المحتوى الرئيسى

بين الهدر الاقتصادي والاستثمار في المستقبل

06/16 07:05

فهد أحمد عرب

على الرغم من بذل الجهود لتخريج أفضل الموارد في التخصصات المهمة كافة والمرتبطة بسوق العمل إلا أن الوضع ما زال في حيز قدرات أفراد فكريا ومهاريا. هنا يمكن تذكر مقال نشر في آذار (مارس) الماضي لكاتبة في شؤون التعليم العالي تدعى ''ميليندا بيرنز، التي استعانت في طرحها بأرقام وإحصائيات من دراسات عديدة أجريت في بعض الجامعات الأمريكية على مدى أربع سنوات، تؤكد أن الطالب أصبح مشغولاً جداً ليدرس ويتعلم ويخرج كرافد تنموي في سوق العمل.

في الدراسات التي اعتمدت عليها وضح أن 49 في المائة من الطلاب (عينة الدراسة) لا يفكرون بشكل صحيح ومباشر في الإجابات، بل إن الشرود الذهني أثر بشكل مباشر في كيفية فهم السؤال ومعايشة الواقع. بعد مرور أربع سنوات على دراستهم كانت نسبة التحسن فقط 9 في المائة، أي أن 36 في المائة ما زالوا لم يتحسنوا، وبدا أن هناك ما يشغلهم واستسلموا له بعيدا عن التحصيل العلمي والإنتاجية المحدد لهم تحقيقها. هذا طبعا سينعكس سلبا عليه كخريج إذا ما بدأ يتعامل مع رئيسه الذي يطلب منه أداء مهمة في وقت قصير فلا يستطيع فهم المطلوب، ولا يستطيع بالتالي الوصول إلى حل، بل قد يعقد المسألة، ما يدعو صاحب المؤسسة أو المدير في العمل إلى أن يتجه نحو المتمكنين من القدامى لكسب الوقت ورفع مستوى الإنتاجية أو يتصرف بطريقة أخرى. إذا كان هذا حال الطلاب في تلك الدول فكم حجم المشكلة لدينا؟

بالتشاور مع العديد من قدامى أعضاء هيئة التدريس وجدت أنه لا جديد إلا أن الشريحة اتسعت والمشكلة تشعبت وأصبح وجوب اتخاذ إجراء لحل المشكلة مسألة حتمية إذا أردنا أن نضيف للتعليم العالي اهتماما جديدا، وهو كيفية تخريج طلاب ملائمين لسوق العمل. لا أدري إن كانت هناك دراسة قاست حجم المشكلة في مؤسسات التعليم العالي ومدى تشعبها بمقارنة الوضع الحالي بالوضع قبل 20 ـ 30 عاما مضت. أتمنى أن يتم التفكير في كيفية إعادة أذهان الطلاب للجو الدراسي والاستفادة القصوى من وجودهم بجوار أساتذة خصصوا لتعليمهم وخدمتهم قبل أن يجدوا أنفسهم مع مديرين لا يهمهم إن تأخروا أو طردوا من العمل أو لم يجدوا عملا أصلا. الدولة - رعاها الله - فتحت الإمكانات والفرص كافة للتعليم والتسلح بكل المهارات في جميع المجالات الحيوية. كما لم تقتصر العملية على جانب من التعليم العالي، بل حتى العام والمهني، وإذا لم يغتنم أبناؤنا الفرص الآن فسيكون من الصعب عليهم مجاراة الزمن، وستكون هناك فئة كبيرة تحاول تكييف نفسها للوضع ولا تملك الأدوات والمهارات المناسبة، وهو ما يضع علامات الاستفهام عندها عمن كان السبب؟ ولماذا آلت الأمور لهذا الوضع؟ وغيرها من الأسئلة غير المجدية.

إذا ما أريد لمشروع كبير مثل هذا أن ينجح فأعتقد نحن في حاجة إلى دراسة وطنية شاملة مركزة على الشأن الأكاديمي والتحصيل العلمي بغرض الاستفادة المثلى من الأجيال الحالية والقادمة في سوق العمل وفي كل المجالات. (هذا طبعا بجانب الحلول المطروحة حاليا). سنحاول بهذه الدراسة فهم مشكلات هذا الجيل ومحاولة جذبه مرة أخرى إلى الكتاب والمعمل حضوريا كان أم إلكترونيا والتفاعل بشكل مباشر وغير مباشر لنخرج أيدي عاملة قادرة على إقناع أرباب العمل بجديتهم حيال القيام بالمهام المنوطة بهم في أي وظيفة تتناسب مع تخصصاتهم. المطلوب من عضو هيئة التدريس (يدرس أو يبحث أو يدير) الاهتمام بالإحصائيات واستخدام برامج الإحصاء المختلفة ومحاولة التنسيق مع الفرق العلمية المختلفة للجلوس فيما بعد للوصول لرأي يحسن من مستوى تفكير هذه المخرجات. نحن نفكر في عدد الساعات التي يقضيها في الدراسة ومشاهدة التلفزيون والزيارات الاجتماعية والنوم واستخدام الحاسب الآلي للترفيه، وكم ساعة يقضيها خلال الفصل الدراسي مع الأساتذة والمشرفين على الدراسات والأبحاث الصغيرة وأبحاث التخرج؟ وهل الطلبة من العاملين كمتطوعين أم بأجر مدفوع خارج أوقات الدراسة أم لديهم اهتمامات عائلية أم غير ذلك؟... إلخ.

من ناحية أخرى، في نظرة على التكاليف مثلا لو أخذنا جدلا أن الطالب أصبح يكلف بين 30 و60 ألف ريال سنويا، وإذا رجعنا إلى توقعات وزارة التربية والتعليم في أعداد الطلاب الذين سيدخلون اختبارات الثانوية العامة لهذا العام 31/32هـ حسبما ورد في موقع الوزارة (1.151.564) طالبا وطالبة، وبحساب النسبة المتوقع تأخرها والممكن قبولها من هذا الرقم فإن تكاليف المستجدين والمسجلين ومن التحق بالمؤسسات المهنية ستكون أرقاما كبيرة جدا خلال السنوات الأربع المقبلة. بذلك سيكون لزاما على كل طالب أن يعي أن الفرصة موجودة، لكن تحتاج إلى إصراره لإثبات نفسه. كما سيهتم أعضاء هيئة التدريس بكل ملاحظة تقوده لوضع التصور في كيفية رفع المستوى الفكري والمهاري لأبنائه الطلاب.

إن نتائج الدراسة يمكن أن تدعم جهود وزارات عدة، لكن ما يهمنا إلغاء أرقام البطالة أو حصرها في مستويات متدنية جدا بالإصرار على التعديل وتحسين صورة الشباب السعودي خلال أربعة أعوام مقبلة على أكثر تقدير وستكون الموارد البشرية كافة مؤهلة بشكل أفضل - بإذن الله. والله المستعان.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل