المحتوى الرئيسى

هل من «مفتى»؟

06/16 08:05

قبل يومين جمعنى لقاء خاص وثرى بأحد كبار العلماء فى العالم الإسلامى المشهود له بذيوع الصيت والصدق والتأثير، وكان الحوار يدور حول صعود التيارات الإسلامية وإعلانها ممارسة السياسة بعدما كان بعضها يحرِّم العمل فى السياسة، وانتقل الحوار إلى مسألة فقهية بحتة، سألت الرجل فيها عما إذا كانت فتاوى عدم الخروج على الحاكم وتحريم التظاهر والنظام الديمقراطى كنظام حكم بديل عن الشريعة الإسلامية التى كان يؤمن بها البعض من هذه التيارات السلفية قد تغيرت فى أيام قليلة، خاصة أن الوقت الذى كان هؤلاء يقولون فيه بهذه الفتاوى وبين استبدالها بالجواز لم يتعد شهراً، هو عمر الثورة المصرية فى خلع الرئيس السابق مبارك ونظامه.

واستفاض الرجل فى تفصيل التباين الفقهى لأولئك إلا أننى سألته عما إذا كان ما حدث فى مصر يعتبر من الناحية الفقهية خروجاً على الحاكم، كما هى عقيدة جماعة أنصار السنة المحمدية مثلاً، أم أنه إنكار للمنكر ودفع للظلم كما هى عقيدة جماعة الإخوان المسلمين مثلاً.. مع الاعتبار أن العالم الجليل خلع على الثورة المصرية موقفاً فقهياً جديداً هو أنها ليست خروجاً مسلحاً وهو المنهى عنه لدى جمهور العلماء، بيد أننى سألت الرجل سؤالاً مباشراً: ما رأى فضيلتك فى مسألة «الخروج على الحاكم»، سواء كان بالطريقة المصرية أو بالطريقة الليبية..؟

غير أن الرجل أطرق ملياً ونظر لى نظرة المحتار فى أمره، وبدأ يقول: «الحق عندى أننى أحتاج أن أراجع نفسى فى مسألة الخروج على الحاكم، لأن الأمر يجب أن ينظر إليه بعيداً عن فكرة (المكسب) التى ينظر إليها السياسيون الذين يأكلون على كل الموائد لأن المُضار الحقيقى هم الناس وما اصطلح على تسميتهم الآن (الأغلبية الصامتة)».

وأضاف متسائلاً: «هل أعداد القتلى الكبيرة الذين سقطوا فى ليبيا ويسقطون الآن فى اليمن وسوريا تدفعنا إلى أن نقول بجواز الخروج السلمى على الحاكم؟».. مستطرداً: «أنا حتى الآن لم أكوِّن رأياً فقهياً لكننى أنظر إلى النتائج.. قديماً عندما اندلعت الفتنة الكبرى بين الإمام على والإمام معاوية بن أبى سفيان وبعدما اقتتل المسلمون بسبب (السلطان) أصّل على خلفيتها علماء المسلمين حرمة الخروج على الحاكم لما فى نتائجه من مفسدة عظيمة وسيل بحور من الدماء».

وباغتنى بقوله: «لا تنظر إلى أننى أرفض ما حدث من دفع للظلم فى مصر مثلاً، فأنا تجرعت الظلم من جميع الأنظمة والسلاطين فى العالم الإسلامى وأجهزتها الأمنية العاتية، والكل يعلم أننى خرجت من مصر مرحلاً ولم أدخلها إلا بعد الثورة، لكن السؤال هو: كم قتيلاً سقط فى ليبيا وكم فى اليمن وكم فى سوريا وكم كان فى مصر وكم كان فى تونس، فضلاً عن العَجَزة من المصابين، العيب ليس فى الجماهير ولكن فى هؤلاء السلاطين الذين يريدون أن يحكمونا، ولو على بحيرات من الدماء.. لا يهم، لكن أليس هذا هو ما حذر منه العلماء من المفاسد المترتبة على الخروج على الحاكم حتى وإن كان سلمياً..

هل نستطيع أن نقول إن مصر الآن تنعم بالأمن والأمان كما كانت فى عهد مبارك، كم شخصاً أضير فى عمله ورزقه، ألم يتوقف الإنتاج وضاعت أسر بالكامل جراء الحاجة والعوز بعد توقف مصالحها وفقدانها حتى قوت يومها، أليس كل هذه مضار هى بعينها المفسدة التى حذر ويحذر منها العلماء، أليس عشرة آلاف قتيل فى ليبيا والآلاف فى مصر واليمن وسوريا وتونس استحِلت دماؤهم والله عز وجل يقول إن حرمة دم المسلم أشد حرمة عنده من الكعبة.. أليست عمليات ذيوع عدم الأمن وانتشار اللصوص والمجرمين والقتلة مفسدة؟!».. كل ذلك يجعلنى - حسبما قال العالم الجليل - أفكر ملياً فى مسألة الخروج حتى وإن كان سلمياً.

وأنهى الرجل حديثه بالقول: «أنا أفكر وأستعرض فقط لأنك لا تستطيع أن تقول إن مصر الآن أفضل من أيام الظالم مبارك وعهده، ولكن كل ما يُقال عبارة عن أمانى مستقبلية لا ندرى ما إذا كانت ستتحقق أم تنقلب الأمور على عقبيها».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل