المحتوى الرئيسى

الحكومة التكنوقراطية في الفكر الإسلامي

06/16 13:25

بقلم: وليد رمضان الشهبة

حين يجهل المرء أنه يمتلك كنزًا ثمينًا تراه يتردد على موائد الآخرين يبحث عندهم ما يقتات عليه، وما أصدق الشاعر حين قال:

 

كالعيس في البيداء يقتلها الظما  والماء فوق ظهورها محمول

نقول ذلك ونحن نرى دعوات تتردد بالمطالبة بحكومة "تكنوقراط"، وكأنها فكرة عبقرية تفتقت عنها أذهان النخبة والمثقفين، وصارت من إبداعاتهم الحصرية باعتبارهم المخلصين الذين يفكرون في خدمة هذا الوطن.

 

والتكنوقراطية مصطلح مكون من كلمتين؛ الأولى "تكنو" يونانية بمعنى المعرفة والعلم، والثانية "كراتس" إغريقية وتعنى الحكم؛ وبذلك يكون معناها: حكم الطبقة العلمية المتخصصة في مجالاتها، فهي تختار الأكفأ في تخصصه ليكون من أعضائها، كأن يتم تعيين أفضل الأطباء وزيرًا للصحة، وغالبًا ما يتم تشكيلها من رموز عامة ليست لها صلة بأحزاب، ويتم اللجوء إليها في الأزمات السياسية.

 

إلا أنه فاتهم أن الكفاءة وحدها ليست كافية، فإن هذا المنصب كما يحتاج إلى الكفاءة، فإنه يحتاج إلى المدير الناجح الذي يضع الخطط، ويُشرف على تنفيذها، ويتابع المؤسسات التي تحت تصرفه بكل وعي وحكمة، ويختار مساعديه ممن يتصفون بالبراعة إداريًّا وعلميًّا، ويكون لديه القدرة على قيادة فريق عمل؛ حتى يحقق ما يرجوه من تقدم ورخاء.

 

وكم من عظماء وعباقرة في تخصصاتهم وليست لديهم القدرة والكفاءة الإدارية لإدارة هذا العمل الضخم، وهذا ما أجاب به الراحل الدكتور مصطفى محمود حين عرض عليه رئيس الوزراء عاطف صدقي تولي الوزارة، وهو أفضل تكنوقراطي لهذا المنصب، فقال له: يا سيادة الرئيس لقد فشلت في إدارة بيتي فآل الأمر إلى الطلاق، فكيف أنجح في قيادة وزارة؟!.

 

وقد تناسى المنادون بهذه التكنوقراطية أن الإسلام أول نظام أقرَّ الحكومة التكنوقراطية وتمسَّك بها؛ فنبي الله يوسف- عليه السلام- قال للعزيز: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: من الآية 55)، فطلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض لوضع سياسة اقتصادية يواجهون بها سبع سنين من الجدب، وتلك مسألة تتطلب حكمة وحفظًا وعلمًا؛ لذلك علل هذا الطلب بأنه "حَفِيظٌ عَلِيمٌ"، ولم يقل "إني نبي مرسل"، فارتبط طلبه بقدرته وأهليته لوضع خطة محكمة لمواجهة هذه الأزمة.

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم في حكومته أهل الكفاءة والتخصص ومَن يتصفون بحسن القيادة والبراعة في التنظيم بصرف النظر عن تقدم إسلامه أو تأخره؛ فلم يكد يمر شهران على إسلام الصحابي الجليل عمرو بن العاص حتى كان على رأس سرية فيها من المهاجرين من سبقه إلى الإسلام بعشرين عامًا، وما أسندت إليه هذه القيادة إلا لأنه أكثرهم تكنوقراطية (كفاءةً وتخصصًا).

 

ولم تمض أربعة أشهر على إسلام خالد بن الوليد حتى عقد رسول الله له لواءً يوم فتح مكة، وأرسله على رأس سرية لهدم العزى، وقدَّم طليعته في حنين؛ لأنه يعلم أن خالدًا أكثر الناس تكنوقراطيةً، فهو القائد المغوار الذي برع في الحرب فارسًا ومخططًا.

 

وتابع أبو بكر الصديق سياسة تطبيق معيار الكفاءة والتخصص في اختيار القادة، فكان قد أرسل أربعة قواد لفتح الشام، هم: أبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، فظلوا شهرًا باليرموك في ثلاثين ألفًا، والروم في مائتين وخمسين ألفًا، ولا يقدر المسلمون على عدوهم، فعلم الصديق أن الحل في تولية أكثر الناس كفاءةً وتخصصًا (تكنوقراطية) فانتدب خالد بن الوليد من العراق إلى الشام، فوضع الخطة، وتولى القيادة، وأنهى المعركة في يومٍ واحد.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل