المحتوى الرئيسى

مشكلات الغذاء في الوطن العربي وسبل حلها بقلم:أمجد طه البطاح

06/16 19:53

مشكلات الغذاء في الوطن العربي وسبل حلها

كتب : أمجد طه البطاح

كاتب وصحفي ومحلل سياسي سوري

لعل توفير الغذاء لبني البشر من أخطر المشاكل التي يعاني منها عالم اليوم الذي يواجه الكثير من التحديات الخطيرة فتشير الإحصائيات إلى أنه يموت أكثر من مائة ألف نسمة جوعاً كل يوم كما تودي أمراض سوء التغذية بحياة عدد يتراوح بين مائة ألف وثمانين ألف أخرين في اليوم الواحد .

ومشكلة الغذاء ليست تحدياً للنظام الإقتصادي فحسب وإنما لكافة الأنظمة الإجتماعية والسياسية الأمنية إذ أنه لا إستقرار ولا أمان في عالم تهدده المجاعة وتنتهكه أمراض سوء التغذية ومما يجعل المشكلة تزداد سوءً تلك الزيادات السكانية العالية وبخاصة في البلدان النامية أو المتخلفة التي كانت نتيجتها التي تفوق معدلات نمو إنتاج الغذاء إن زادت واردات البلدان النامية من المواد الغذائية بشكل كبير فمن مستويات منخفضة نسبياً في الخمسينات إلى ما يقرب ( 150 ) مليون طن من الطعام حتى عام ( 1990 ) وإنه لمن غير المحتمل ضمن الظروف الإقتصادية السائدة حالياً أن تستطيع الأقطار الرئيسية المنتجة للغذاء توفير مثل هذه الكميات الكبيرة .

أرقام

وستظل أزمة الغذاء إلى ما بعد بداية هذا القرن تشكل كابوساً مخيفاً يقلق حياة الناس في معظم بلدان العالم الثالث على الرغم من أن إنتاج العالم من الحبوب بلغ عام ( 1988 ) مليار طن حسب إحصاءات الفاو والفائض منها وصل إلى ( 874 ) مليون طن تم إمتصاصها من قبل أسواق البلدان النامية التي تعد الحبوب بالنسبة لها قضية حياة أو موت إذ تحتاج إلى ( 1500 ) مليون طن من الحبوب بينما إنتاجها لا يتجاوز ( 600 ) مليون طن في ذلك الوقت .

وبحكم إنتمائه للعالم الثالث فإن وطننا العربي ليس ببعيد عن المخاطر التي تهدد الأمن الغذائي حيث تعتبر البلدان العربية من أكثر مناطق العالم إعتماداً على الخارج في الحصول على الغذاء فهي أكثر من غيرها تأثيراً بمشكلة الغذاء العالمية وأشدها تضرراً على الرغم من أن نسبة الذين يعملون في الزراعة في الأقطار العربية تتراوح ما بين ( 53 % ) و ( 84 % )من مجموع القوى العاملة وهي لا شك نسبة عالية جداً تفوق نظيراتها في معظم بلدان العالم الثالث وتشكو جميع البلدان العربية عجزاً في إنتاج الغذاء ولكن بدرجات ونسب متفاوتة وذلك بسبب النمو السكاني المتسارع وغير المتناسب مع نمو الإنتاج الغذائي في الوطن العربي .

فإذا عدنا إلى فترة الخمسينات والستينات نجد أن العجز في المواد الغذائية في البلدان العربية كان صغيراً نسبياً حيث كانت مداخيلها من الصادرات الزراعية توفر لها العملات الصعبة لا لشراء المواد الغذائية غير المتوفرة فيها فحسب بل لتمويل برامج التنمية الإقتصادية أيضاً بيد أن وتائر نمو الإنتاج للمواد الغذائية أخذت تتخلف إلى حد كبير عن الطلب المتزايد عليها نتيجة لإزدياد السكان من ناحية ولإرتفاع إستهلاك الفرد الواحد من ناحية أخرى ففي الأعوام ( 1971 – 1980 ) إزداد إنتاج الحبوب والزيوت في العالم العربي حوالي ( 2 % ) في حين إزداد الطلب على الحبوب بنسبة ( 6 % ) وعلى الزيوت النباتية بمقدار ( 7 % ) وهذا ما حدث في مجال الإنتاج الحيواني أيضاً رغم الزيادة السنوية في إنتاج الحوم بمعدل ( 3 % ) و البيض ( 8 % ) والحليب ( 4 % ) فقد إزداد الطلب الفعلي على هذه المواد بنسبة

( 6 % ) للحوم والحليب و ( 9 % ) للبيض .

وهنا نرى أن المشكلة الغذائية قد تفاقمت منذ بداية السبعينات عندما بدأت فاتورة الغذاء المستورد بالإرتفاع عاماً بعد عام وعندما بدأت البلدان المصدرة للمواد الغذائية تلوح بإستعمال تلك المواد كسلاح يباع بسعرين السعر المادي والسعر السياسي .

الطاقات المادية الزراعية

يملك الوطن العربي إمكانيات جبارة تتجسد في الطاقات المادية التي تحويها مكامن الأرض الواسعة وتربتها الزراعية الخصبة المعطاءة التي لو أستثمرت بشكل موضوعي وعلمي لأنتجت من الخيرات المادية ما يكفي لسكان الكثير من دول العالم .

ويعد السودان واحد من ثلاث دول في العالم (( هي كندا وأستراليا والسودان )) ويعتبر مستودعاً غذائياً إحتياطياً ليس للسودان فحسب بل للوطن العربي بأكمله لأنه لو أستثمرت تربته الزراعية بإستخدام التقنيات الحديثة التي تستخدم في البلدان المتطورة فإنها ستؤمن الغذاء للوطن العربي بأكمله وإذا علمنا أن أقل من (( 1 % )) من الآراضي الزراعية العربية يستثمر بشكل سليم سنشعر بمدى الخلل القائم في الوطن العربي بالنسبة لإستثمار طاقاته المادية الزراعية .

كما يملك الوطن العربي موارد مائية (( جوفية وسطحية )) غزيرة فلديه أضخم الأحواض النهرية في العالم حيث تؤكد الإحصاءات بأن نقص الرقعة الزراعية المروية لا يعود إلى قلة المياه وندرتها بقدر ما يعود إلى سوء إستغلالها .

الطاقات البشرية

يملك الوطن العربي طاقات بشرية جبارة بنوعيها (( الفيزيائية و الذهنية )) تشكل منها قوة إنتاجية هامة فيما لو أستثمرت بشكل عقلاني سليم وبعيد عن الهدر والضياع .

الفجوة الغذائية

بدأت الأقطار العربية تعاني من فجوة غذائية منذ سبعينات القرن الماضي ولا زالت تزداد هذه الفجوة إتساعاً بإطراد فنجد أن واردات القمح كمادة غذائية إستراتيجية بلغت إنتاجيتها عام ( 1973 ) حوالي

( 7 ) مليون طن وفي عام ( 1977 ) وصلت إلى ( 9 ) ملايين طن وفي عام ( 1985 ) وصلت إلى

( 21 ) مليون طن أي أنها تضاعفت ثلاث مرات خلال أقل من ( 15 ) عاماً وتعد الدول العربية من أكثر دول العالم إستيراداً للحبوب مع أن خصوبة تربتها الزراعية من المفترض أن تجعلها مصدرها لهذه المادة وقد إنخفض الإكتفاء الغذائي العربي بنحو ( 60 % ) خلال العقدين الماضيين ويتركز هذا الإنخفاض أساساً في الموارد الأساسية كالقمح واللحوم والسكر وتحول الوطن العربي إلى أول منطقة عاجزة عن تأمين متطلباتها الغذائية في العالم فهو يعتمد على المساعدات الخارجية والمشتريات خصوصاً في مصر والجزائر والسعودية والمغرب والعراق .

وصارت الدول الغربية والمصدرة أو التي تقدم مساعدات للدول العربية تتحكم تحكماً قوياً بمقدراتها الغذائية والإقتصادية والسياسية وإذا لم يتطور إنتاج الغذاء في الدول العربية بمعنى إذا لم تستخدم الدول العربية منجزات العالم الحديثة في الإنتاج الزراعي مستقبلاً فإنه لن يحصل إكتفاء ذاتي وسوف يتعرض

( 100 ) مليون عربي لنقص الغذاء والجوع .

أسبابها

إن أسباب الفجوة الغذائية في الوطن العربي لا تعود إلى عدد السكان بل ترجع أساساً إلى التجزئة والتشتت الذي تعيشه أقطاره ولتوزع السكان فيه بشكل غير منتظم مما ينعكس سلباً على الإنتاج الغذائي وبالتالي توفير الغذاء لأبنائه ويمكن تقسيم أسباب الفجوة الغذائية إلى ما يلي :

أسباب أساسية

أخفقت الدول في إتباع خطط تنمية سليمة وخاصة في الإصلاح الزراعي مما أدى إلى تجزئة الخيرات الزراعية بشكل كبير إضافة إلى أن العديد من خطط التنمية ركزت على الإستثمار في مجال توسيع الرقعة الزراعية بإتجاه أفقي وأهملت إمكانية التوسيع الرأسي ومضاعفة الإنتاج كما أخفقت الدول العربية في وضع سياسة تخطيط قومية مشتركة لمواجهة المشكلات الغذائية والنقص الغذائي .

لقد وضعت في الوطن العربي سياسات سعرية لا تخدم القطاع الزراعي بقدر ما تخدم القطاع الصناعي ولم توضع في العديد من الأقطار العربية سياسة حوافز ودعم وتنشيط للقطاع الزراعي كما أنه لا يوجد في الوطن العربي تكامل قومي إقتصادي فكل قطر يخطط وينفذ مشاريعه ويستثمر طاقاته بمعزل عن الأقطار الأخرى وأيضاً نجد أن التبادل التجاري العربي ضعيف مقارنة بالتبادل التجاري مع الدول الأجنبية كذلك تعد الثروة النفطية أضخم الثروات في الوطن العربي وأكبرها حيث تعتبر مصدراً لتأمين القطع الأجنبي الضروري لتوسيع الإنتاج وإعادة تجديده في شتى ميادين الإقتصاد القومي .

أسباب طبيعية

لقد حول الإستثمار الجائر خلال عهود من الزمن التربة الزراعية غلى تربة ذات صفات خاصة تحد بشكل كبير من معدلات النمو والتنمية في الإنتاج الزراعي حيث تتميز الآراضي الزراعية المروية في سورية وغيرها من الأقطار العربية بنسبة ملوحة عالية تؤدي لتدهور الإنتاج في وحدة المساحة وخاصة بالنسبة لمحاصيل الحبوب (( القمح والشعير )) إذ تزداد نسبة الملوحة سنة بعد أخرى لعدم وجود شبكات ري وصرف جديدة وعدم إستخدام منجزات العلم الحديث وكذلك تعاني الأتربة في المناطق الزراعية البعلية من مشكلات الإنجراف والحت والتآكل مما يؤدي إلى الهجرة الريفية بالإضافة إلى وجود آراضي زراعية تعاني من نقص كبير في بعض العناصر الغذائية (( r-p –k )) والعناصر النادرة التي يحتاجها النبات بكميات قليلة مما ينعكس سلباً على الإنتاجية وعدم توفير الغذاء اللازم .

إن أكثر من ( 85 % ) من الأتربة الزراعية في الوطن العربي تعتمد أساساً في إستثمارها على مياه الأمطار وهذا يؤدي إلى تقلب الإنتاج الزراعي وعدم إستقراره وتعطيل إستخدام وسائل الإنتاج الحديثة في الإنتاج الزراعي .

أسباب مالية

تشير الدراسات إلى أن الآراضي العربية القابلة للإستصلاح بحاجة إلى ( 237 ) مليون دولار وهذا الرقم قليل نسبياً إذا ما قيس بمردود الإنتاج الذي يعقب عمليات الإستصلاح وزيادة غلة وحدة المساحة إذ أن الدول العربية وخاصة النفطية منها تملك من الدولارات في البنوك الغربية ما يسد الحاجة وزيادة لكن هذه المبالغ تستفيذ منها البلدان الغربية في مشاريعها التنموية وتغطي تعويض البطالة عندها على حساب شعبنا ولو استثمرت هذه الأموال النفطية العربية في مشاريع تنموية عربية لإستطاع العرب تغطية جميع ما تحتاجه هذه المشاريع من أموال وأرصدة وفي كل قطاعات الإقتصاد القومي وإستطاعوا إنتاج ما يكفي من المواد الغذائية ليس لسد الإكتفاء الذاتي فحسب وإنما لسد حاجات الصناعة والتصدير وتأمين القطع الأجنبي الضروري لتوسيع الإنتاج وإعادة بناءه .

أسباب تكنولوجية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل