المحتوى الرئيسى

المستشار فؤاد راشد : القانون المغيب !

06/16 11:59

ما أن يطأ المصري أرضا خارج مصر حتي يكون من أشد الناس انضباطا , وما أن يطأ بعضنا أرض الوطن حتي تسمع وتري مايثير العجب, وفي بعض المرات لايصبر بعضنا حتي تهبط الطائرة أرض الوطن ليتصرف علي ( كامل راحته ) وقد شهدت مرات مشاجرات بين بعض قومنا في قلب الطائرة المتجهة الي مصر لأسباب فارغة  لأنه ليس متصورا أن توجد أسباب حقيقية للشجار بين ركاب طائرة , ولا أخفي أنني كنت في كل مرة أشعر بالخوف والطائرة في أعالي الفضاء كقشة تحركها الرياح بينما الفاظ السباب والتهديدات متبادلة مع عبارة نمطية يتطوع بها بعض المصريين متوجها بها للمتشاجرين  قائلا ” حرام عليكم فضحتونا ” !

لقد تحول الشارع المصري الي فوضي مدمرة للأعصاب وأصبح دخول أكثر الأماكن في المدن الكبري محنة حقيقية , وفي أحد الأيام رأيت واقعة جعلتني أتساءل هل نترك البلد ونفر من  الفوضي , كنت أمر بشارع في مدينتي ورأيت مشاجرة , كان طرفها الأول رجلا تبدو عليه ملامح القوة وطرفها الثاني رقيق الحاشية  وكانت زوجته معه , كان الأول يحاول ضربه بعصا  غليظة وهو ساكت لايبدي حراكا , وكان يتلقي الشتائم البذيئة المهينة ولايرد , وبصعوبة بالغة أمكن أن نخرج الشاب المهذب  بسيارته بينما تتبعه الآخر بالسب القبيح  ثم أردف يسب الدين أيضا  , وكان الغيظ قد تملكني  فاقتربت منه وقلت  الا تستحي حتي  من الله , فرد قائلا لقد قلت له امض حتي أضع سيارتي مكان سيارتك لأني أقيم في نفس الشارع وهو عابر سبيل فرفض !!! وفي الحقيقة أنني بهت لغرابة السبب لأن الطريق العام ملك الجميع لا أولوية فيه لأحد , ولكن الناس علي دين ملوكهم !

وخذ عندك من الأمثلة مالايحصي , تسير في طريق  فتصادف حفل عرس و عددا هائلا من السيارات ومعها عدد من ” التكتك ” والكل يتصرف تصرفات يأباها حتي  منطق الغابة باعتبار أن للغابة قانونا يحترم مهما كان بدائيا فلا أظن أن سكانها يخرجون ليلا ليمزقوا سكون الكون ويثيرون الاضطراب بلا ضابط ولا رابط , ويمر عابر السبيل في وسط هذه الفوضي الرعناء متشهدا علي روحه لأنه يلاحق ويضيق عليه عمدا حتي لايمر لأن التباهي الأجوف عند بعضنا يصل الي حصر عدد ماحوصر من سيارات علي الطريق .

وفي حدود علمي فان أسباب خرق القانون الرئيسية ثلاثة , أولا أن بعضها ظالم  , فعندما كنت قاضيا بمحكمة الجنح كانت عقوبة القتل الخطأ تنزل الي غرامة مائة جنيه مع امكان  ايقاف التنفيذ بينما كانت عقوبة بناء كوخ في حدها الأدني  الحبس ستة أشهر وغرامة عشرة الاف جنيه دون امكان  وقف التنفيذ , بحيث أن قتل مائة مصري أيسر في نظر القانون المصري  من بناء كوخ !

والسبب الثاني هو انعدام القدوة في احترام القانون ووجود القدوة فعلا في خرقه والخروج عليه  وأنت تري أن الكبار هم أستاذة خرق القانون باعتبار المأثور المصري التليد  أن الماء لايطلع للعالي , فأكثر من  يخرق قانون المرور  هم رجال القانون أنفسهم بدءا من تعمية زجاج السيارات الي وضع سارينات نجده لزوم المظهرية الفارغة الي القيادة أحيانا بدون رخصة , ولا أعرف هل نضحك أم نبكي عندما نعلم أن هناك عرفا جاريا باعفاء فئات كثيرة من تطبيق قانون المرور كله تقريبا ! تصوروا ؟!

ولقد بلغت الاستهانة بالقانون مداها عند قمة السلطة العليا , فالرجل الذي أقسم علي احترام الدستور الذي ينص علي النظام الجمهوري كان يقنن لحكم وراثي مدعوما بجيوش من عديمي الضمير , ولازالوا جميعا لليوم ينعقون بلا خجل ولاحياء حتي يسأل المرء نفسه من أي طينة جبل هؤلاء!

والسبب الأخير هو ضعف الية تطبيق القانون عموما , ولنا أن نأخذ مثلا قانون المرور ومايجري , فما أن تضبط حملة مرورية مائة سيارة حتي يبرز منهم ثمانون أو أقل أو اكثر من ” المسنودين ” سواء بذواتهم أو أقاربهم أو معارفهم , وفي لمح البصر تعمل الهواتف النقالة ويتلقي الضباط الف مكالمة , وتزيد الضغوط  ليفلت هذا ثم هذا ثم هذا , وفي بعض المرات تفلت الأكثرية , وقد سمعت  من بعض الضباط أنه ترك الباقين يفلتون بدافع الحياء و والاحباط لأنه بعد جهد جهيد يكون الباقي المتاح هو تطبيق للقانون علي الضعفاء وحدهم , خاصة أن بعض هؤلاء يتمتم وربما صرخ مطالبا بالمساواة .

وليس من المعقول ولا من المقبول أن يقال ان هذا واقع وأنه جزء من ثقافة متجذرة يصعب تغييرها , لأن مهمة الدولة أن تقود لا أن تنقاد وأن تسن القانون وتكون هي أول من يحترمه , ولن يخضع المواطن للقانون طائعا راضيا الا عندما يقتنع  بالفعل بعدالة القانون وأنه ليس تكليفا بالمستحيل , وعندما  يخضع للقانون الكل بلا تمييز , عندما تكسر سيارة الوزير اشارة المرور فيجري توقيفه , وعندما يمر مدير الأمن فلاتوقف قهرا  كل السيارات من كل الاتجاهات صفوفا هائلة وجنابه  لازال يحتسي القهوة بالاستراحة  أو بمكتبه  حتي تري حشود سيارات كأنما حرر المدير بيت المقدس واحتشد الملايين لتحيته , ولابد وضع قانون لانضباط الشارع المصري تتولاه  لجان لها حصانات وضمانات  تتيح تنفيذه علي الجميع دون أن يسمع القائمون علي اعماله العبارات السخيفة علي شاكلة ” الا تعرف من أنا ” ! فلقد هرمنا ومللنا وسئمنا ونريد قانونا عادلا يطبق علي الجميع لايفرق بين وزير وخفير !!

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل