المحتوى الرئيسى

في فلسفة "الراتب"!بقلم:جواد البشيتي

06/15 21:06

في فلسفة "الراتب"!

جواد البشيتي

في فلسفة "الراتب"، دَعُونا، أوَّلاً، نميِّز "الأجْر" من "الراتب"، في نظامنا الاقتصادي (الاجتماعي) الذي هو "الرأسمالية" وقد مُسِخَت مَسْخاً يُعْجِز ساحرات الإغريق عن الإتيان بمثله.

"الأجْر" إنَّما هو مبلغ من المال، يتقاضاه العامل، شهرياً، من رب العمل، ثَمَناً لـ "قوَّة عمله"، التي باستهلاك رب العمل لها (في أثناء إنتاج السِّلع) تُنْتَج "القيمة الجديدة" في المجتمع، فيَذْهَب أحد قسميها إلى مُنْتِجها (الوحيد) وهو العامل على هيئة "أجْر"، ويَذْهَب الآخر إلى رب العمل على هيئة "ربح".

و"القيمة الجديدة (وهي ثروة مادية جديدة على هيئة سِلَع وبضائع)" هي "الصَّحْن" الذي منه يَغْرِف كل أفراد المجتمع (وليس العامل ورب العمل فحسب).

العامل، وبصفة كونه مُحْتَكِر إنتاج "القيمة الجديدة"، يعيل نفسه، ويعيل سائر أفراد المجتمع، في الوقت نفسه. والعامل يُعْطي رب العمل قبل أنْ يأخذ منه؛ فـ "الأجر" الذي يتقاضاه العامل، شهرياً، من رب العمل إنَّما هو "دَيْن"، العامل فيه هو "الدائن"، ورب العمل هو "المدين".

إنَّ "القيمة الجديدة"، التي يعود إلى العامل، وإليه فحسب، الفضل في إنتاجها، يُعاد توزيعها، على نطاق المجتمع، فينال "الموظَّفون" حُصَّة منها على هيئة "رواتب"؛ و"الراتب" يختلف عن "الأجْر" لجهة كونه مبلغاً من المال يتقاضاه الموظَّف، شهرياً، ثمناً لخدمةٍ ما يُقدِّمها.

من "القيمة الجديدة"، يأتي "أجْر" مُنْتِجها، وهو العامل، ويأتي "الربح الصناعي" لرب العمل؛ ثمَّ يأتي "الراتب"، و"الربح التجاري"، و"الفائدة المصرفية"، و"الإيجار (إيجار العقار)"، و"الضريبة".

ولـ "الراتب"، في مؤسَّسات القطاعين العام والخاص، نظامه، ومنطقه، ومعاييره؛ ولقد شمل الفساد الراتب حتى أصبح نظام الراتب جزءاً من نظام الفساد العام.

وأوجه هذا الفساد (الذي اعترى نظام الرواتب في مجتمعنا) كثيرةٌ جدَّاً، نرى منها اتِّساع ظاهرة "وظائف بلا أعمال"؛ فإنَّ اعتبارات "غير مهنية"، تَكْثُر وتتكاثر في مجتمعنا الشرقي، بمكوِّناته الاجتماعية والثقافية دون الرأسمالية، هي التي تَكْمُن في كثيرٍ من قرارات التوظيف والتشغيل، فإمَّا أنْ يُسْتَحْدَث لهذا الموظَّف (الذي توظَّف من طريق "الواسِطة"، أو من طريق تماثُل الموظِّف والموظَّف في انتماء ما من الانتماءات التي تَعْكِس بوجودها وقوَّتها ضَعْف المواطَنة) وظيفة لا يستلزمها، ولا يحتاج إليها، عمل المؤسَّسة، وإمَّا أنْ يُناط به عمل، تحتاج إليه المؤسَّسة، موضوعياً؛ لكنَّ العمل نفسه لا يحتاج إلى هذا الموظَّف الجديد، لِقِلَّة أو انعدام كفاءته وأهليته.

هذا الصَّنْف من "الموظَّفين"، بعضه يؤدِّي عملاً غير ضروري، ولا تحتاج إليه المؤسَّسة، موضوعياً، وبعضه لا يَصْلُح لتأدية عمله الذي هو ضروري، متقاضياً، مع ذلك، راتباً قد يكون من العُلُوِّ بمكان، فيترتَّب على استشراء هذه الظاهرة، ظاهرة "وظائف بلا أعمال"، تنامي جيش العاطلين عن العمل في المجتمع، وغالبية أفراد هذا الجيش هم من ذوي الكفاءات.

إنَّهم جيوش ثلاثة، الأوَّل هو جيش "وظائف بلا أعمال"، والثاني هو "جيش العاطلين عن العمل"؛ أمَّا الثالث فهو "الجيش النظامي" من الموظَّفين والذي تتأثَّر رواتبه سلباً بتنامي الجيش الثاني.

ومن أوجه الفساد نفسه، اضمحلال المعايير والقيم الإنسانية والحضارية في الراتب حتى أصبحت "أنْسَنة" الراتب، ورَفْع منسوب "الآدمية" فيه، المطلب الأوَّل والأهم من مطالب الإصلاح الإداري الذي في الأساس منه يَكْمُن إصلاح نظام الرواتب في مجتمعنا.

ولقد فَسَد نظام الرواتب حتى أصبح الراتب على وجه العموم (أي باستثناء الرواتب التي يتقاضاها أعضاء الأرستقراطية الإدارية في مؤسَّسات القطاعين العام والخاص) أبعد ما يكون عن "الراتب"، أو "المعاش"، وأقرب ما يكون إلى معونة مالية ضدَّ التسوُّل (الاستعطاء والشِّحاذة) فتكفي متلقِّيها (غالبية الموظَّفين) شرَّ مدَّ يده إلى "المُحْسنين"، وإلى ما يشبه "الممات" بمعانيه الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية والحضارية.

إنَّ "فلاسفة" نظام الرواتب عندنا يضربون صفحاً عن حقيقة أنَّ الراتب، لجهة قدرته على تلبية حاجات الإنسان في هذا العصر الذي نعيش، هو "الدِّرع" التي تحمي صاحبها إنسانياً وأخلاقياً، أو "الشوك" الذي يحرس الوردة بأوراقها الرقيقة، فإذا أُفْقِر الإنسان مادياً (أي اقتصادياً) فلن يظل صامداً زمناً طويلاً في مواجهة خطر إفقاره روحياً وأخلاقياً. هؤلاء ("الفلاسفة") إنَّما يمثِّلون مصالح أولئك المُغْتَنين من الإفقار المادي للموظَّف (عبر نظام الرواتب الذي يتوفَّرون على حفظه وصونه) والذين لا يميَّزون خدمة الموظَّف للمؤسَّسة من جَعْل الموظَّف نفسه خادماً لصاحبها، وكأنَّ غايتهم أنْ يُثْبِتوا بالأفعال أنَّ الموظَّف هو الإنسان بصفة كونه البضاعة الأرخص في المجتمع.

رواتب الموظَّفين، في معظمها، هي دون "الحقِّ المهني" لصاحبها الذي يعطي (بما يتمتَّع به من خبرة وكفاءة مهنية) أكثر، وأكثر كثيراً، مِمَّا يأخذ من صاحب المؤسَّسة على شكل راتب؛ ودون "الحق الإنساني"، فراتبه لا يكفيه، أو يكفيه فحسب، لاستئجار شقة، فكيف له أنْ يتزوَّج (في مجتمع مُثْقَل بالأعباء المالية لتقاليد وعادات الزواج) وأنْ يؤسِّس أُسرة؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل