المحتوى الرئيسى

اللغة الكردية بين الثقافة اللسانية والسياسة القومية بقلم:د.علي ثويني

06/16 20:18

اللغة الكردية بين الثقافة اللسانية والسياسة القومية

د.علي ثويني

نقل لنا بعض الشيوعيين السابقين ممن سكن اليمن الجنوبي في الثمانينات، بأن أحد رفاقهم الأكراد كان يصر على أن تخوم عدن الجبلية لابد أن يسكنها أكراد، وأن الجبال لابد أن يسكنها إلا أكرادا.و نحمد الله لم يسمعه العروبيون ليصنفوا الأكراد قحطانيون!.وهو سياق متواتر سلكه العروبيون ، ونسبوا وحسبوا وصنفوا الأقوام،حتى أستغاثت كتب التأريخ من المبالغات والحشو ولي اعناق الحقائق.

وفي لجة التمايز الذي يصب في خانة التحاصص الدائر اليوم بين رصانة الثقافة ومهازل السياسة ، حري بأن نسلط الضوء على اللغة أو اللغات الكردية ،و التي كانت عماد الفكر القومي وتأويلاته العرقية.وتعود جذور الفكر القومي إلى المانيا القرن التاسع عشر بما دعوه حقبة الانوار (enlightenment) ،إبان الصراعات على الإقطاعيات في أوربا، والتي لم يختلف بها الألمان عن كل جيرانهم بالسحن والدين، لكنهم أختلفوا معهم باللسان فقط، فكرسوه معيارا وميزانا "قوميا". و شاع الفكر القوي تباعا عند الفرس والترك ثم أنتقل الى العرب ولاسيما نصارى الشام. ويمكن أن يكون العراقيون قد دفعوا من جراء تسييس هذا الفكر"العلمي" أكثر من أهله في الغرب، فقد أبتلى العراقي بدواعي "الحمية القومية" ،ولعب دور(بروسيا) العربية، منذ مشروع تأسيس الدولة الحديثة عام 1921 . وقد تداعت الإزاحة التي حصلت على المشروع الفيصلي أن عانى العراق ووصل الى ماهو عليه اليوم. ومن اللافت للنظر أن أهل المشروع القومي وسدنته في الغرب كانوا قد اسقطوه مع سقوط النازية بعد الحرب الثانية وذاب اليوم في سياقات مشروع (اليورو) اللاقومي ،وأمسى من الماضي الكؤود.بيد أن هذا الفكر مكث عندنا حتى بعد سقوط المشروع القومي (للبعث) خلال أربعة عقود زمنية تكميلية للمشروع الاول، فصال وجال بالمصير العراقي،وأمست ذكراه مؤلمة للخواطر.

مازال بعضنا يعاني تشنج "قومي" حقيقي او مفتعل حتى بعد قبر المشروع القومي في العراق والذي عجز عن الحل الواقعي لعقد مجتمع مسجى على الفسيفسائية و التلاوين البشرية .ولم يؤسس العراق كما يدعي بعض غلاة القوميين الأكراد منذ سايكس بيكو، وحسبنا أنه مكث أسما علما منذ (گلام) السومري و(بلاد أكد) و(بيث نهرايا) والسواد والعراق،و(ميزوبوتاميا) الشاخص بين ركام الماضي البشري،دون مزايدة أو مصادرة لحق او تجارة فكرية.

نقرأ هذه الايام تفاسير عن اصول الحضارات العراقية"ما أنزل الله بها من سلطان" ، و "كرد" المقدس والمدنس في ثناياها ، مستغلة واقع الجهل المستشري وإستغلال لوضع العراق المهيض ، وغياب المشروع الثقافي الحقيقي والواقعي، وغياب النخب الواعية هجيرا أو تدليسا أو مصلحة أو إيثارا للسلامة، وبذلك لايمكن مراجعة أو مناقشة نقاط بعينها لما كتبه لفيف من (مثقفي الأكراد) كونه لايمت الصلة لاي بحث غربي او شرقي ،سواء أكان آثاري أوتأريخي، عمراني أومعماري أو فني مدون أو مؤول.

بالرغم من إيماننا بسطوة الألسنة في الثقافة لكننا لانؤمن بأحجية التقاسيم التوراتية لها(سامية وحامية ويافثيةآرية) التي جاءت عند الغربيين مستندة على أسطورة الطوفان السومري وقصة النبي نوح(ع) التوراتية، بحسب أسماء أبناءه الثلاث الذين أنشأوا السلالات البشرية الماكثة اليوم. وهذه النظرية قابلة للدحض ولاتحمل صك سماوي،مثلها مثل غيرها من التآويل والشطحات النظرية، وشاعت بتشجيع من اللوبي اليهودي(الإشكنازي الغربي) المهيمن والمسير للعلم منذ القرن الثامن عشر.

فلنأخذ الجانب اللساني في أحجية (الفكر القومي) ،و لابد من التفريق بين تكتلات الأكراد في العراق و تجمعات تمتد حتى الهند والقوقاس لاتعنينا ،مثلما لايعنينا أهل موريتانيا وجزر القمر في المشروع القومي العروبي. وسنعير أهمية لمن ورد العراق لاحقا،وربما يعود بعضه لقرن أو قرنين خلت،وسكن منطقة(أطورايا) الآشورية، (بلاد الجبال) ،وتشبع بعبقها . واليوم هم عراقيون،ويشكلون حوالي 13% ، و لغتهم حبلى بالمفردات "السامية" ودينهم "سامي"، و عقليتهم عراقية محظة ويتقنون العربية جلهم،و يقطنون المدن العراقية جميعها ولاسيما بغداد والموصل و البصرة وأربيل وكركوك ودهوك.

وتكمن أهمية البحث في تأريخ اللغة الكردية في غرض سبر المنتج الحضاري العراقي. لكنه أخذ منحى آخر تصاعد بشكل ملفت للنظر بعد الإحتلال أمريكي 2003، حينما سرقت الآثار ، مراما في طمس حقائق تأريخية بعينها، ولاسيما بما يتعلق بتاريخ المنطقة ودور اليهود وأصل التوراة . والأهم في ذلك تمويه وتشويه خصوصية النسيج (السكاني) العراقي،من خلال أعطاء "الأكراد" دون غيرهم في تاريخ العراق من خلال إقحامهم في تاريخ امم غريبة عنهم وعن العراق ، كالمينيانيين والحوريين والميديين، وحتى الساسانيين. في الوقت التي تؤكد نتائج البحث العلمي والمكتشفات الآثارية والدلائل اللسانية ان لاصلة للأكراد بهذه الأمم التي لم تعش في أفضل أحوالها بين 200-400 سنة ،وذابوا في جنبات العراق الحضاري بسبب بداوتهم ،بينما يتجاوز تاريخ الأكديين وأحفادهم من الآشوريين والكلديين والآراميين في بلاد مابين النهرين 4000 سنة. وهنا نثبت ان العراق كان مقبرة للبداوة بتلاوينها،و التي جاءت بها الهجرات والإحتلالات الميدية والكيشية والفارسية والكردية والعربية والمغولية والتركية على حد سواء.

لقد وضع الغربيون اللغة أو اللغات أو "اللهجات الكردية" في خانة ما يدعوه( اللغات (اليافثية) أو الهندو أوربية)، أو فرعها(الهندو إيراني) تحديدا. والكردية قرينة بالسنسكريتيه الهندية و الفارسية في آسيا ومختلفة بشكل بسيط عنها،حتى نجد مشتركات عجيبة بينها وبين لغة (سيگان-جيطان) أوربا الذين جاءوا من شمال الهند وليس لهم لغة مكتوبة كذلك. وهذا يقع على خلاف العربية التي لديها فصحى وكتاب مقدس وعقيدة وتراث مكتوب، تجمع الكل وتسهل التواصل على عكس السيگانية أو الكردية مثلا، بعدما تبعت مناهج ثقافية شتى،فلا تواصل بينها إلا مايروجه القوميون منهم. ناهيك في ذلك أن ثمة قرون من الزمن خلت ونصاب حدود سياسية دولية ثبتت وأستقرت، كانت كافية بأن ترسم ملامح عقلية وثقافة لسانية بعينها. فالكردي العراقي يحاكي العراقيين والتركي يحاكي الأتراك والإيراني يحاكي أهل بلده، وحتى (السيگان) هم جزء لا تتجزأ من ثقافات بلدانهم في أوربا الشرقية خاصة،وليس لهم صلة بأكرادنا البته إلا "لسانياً"،وشتان بينهما أخلاقياً.ويذهب الكاتب الكردي الدكتور زهـدي الـداودي إلى أن اللغة الكردية من اللغات التي لم تكن تاريخيا لغة رسمية لدولة مركزية موحدة ... وإذا كان ثمة من يعتقد بأنها كانت كذلك في فترة الدولة الميدية (الألف الأول قبل الميلاد)، فأننا بحاجة إلى دلائل تاريخية ونصوص لغوية من تلك الفترة. ويذهب القوميون إلى أن الشرخ الذي أصاب الأكراد وفتت لغتهم هي أولا المعركة الفاصلة بين الدولة الصفوية و العثمانية بعد معركة جالديرآن عام 1514 م الذي مكث على حاله تقريبا. والانقسام الثاني الذي حصل بعد معاهدة سايكس – بيكو في العام 1916.ونجزم أنهما سببان واهيان لتفتيت ثقافة لسانية او عقلية، وياما مر بالعراقيين من ويلات منذ خمسة آلاف عام، ولكن الأكدية الأولى مازالت ترتع معافاة في عربية ودارجة اليوم. وبذلك يمكث الأمر سياقات دول واتساع وتقلص نفوذ،لا علاقة له بصفاء دماء وألسنة.ولدينا خارطة للحدود الفارسية العثمانية وجدناها في مؤلف سويدي لسفين هيدين Sven Hedin تعود للعام 1915، في مؤلفه(بغداد ،بابل ونينوى) الذي كتبه عام 1917،وهي خارطة الدولة العثمانية مع فارس وهي شبه متطابقة مع الحدود الحالية بين العراق وإيران ، ولم تضم أو تزيل أو تنبذ أجزاء منها، ولم يجبر الأكراد على قبولها في حينها، بل أن التذرع بسايكس بيكو محض هراء.

ويشكو القوميون الأكراد من سطوة التمزق اللغوي،فالتواصل بين أكراد تركيا(باللهجة الكرمانجية) وإيران شبه مستحيل بينما أكراد إيران أقرب الى (السورانية) في مناطق السليمانية . إذا حسبنا جدلا أن الفيلية لهجة كردية ،وهي في رأينا ليس سوى لغة قائمة بذاتها .ومن الملفت للنظر أن النزعة القومية الكردية ولدت في إيران، حينما أسس قاضي محمد بإيعاز وغمز من ستالين دولة (مهاباد) الكردية، التي مكثت شهور معدودة،وكان وزير دفاعها الملا مصطفى البرزاني حينما كان مواطنا مهاباديا إيرانيا.و بعدها لجئ إلى ستالين حتى أعاده المرحوم عبدالكريم قاسم إلى العراق بعيد ثورة تموز 1958 وأسبغ عليه صفة "العراقية" . وبعدها لم تنشا حركة قومية في إيران البته مثلما تصاعدت في العراق ثم تركيا وبعدها سوريا، فكان إستقرار تلك الدول عاملاً في عدم نضوج مشروعاً قومياً كردياً، على عكس العراق الذي مازال يعاني من ذلك بسبب تلبسه بفكر قومي "عروبي أولاً"وعانى بسببه من الهزات والإنكسارات والمغامرات السياسية التي أوصلته إلى ماهو عليه اليوم. إن "القومية" التي سلكها الفرس في الحقبة القجرية ، كانت على الطراز "الفرنسي" اي قومية (المواطنة)، وليس العرقية الدموية، وهذا ماجعل كل الأقوام الإيرانية تتمسك بإنتماءها لإيران دون تمايز كبير، ثم تعترف بإنتماءها الاصغر تباعاً.

ولم يحسم الامر اللساني في الثقافة الكردية بعد، حيث ثمة صراع قوي بين من يريد ان تكون السورانية هي (المعيارية) بالرغم من ضآلة المتحدثين بها، بينما يرى البعض ان اللغة الكرمانجية هي الأوفر حظا بسبب شيوعها في تركيا والموصل وشمال سوريا.ونقرا رأي جمشيد إبراهيم وإمتعاضه من هيمنة لغة الأقلية على الاكثرية منوها الى أن : (هناك طبعا لغة رسمية تستعمل في الصحافة و الكتب في كردستان العراق و لكنها بعيدة كل البعد من ان تكون لغة جميع انحاء و مناطق كردستان وفي العراق طغت لهجة منطقة السليمانية لانها استعملت في كتابة الكتب و الصحافة . و نظرا لان القسم الاكبر من الشعب الكردي يسكن في ما تسمى بتركيا ويتكلم الكرمانجية فان سورانية سليمانية لاتستطيع ان تصبح اللغة الرسمية لجميع الاكراد الا اذا وصلت الى مستوى الحياد ولا تشعر جهة كردية بالغبن).وقد اعلن السيد مسعود برزاني قبل ايام عن إجراءات عملية لتوحيد اللغة الكردية، ولا نعلم مدى صلاحيتها.

ونردف رأي الكاتب الكردي برزو محمود بهذا الصدد: (يبدو لي أن الكيان الكردي الحالي المتمثل في الحكومة الكردية في كردستان العراق ينتظر موعداً لصراع داخلي بين اللهجتين الرئيسيتين: السورانية من جانب، والكورمانجية من جانب أخر. هذا الأمر يطرح نفسه من خلال عناصر موتورة من اللهجة السورانية تحاول انتهاز الفرصة التاريخية من خلال تسخير الكيان الكردي في كردستان العراق لتثبيت وترسيخ اللهجة السورانية لتصبح اللغة الكردية الفصحى (معيارية standard) لعموم كردستان، دون حساب للهجة الكورمانجية التي تطرح هي الأخرى نفسها كلغة رئيسية باعتبارها تمثل لغة الأكثرية في عموم كردستان. لهذا السبب، وبين الحين والأخر، نسمع أو نقرأ مقالة لمثقف من اللهجة السورانية يطرح أفكاراً تنم عن تعصب لهجوي مقيت، تراه مرةً يستقوي بالكم الثقافي والمعرفي المدون ، ومرة يتذرع بالإسلام من أجل إقرار الأبجدية العربية ، ومرة يصور لهجته على أنها في مكانة لهجة قريش العربية بعيداً عن الموضوعية والتفكير العلمي في الطرح، ودون حساب لمشاعر ناطقي اللهجات الأخرى). وقد لمست بنفسي في المهاجر مدى تعصب أهل السليمانية للسانهم،ويعدون من لايتكلم لغتهم فهو ليس كردي اصلا، أما موقفهم من الفيلية فلا يتعدى تصنيفهم (شروگ) الأكراد في أحسن الحالات. وعلى هذا المنوال فأن اللغات الكردية شتى لا يمكن حصرها في دولة وثقافة وعقلية، و يمكن إجمالها بحسب القوميين إلى:

1- أكراد تركيا : (اللغة الكرمانجية ) : و يتكلم بها أكراد تركيا كما يتكلم بها أكراد القوقاس الجنوبي و أرمينيا و جورجيا و أذربايجان ، وكذلك أكراد سورية و جبل سنجار و زاخو وعمادية دهوك.

2- السورانية : و يتكلم بها الأكراد القاطنون في شرق شمال العراق ، وكذلك إيران و كرمانشاه و مهاباد .

3-الزازائية(الظاظا) و الدوملية : و يتكلم بها أبناء العشائر الدوملية المنتشرة في مناطق وسط تركيا وهي مناطق درسيم و بالو و كنيجيرآن و سويرك و بنكول .

4- اللغات الكردية العراقية :

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل