت علي قيد الحياة رغم قرابة 80 عاما من القمع بفضل مزيج من العملية، واستراتيجية طويلة الأجل من التبشير الهادئ والعمل الاجتماعي، حيث يملكون ميزة الخبرة علي زملائهم المحتجين.

يراقب المسئولون في شتي أرجاء العالم، الذين طالما كانت صداقة مبارك مصدر راحة بالنسبة إليهم، الانتقال عن كثب. وفي دولة تظهر من رحم نظام ديكتاتوري، من الصعب تقييم اختيارات الناخبين، ولكن يتوقع الكثيرون أن يكون تأثير "الإخوان المسلمين" ملموسا بعد الانتخابات في سياسة خارجية أكثر شعبوية، وأكثر مناهضة لإسرائيل، وأقل تنازلا تجاه الغرب ـــ أكثر لينا مع إيران علي سبيل المثال ــــ وثمة المزيد من المخاوف، بصفتها المنظمة الإسلامية الأقدم عمرا في المنطقة، والأكثر أهمية، من احتمال أن يؤثر الإخوان المسلمون في الحركات الإسلامية الأخري، في زمن التغيير التاريخي في الشرق الأوسط.

في مصر الجديدة، يواجه حزب الحرية والعدالة الذي يدعمه "الإخوان المسلمون" تنافسا متزايدا كذلك علي الصوت الإسلامي في الوقت الذي تزداد فيه الصراعات الطائفية ـ بما فيها بين المسلمين والمسيحيين. وتبرز الحركة السلفية التي تؤيد شكلا أكثر تشددا من الإسلام، من المجهول، وتستعد للمشاركة السياسية. وتعكس المنافسة علي الصوت الإسلامي الانقسامات في بلد ما زال مشلولا علي الصعيد الاقتصادي بسبب الثورة، ويستمد الإخوان المسلمون الدعم من الطبقات الوسطي تاريخيا، ويناشد السلفيون الفقراء بشكل رئيس.

لا أحد يتوقع أن يفوز حزب الحرية والعدالة بالأغلبية في شهر سبتمبر ـ كما أنه لا يسعي إلي تحقيق ذلك، بعد أن قرر أن ينزل مرشحين إلي الميدان في 50 % فقط من الدوائر الانتخابية. ولكن من المحتمل أن يبرز بصفته الكتلة الأكبر في البرلمان. وفي بلد يصنف فيه نحو 40 % من السكان البالغ عددهم 80 مليون نسمة، بأنهم فقراء، وحيث مستويات البطالة عالية وفي ارتفاع ـ كانت المصانع تعمل بنصف طاقتها التشغيلية فقط منذ الثورة ـ يقول الإخوان المسلمون إنهم يسعون إلي الحصول علي "حصة" من السلطة، وليس مسئولية الحكم الكامل.

من مكاتبهم القديمة المتداعية، انتقل الإخوان إلي مقر أنيق جديد في القاهرة، بأرضيات رخامية، وبمقاعد من طراز لويس الخامس عشر، الطراز المحبب للطبقة الوسطي المصرية. وحينما يستقبل عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، مجموعة من الزوار، يشير ترحيبه إلي عدم وجود شيء إسلامي للغاية بشأن الحزب. ويقول: إن الحزب سيكون مفتوحا أمام الجميع، مسلمين ومسيحيين، نساءً ورجالا.

في غضون ذلك، يدعو بيانه إلي سيادة القانون، واستقلال القضاء، وحماية النظام الديمقراطي، والتوزيع الأكثر عدالة للثروة. وغابت العناصر المتشددة من نسخة عام 2007 ـ بما فيها تشكيل مجلس ديني للموافقة علي قرارات البرلمان، ومنع النساء، وغير المسلمين، من تولي منصب الرئاسة.

يقول العريان: إن دعم "الإخوان المسلمين" لحزبه لا يختلف عن دور نقابات العمال، أو اتحادات العمل في الغرب. ويصر قائلا "إن هذا ما يجري فعليا مع جميع الأحزاب السياسية في العالم". ماذا عن هدف "الإخوان المسلمين" لتشكيل دولة إسلامية؟ يشير العريان إلي "مادة لطيفة" في دستور البلاد تنص علي أن المصادر الرئيسة للتشريع في مصر هي مبادئ الشريعة الإسلامية، أو الفقه الإسلامي.

علي أي حال، يجادل عماد جاد، المحلل السياسي الليبرالي، وهو أحد مؤسسي الحزب المصري الديمقراطي الاشتراكي، بالقول إنه بغض النظر عما يقوله الإخوان، إلا أنهم في الواقع يرفضون مفهوم المواطنة بحد ذاته، ويعطون الأسبقية للدين علي القانون دائما. ويقول عن مسئولي المجموعة: "إن تصريحاتهم تناقض بعضها البعض دائما. وما يريدونه هو الوصول إلي السلطة ـ ولا يتعلق الأمر بالمبادئ".

يشكك جاد، وسياسيون ليبراليون آخرون، في أن المجلس العسكري الذي يدير الانتقال، ويرفض تأخير الانتخابات، دخل في واقع الأمر في صفقة غير معلنة مع "الإخوان المسلمين". ووفقا لهذه النظرية، التي تقول المجموعة إنها تقارب للمصالح، وليس صفقة، سيسمح لها بلعب الدور الأكثر تأثيرا في السياسة، مقابل إبقاء مؤيديها المسلمين بعيدا عن الشوارع في الوقت الذي تقوض فيه الاحتجاجات الاجتماعية المتكررة جهود الجيش لإنعاش الاقتصاد.

علي نحو يثير الفضول، ليس المعارضون السياسيون فقط يختلفون مع حزب الحرية والعدالة.

ويقول محمود قصاص إنه شخصيا، وأعضاء آخرين من الشباب في "الإخوان المسلمين" يعارضون الطريقة التي تم بواسطتها اختيار قادة الحزب - من قبل كبار القادة في المجموعة الإسلامية، وليس عن طريق أعضائه. كما أنهم قلقون بشأن آلية الاختيار الجديدة للعضوية. ويقول: "يجب أن يكون الحزب مستقلا، وبخلاف ذلك سيختلط الأمر علي أذهان المصريين".

يشير مثل هذا الخلاف إلي علامة لمعركة أكبر مع الأعضاء الأصغر سنا، وأكثر تقدمية، الذين يسعون إلي وجود ديمقراطية داخلية أكبر حجما. ويقول قصاص: "هناك هيكل هرمي في المنظمة، ولكنه يجب أن يتغير".

يشير الخلاف الأكثر علنية في حد ذاته إلي التغييرات التي تجري فعليا. ويقول حلمي الجزار، قائد رفيع المنصب في "الإخوان المسلمين"، إلي إنه تم اتخاذ قرار بعدم التنافس في الانتخابات الرئاسية، المقررة في مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية، وذلك لتفادي رد الفعل السلبي الدولي. ويقول: "لدينا علاقات مع حكومات غربية ـ إنهم يقدمون التمويل إلي مصر، ولا نريد معاقبة الشعب في مصر".

علي الرغم من ذلك، يقدم عبد المنعم أبو الفتوح، العضو الأبرز في الجناح الإصلاحي للحركة، نفسه كمرشح مستقل. ويصر علي أن بإمكانه أن يبقي مواليا لأفكار "الإخوان المسلمين"، ومع ذلك الترشح دون دعمهم، وخدمة مجتمع "الفسيفساء" المصري.

أدت خطوته إلي توجيه انتقادات من قبل النقاد بأن "الإخوان المسلمين" يسعون في واقع الأمر إلي الوصول إلي الرئاسة من الباب الخلفي. ويصر أبو الفتوح قائلا: "حتي لو أراد حزب الحرية والعدالة أن أكون مرشحه، فإنني سوف أرفض. ولكن سيكون من الطبيعي لكل شخص لديه برنامج إصلاحي أن يترشح للرئاسة، ويضعه قيد الممارسة العملية".

يواجه "الإخوان المسلمون" معضلة. فمن الناحية الأولي، يتم سحب المجموعة التي كانت تدعمها تقليديا الطبقتان الوسطي والمهنية إلي الاتجاه الإصلاحي علي نحو أكثر من قبل عدد متزايد من الأعضاء ـ يقول أبو الفتوح إن اتجاه المجموعة إصلاحي، وليس محافظا. كما أنها تراقب، وتأمل في التغلب علي الأعضاء الأكثر تشددا في الحركة السلفية.

علي الرغم من أن الحركة تتمتع بحرية جديدة في أعقاب عقود من القمع في ظل نظام مبارك، يقول الخبراء إن السلفيين يبقون غير منظمين خارج معقلهم في الإسكندرية، ثاني أكبر مدينة في مصر. وهناك تجمع من الإسلاميين، بما في ذلك المنظمات الأكبر عمرا، التي كانت متطرفة في الماضي، تتقرب من أصوات الحركة التي تقع بشكل رئيس بين الفئات الأكثر فقرا من السكان.

علي سبيل المثال، أعلن عبود الزمر ـ قائد سابق في الجهاد الإسلامي (الذي أصبح جزءا من القاعدة) خرج لتوه من فترة 30 عاما من السجن لتورطه في اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981 ـ عن نفسه أنه سلفي. ومثل الإخوان المسلمين، يريد كذلك تأسيس حزب سياسي "مدني"، ويعمل بحسب قوانين الديمقراطية. ويقول: "سعي الشباب إلي الصراع العنيف لأنهم لم تكن لديهم فرصة للصراع السلمي".

علي أي حال، فإن السلفية حركة مثيرة للجدل. فقد أشعلت بعض إرشاداتهم وأفعالهم التوترات بين المسلمين والمسيحيين، وكان أتباعها متورطين في حرق الكنائس.

يقول الشيخ عبد المنعم الشحات، الناطق باسم الحركة السلفية، إن "الإخوان المسلمين" تمادوا كثيرا في مبدأ العملية. ونسي "الإخوان المسلمون"- "الصورة المثالية"- للإسلام، حيث يقتصر دور المرأة علي المنزل إلي حد كبير.

يرد مسئولو الإخوان المسلمين بالقول إن السلفية "رجعية"، وتفتقر إلي النضج. ويقول أحد قادة المجموعة: "إننا نتحدث إلي شيوخ السلفيين، وكنا نحاول إطفاء نيران الصراع الطائفي، حتي لم يتم ذلك علنيا. ويريد السلفيون الدخول في معترك السياسة، ولكن السياسة، في نهاية المطاف، لا تتمحور حول العقيدة، وإنما حول المرونة".

إن العديد من المصريين، وغير المصريين، قلقون بشأن أمل الانتقال، بحيث إنه في الوقت الذي يحاول فيه "الإخوان المسلمون" ترويض السلفيين، سيضطرون إلي أن يصبحوا أكثر اعتدالا وميلا إلي الإصلاح، بموازاة خطوط حزب العدالة والتنمية، الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل