المحتوى الرئيسى

نحو إئـــــــــتلاف وطنـــــــي بقلم:أ. غالب يونس

06/16 20:45

نحو إئـــــــــتلاف وطنـــــــي

أ. غالب يونس

أعتقد أننا أحوج ما نكون‏ خصوصا في هذه المرحلة من تاريخ وطننا‏ إلي إقامة ائتلاف وطني‏ يجمع كل القوي والتيارات المدنية في المجتمع الفلسطيني‏ , خصوصا تلك التي لا تزال مؤمنة بأن الدولة المدنية الحديثة هي أسرع الطرق وأقصرها في اتجاه تحقيق أحلام التقدم والأماني الوطنية العادلة والمشروعة .

والعارف بالتاريخ الفلسطيني الحديث يدرك أن شعار الائتلاف الوطني سوف يظل الشعار الذي يرفعه دعاة الوحدة الوطنية إنقاذاً من تشرذم القوي السياسية وإنزلاقها إلي ما يباعد بينها وتحقيق الأهداف الوطنية العليا أو تركها في أياد مستبدة ... وسوف تبقى فكرة الائتلاف الوطني هي حلم القوي الوطنية العاقلة التي تري المخاطر الحقيقية للتشرذم والتشقق والصراع الذي يتباعد بالوطن عن أهدافه القومية العليا.

ولا أتصور هذه الأهداف القومية العليا بعيدا عن إقامة دولة مدنية حديثة بكل لوازمها المقترنة بالتعددية الحزبية ومبدأ تداول السلطة وتقديس المواطنة بمعانيها التي لا تعرف التمييز الديني أو الاجتماعي أو الحزبي الخ وأضيف إلي ذلك تحقيق العدل الاجتماعي الذي هو الجناح الملازم للحضور الأمثل للحرية السياسية والتعددية الحزبية علي السواء ، ولا أري عدوا يواجه كل هذه العناصر سوي خطر الدولة الدينية التي تعمل من أجل قيامها قوي دينية سياسية الأهداف , وصلت إلي أخطر مدي من التأثير والتعدد بين الطبقات التي أنهكتها الأزمات الاقتصادية , ولا تزال محرومة من الحد الأدنى من الحياة الإنسانية الكريمة ولا أدل علي ما وصل إليه خطر عمليات التديين السياسي ما نشكو منه من انحدار الثقافة العامة للمجتمع الفلسطيني , وتراجعها الذي ما كان يمكن أن يتخيله أحد , مصحوبا للأسف باحتقان ديني ينفجر بين حين وآخر علي امتداد الوطن الذي ابتدع شعار الدين لله والوطن للجميع .

وليست المخاطر الثقافية والدينية وحدها هي التي تؤرق المتأمل في مستقبل الوطن , فإلي جانبها , ولا ينفصل عنها الأزمات الاقتصادية المتصلة بغيرها من الأزمات التي لا اعتقد أن هناك حزبا واحدا قادرا علي حلها منفردا , أو بعيدا عن التعاون والحوار مع غيره من الأحزاب والقوي السياسية في مدي العمل المشترك من أجل فلسطين التي هي الأصل الذي يضم الأخوة الأعداء الذين لابد لهم في اللحظات الحرجة أن يبحثوا عن صيغ تصل بينهم , وتقارب بين أهدافهم , وتعينهم علي العمل المشترك من أجل وطن هو أسمي منهم جميعا .. وأظن أن اللحظة التاريخية التي نعيشها الآن هي واحدة من هذه اللحظات التي تبعث في الذاكرة ضرورة التوصل إلي صيغة فاعلة من صيغ الائتلاف الوطني هي أعلي من تصارع الأحزاب , وغوغائية الأصولية السياسية وأنانية احتكار السلطة , فضلا عن المصالح والأهواء الشخصية التي لا تعرف سوي أضيق معاني المنفعة المادية وأكثرها إيغالا في الأنانية .

وظني وأرجو أن أكون مخطئا أن هناك نزعة لدى حركة فتح والحكومة في رام الله وكما في غزه حركة حماس وحكومة غزه , اللتان تدعي كلا منهما امتلاك القدرة علي الحل المنفرد لكل مشكلات الوطن دون عون من القوي الوطنية الأخرى التي لا تقع تحت مظلة أي منهما من ناحية وترفض احتكارهما المطلق للسلطة من ناحية ثانية .

وبرغم أن العالم كله ينادي اليوم , بمفهوم الاعتماد المتبادل لمواجهة المشكلات التي لا تستطيع أمة بمفردها مواجهتها , خصوصا فيما يتعلق بالبيئة وما يتصل بها من مشكلات مصاحبة أو ملازمة , فإن مفهوم الاعتماد المتبادل غائب عن ثقافتنا السياسية التي تعودت إلغاء التعددية السياسية منذ تحجيم الأحزاب الفلسطينية لأكثر من نصف قرن , وما ترتب علي ذلك من سطوة الصوت الواحد الذي يفرض هيمنته علي الجميع الذين لا يملكون سوي الاستسلام الذي أورثنا السلبية السياسية .

ولكن مشكلات فلسطين الآن قد وصلت إلي درجة من التعقيد والتفاقم والتراكم الذي لم يعد ينفع معه استبدال الأحزاب بأخرى , أو إكمال ديكور الحزب الواحد بأحزاب صورية محاصرة بلا فاعلية , ففكرة واحديه الحزبين المهيمن كالديكورات الإكمالية عفي عليها الزمان , مهما حاول البعض إضفاء صور براقة خادعة عصرية لها , فالمأزق الوطني أكبر وأصعب من أن ينجح في مواجهته حزب بمفرده إلا إذا كان واهما ... وظني وأرجو أن أكون مخطئا للمرة الثانية أن الذين يدافعون عن الانفراد المطلق بالسلطة عمليا , إنما يدافعون عن مصالحهم في احتكار السلطة والثروة , خصوصا إذا كانوا يمتلكون معهما ما لا يمكن تبريره من سطوة قصيرة العمر قليلة الحنكة , أحادية النظرة وفي تقديري , أن الوقت قد حان للدعوة إلي تكوين ائتلاف وطني بين كل التيارات والأحزاب السياسية المؤمنة بأن الدولة المدنية الحديثة , بكل شروطها ولوازمها, هي أولي الخطوات اللازمة لتحقيق وعود المستقبل للمواطن الفلسطيني الذي يتحدث الجميع باسمه , بينما يظل هو في حال من الصمت وعدم الثقة في كل ما يحدث حوله , أو يدعيه الآخرون باسمه صحيح أن انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة التي جاءت بما جاءت من أشياء سلبية , تركت مرارة في حلوق كثيرة , أو ألما في نفوس أكثر, لكن الفرصة لم تضع تماما بعد, فكل القوي المدنية , وما أكثرها في فلسطين , تجمع علي ضرورة وجود وحماية الدولة المدنية الحديثة بكل لوازمها ولا استثني من ذلك عقلاء فتح وحماس ... ولذلك فمن المنطقي أن يبدأ أي ائتلاف وطني من نقطة يتفق عليها الجميع , وهي الإيمان بالدولة المدنية الحديثة وعدم قيام أحزاب علي أساس ديني , ومن نقطة البداية هذه , يمكن فتح أكبر حوار بين القوي المدنية حول إمكان تحقيق التعددية الحزبية , بعيدا عن السلبيات التي يعرفها الجميع , والاعتراف الحقيقي وليس الشعاراتي بتداول السلطة , فضلا عن التمييز الواضح بين السلطات , ومنح القضاء كل ما يتيح له أن يكون حكما عادلا بين السلطات .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل