المحتوى الرئيسى

قروض الصرافين في فلسطين بين احكام القانون وافة التعامل بالربا

06/15 19:31

قروض الصرافين بين احكام القانون وآفة التعامل بالربا

يعتبر قطاع الصرافة الوجه الحضاري للبلدان المتقدمة وهو التوأم للجهاز المصرفي. فالصرافين ومحال الصرافة يلعبون أدوارا هامة في الاقتصاد الوطني لأي مجتمع وداخل أي دولة من خلال تسهيل هذا القطاع على المتعاملين فيه التعامل بالعملات الأجنبية وتوفيرها لهم بما يلبي احتياجاتهم الخاصة ويخفف العبء عن الجهاز المصرفي.

ويعود انتشار مهنة الصرافة في فلسطين إلى ما قبل عام 1948، حيث كان هذا النشاط ينتشر في المدن التجارية الرئيسية في فلسطين مثل يافا، وذلك لتسهيل العمليات التجارية المنتشرة في ذلك الوقت.

في العام 1994 وبعد توقيع اتفاقية باريس الاقتصادية بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية واتفاقيات نقل الصلاحيات، ظهرت الحاجة إلى وجود قانون منظم لأعمال الصرافة في فلسطين، حيث صدر في البداية عن مجلس الوزراء الفلسطيني القرار رقم (1) لسنة 1997 بشأن تنظم أعمال الصرافة في فلسطين وقد تم إجراء أكثر من تعديل لاحق عليه. وفي ضوء مواكبة سلطة النقد لتطورات التشريعات العالمية والممارسات الدولية المثلى صدر في العام 2008 مرسوم رئاسي بشأن نظام ترخيص ورقابة مهنة الصرافة ليراعي تلك الجوانب وجوانب النقص والعجز الواردة في قرار عام 1997 وتعديلاته، حيث تكون هذا النظام من (22) مادة بالإضافة لملحق خاص بموضوعين رئيسين هما الرسوم والكفالات المستحقة على الصرافين.

وقد تلى صدور نظام الصرافة انف الذكر اصدار سلطة النقد لتعليمات تنفيذية تم تعديل النسخة الاخيرة منها بموجب تعليمات ترخيص الصرافين الصادرة عنها رقم (1/2011) بتاريخ 1/6/2011 حيث تضمنت تلك التعليمات الاحكام والنصوص التنفيذية والتوضيحية لنظام الصرافة، ومن جملة ما تضمنته تلك التعليمات وفق احكام البند (4/2) منها ما جاء منظما للاعمال المسموح بها وتلك المحضور على الصرافين ممارستها

وقد تردد في الاونة الاخيرة الحديث في اوساط بعض المهتمين عن ظاهرة قيام عدد لا يستهان به من الصرافين ان لم يكن جميعهم بممارسة نوع معين من الاعمال المحظورة عليهم والمتمثل بتقديم القروض لبعض زبائنهم او الاشخاص المتعاملين معهم على نحو مخالف لاحكام المادة (10/2) من النظام والبند (4/2) من التعليمات.

ومن منطلق الاعتراف للاخرين بجهودهم وتقديرا لهم على ما يثيرون من افكار خلاقة تساهم في خدمة المجتمع وتحمي بنيانة من انواع السلوك والانشطة السلبية او المخالفة للقانون والنظام او الاداب العامة فانه مما يجدر ذكره والتنويه اليه في هذا المقام الى فضل السبق الذي اطلع به الاستاذ المحامي حسن خولي بتناول ظاهرة قروض الصرافين من خلال مقاله المعنون ب" تاجر البندقية يظهر من جديد في رام اللة" والذي اثار من خلاله مشكلة القروض الصادرة عن الصرافين والمخاطر الناتجة عنها وباحثا في الوقت نفسه عن السند القانوني الذي يخول سلطة النقد والنيابة العامة والأجهزة الأمنية وجمعيات حماية المستهلك التحرك لاجتثاث هذه الظاهرة لما لها من اثار خطيرة على حياة المجتمع. ولا يفوتنا في هذا المقام التنويه ايضا الى التعليق والدراسة الى اعدها الزميل الاستاذ المحامي عامر الجنيدي في اطار المساهمة في النشاط الفكري المتعلق بالظاهرة محل الدراسة والتي استعرض فيها و تتناول بعض الدفوع القانونية التي يستطيع المدين أن يتمسك بها في مواجهة المرابين والمتمثلة في: الـدفـع بتحريـر الشيـك تحـت الإكــراه، والدفع ببطلان العلاقة الناشئة عن تحرير الشيك.

وفي ذات الاطار وبناء على دعوة الدكتور المحامي حسين الشيوخي الذي تابع واشرف بعناية واهتمام منذ البداية هذا الحراك الفكري النشط فانه مما يسعدني ومن خلال خبراتي القانونية المتواضعة في مجال الاعمال المصرفية ان اشارك في هذا العصف الذهني على امل المساهمة والمشاركة مع الاخرين في تقديم ما يمكن ان يساعد في حماية المجتمع من الظواهر السلبية واقتراح الحلول المناسبة لها.

برآي المتواضع ان الحديث في ظاهرة قروض الصرافين والمخاطرة الناجمة عنها او المرتبطة بها هو حديث ذو ابعاد ومحاور متعددة تبدأ بتحليل هذه الظاهرة مرورا بمعرفة اسبابها والتكييف القانوني لها وانتهاء باقتراح الحلول الممكنة والمناسبة بشأنها.

• تحليل ظاهرة:

الاصل في اعمال الصرافة واستبدال العملات انها تمثل نافذة من جملة الاعمال او الانشطة المصرفية بمفهومها العام او الواسع، فما يمارسه الصراف من حيث الواقع يستطيع المصرف ان يمارسه ولكن لغايات واغراض تنظيمية واقتصادية قوامها التسهيل على مختلف فئات وطوائف المجتمع و تخفيف العبئ عن المصارف وزيادة حجم الكتلة النقدية من العملات الاجنبية يتم عادة وفي مختلف الدول العمل على ايجاد او تنظيم قطاع الصرافين للعمل جنبا الى جنب مع المصارف مع الاخذ بعين الاعتبار ما يوجد من قواسم مشتركة فيما بين القطاعين وما يعد مميزا لاحدهما عن الاخر.

في هذا السياق يعتبر تقديم القروض الى الجمهور احد ابرز الاعمال التي تمارس حصرا من قبل المصارف بالنظر لاهمية هذا النوع من الاعمال ولطبيعة المخاطر المرتبطة بها، لذلك فانه عادة ما تخضع عمليات الاقراض لقواعد واليات دقيقة وفاعلة للموائمة ما بين حاجات الجمهور وتحقيق النفع للمصارف.

وبالنظر لحساسية عمليات الاقراض وما تتطلبه من وجود مقدرات ضخمة لدى المقرضين وعمليات مراقبة فاعلة من قبل سلطات الرقابة والاشراف المختصة فان الممارسات النقدية المختلفة عادة ما تستبعد وتستثني عمليات الاقراض من اعمال الصرافين، غير ان واقع الحال احيانا ما يشهد خروجا على هذه القواعد والمبادئ. فتحت وطأة الحاجة او لغايات الحصول على التمويل السريع يلجأ البعض من الجمهور الى الصرافين للاقتراض منهم ولو كان ذلك بتكلفة (فوائد) مرتفعة وعالية نسبيا اذا ما قورنت بالمصارف، وبالمقابل فان العديد من الصرافين ورغم الحظر القانوني المعروف لديهم بشأن منع ممارستهم لعمليات الاقراض وتقديم اي نوع من التسهيلات الائتمانية المباشرة وغير المباشرة الى الجمهور الا انهم وسعيا منهم لتحقيق اكبر عائد ربحي او زيادة على رأس المال فانهم لا يتورعوا عن ابرام عقد قرض مع من يرونه مناسبا من بين زبائنهم وبحيث يسدد القرض بضمان شيكات عادة ما تكون اجلة يصدرها المقترض لصالح المقرض (الصراف) دون ان يتحرى الصراف ودون ادنى سعي منه لمعرفة او تقدير الملاءة المالية للمقترض وقدرته على السداد بل ان هذه العملية عادة ما تتم رغم علم الصراف بعدم وجود رصيد لهذه الشيكات عند اصدارها ليكون كل من المقترض والصراف قد ساهما معا وعن سابق اصرار في خلق واقع مخالف للقانون تحفه المخاطر من كل الاتجاهات وتجعله في مهب الريح.

ففي كثير من الاحيان وعند حلول ميعاد استحقاق الشيك يقوم الصراف بعرض الشيك المستحق على البنك المسحوب عليه غير انه وكما هو متوقع لا يجد رصيدا للشيك فيقوم بالرجوع على المقترض للتلويح باستخدام الشيك استخدام قد يعرض المقترض للمسائلة والملاحقة القانونية والقضائية مما يجعل المقترض واقعا بين المطرقة والسنديان، فاما ان يتعرض للاجراءات القانونية لدفع قيمة الشيك واما ان يخضع لنزوات ورغبات الصراف المقرض ويقوم المقترض بالتالي باستبدال الشيك الراجع بشيك جديد وبفوائد جديدة متراكمة وعلى هذا المنوال يستمر الحال الى ان يجد المقترض في نهاية المطاف وقد تحمل ضعف مقدار القرض كفوائد ان لم يزد على ذلك الامر الذي يخلف بنتيجته ظواهر ومشكلات تنعكس سلبا على حياة افراد المجتمع وقدرتهم على الاستمرار بالعيش في حياة كريمة بعيدة عن الحاجة والخروج على ما هو مألوف من معتقدات واخلاق وقواعد قانونية واجبة الاحترام.

• اسباب الظاهرة:

من خلال التحليل السابق لظاهرة قروض الصرافين يلاحظ ان لهذه الظاهرة اسباب مختلفة ومتنوعة منها ما يتعلق بالزبون المقترض ومنها ما يتعلق بالصراف المقرض ومنها ما هو مشترك بينهما، ويمكن استعراضها على النحو التالي:

اولا- الاسباب المتعلقة بالزبون المقترض:

1- الحاجة: فالجاجة عادة ما تكون المحرك والدافع لتصرفات الاشخاص، فلكل شخص احتياجات ومتطلبات والزبون تحت وطاة الحاجة وعدم وجود مصادر تمويل لتامين او سد احتياجاته يلجأ في كثير من الاحيان الى الصراف خاصة اذا ما جمعت بينهما معرفة او علاقات سابقة بغية الحصول على التمويل اللازم. ولكن يلاحظ ان لاحتياجات الاشخاص انواع واشكال مختلفة فقد تكون الحاجة ملحة كما هو الحال في العلاج او دفع اقساط تعليم الاولاد او غير ذلك من الصور، وقد لا تكون تلك الحاجة ملحة ويستطيع الشخص تمويلها بوسائل اكثر امانا وبواسطة جهات متخصصة ومرخصة لمثل هذا النوع من الاعمال كما هو الحال بالنسبة للمصارف ولكن لسبب او لاخر يفضل الزبون اللجوء الى الصراف بغض النظر عن النتائج والتكاليف كما سيأتي توضيحه لاحقا.

2- الجهل او قلة مستوى الوعي والثقافة القانونية والمصرفية: فقد لا يكون الزبون المقترض على علم باحكام القانون وبطبيعة الاعمال المحظور او المسموح للصرافين بمزاولتها، وقد يكون الزبون على علم بتلك الاحكام لكنه وتحت وطأة الحاجة لا يجد مفرا من اللجوء للاقتراض من الصراف وخاصة اذا ما ساد لديه الاعتقاد بان الاقتراض من الصراف هو امر مسموح وانه ذو تكلفة اقل.

3- سهولة الحصول على قرض من الصراف مقارنة بالمصارف: فقد تكون حاجة الزبون ملحة وعاجلة للحصول على قرض وفي ذات الوقت فانه قد يجد من الصعوبة بمكان الحصول على القرض الذي يحتاجة من الجهات المرخصة ممثلة بالمصارف وجهات الاقراض الاخرى المتخصصة لوجود بعض الظروف او الشروط التي لا تنطبق على الزبون او لا يستطيع ان يلبيها للحصول على القرض كما هو الحال مثلا بالنسبة لظرورة وجود او فتح حساب للزبون لدى المصرف المعني او ظرورة وجود راتب له لدى ذلك المصرف المصرف او وجود مصدر دخل او وجود كفلاء او غير ذلك من الامور، اضف الى ذلك عامل الزمن او الوقت الذي عادة ما يحتاجة الزبون للاقتراض من الصراف وهو قصير وسريع جدا اذا ما قورن بالوقت اللازم للحصول على قرض من المصارف او غيرها من جهات الاقراض المرخصة.

ثانيا- الاسباب المتعلقة بالصراف المقرض:

السعي لتحقيق الربح: فالصراف هو اولا واخيرا وقبل كل شيء تاجر، ومن المعروف ان السعي لتحقيق اكبر قدر من الارباح انما هو امر يتصدر قائمة اهتمامات التاجر او اي مشروع تجاري. والاقراض بالنسبة للصراف هو احد اكثر الابواب غير المشروعة المستخدمة لجلب الربح لا سيما اذا ما تفرد الصراف في فرض شروط القرض على الزبون المقترض منه وهو الامر الاكثر شيوعا في مثل هذه الحالات.

ثالثا- الاسباب المشتركة:

1- عدم احترام القانون: فاذا كان الزبون على علم باحكام القانون وبحظر الاقتراض من الصراف، واذا كان العلم بالقانون مفترض في جانب الصراف فانه لا يوجد من تفسير واقعي لاقدام كل منهما على هذا الخرق الواضح للقانون سوى عدم احترامهم للقانون وعدم اهتمامهم بما يرتبه القانون من عقاب على مثل هذا الخرق.

2- غياب البعد الديني والاخلاقي: فالدين والاخلاق كما هو الحال بالنسبة للقانون هي مصادر متعارف عليها للضبط الاجتماعي، اي مصادر تتضمن قواعد حاكمة ومنظمة لحياة الاشخاص داخل المجتمع. ومن المعروف ان الرسالات السماوية والشرائع الدينية على اختلافها قد حرمت الربا، والله سبحانه وتعالى لم يحرم الربا الا ليبعد عنا اثاره الضارة. فاقل ما يمكن ان يوصف به الربا انه جريمة تطول اثارها المجتمع باسره، ولعل المشاكل الاقتصادية التي عانت منها ولا تزال العديد من الدول انما مرده الى الانظمة المالية التي تقوم على اساس ربوي.

ان السعي من قبل الصراف لتحقيق مكاسبه ومرابحه على حساب اصحاب الحاجات واصحاب النفوس الضعيفة ممن غاب عن بالهم تحريم التعامل بالربا وممن لا يقدرون على الصبر عند الحاجة لهو امر يلقي بضلالة على حياة المجتمع باسره ويهدد بنيانه ويساهم في خلق الفوضى والتردي الى احضان الفقر وتركيز الاموال بايدي فئات او طوائف معينة من الاشخاص بطرق محرمة شرعا وبعيدة كل البعد عن الاخلاق السامية.

يقول الله سبحانه وتعالى"يمحق الله الربا ويربي الصدقات" وكذلك يقول سبحانه "يا ايها اللذين امنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين، فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون" (صورة البقرة الاية 275). ففي هذه الايات جاء تحريم الربا مقرونا بالتهديد والوعيد للذي لا ينتهي عن الربا ولا يتوب عن التعامل به. ولمن يريد الاقلاع عنه والتوبة عليه عدم استرجاع الا رأس ماله دون ادنى فائدة، والا فان العقوبة هي الحرب مع الله ورسوله، وما اشد ان يقف المرء في جبهة ضد الله ومن يطيق الحرب مع الله والعياذ بالله.

• التكييف القانوني للظاهرة:

دون الدخول في تقيم ما قيل من تحليل وتكيف لطبيعة العلاقة الناتجة عن القرض الذي يمنحه الصراف للزبون بضمان اصدار الزبون لشيك/ شيكات وما كان مثل هذا القرض يتم تحت وطاة الاكراه او حتى الاذعان ففي براي الشخصي المتواضع ان عملية الاقراض هنا تنطوي على امرين هما منح القرض وانشاء او اصدار الشيك.

فبالنسبة الى منح القرض فهو عبارة عن اتفاق او عقد يبرمه الصراف مع الزبون المقترض وبالنسبة الى انشاء او اصدار الشيك فانه يعتبر من قبيل التصرفات الارادية ذات الطابع الشكلي، وعلى ذلك فالاصل ان يتوفر في هذا الاتفاق او العقد وكذلك في اصدار الشيك الاركان والشروط المتعارف عليها وفقا لاحكام القانون والمتمثلة ب: الاهلية، الرضا، المحل، السبب.

فلكل التزام سبب والسبب هو الغرض المباشر المقصود من الالتزام، ويجب ان يكون السبب موجودا وصحيحا ومباحا غير مخالف للقانون او النظام العام والاداب العامة. والسبب في الشيك هو العلاقة الاصلية بين الساحب والمستفيد والتي من اجلها يتم تحرير الشيك، وغالبا ما تكون العلاقة الاصلية بعوض كما هو الحال في القرض الذي يمنحه الصراف لزبونه المقترض. واذا ما حاولنا انزال هذه الاحكام على واقع الحال نلاحظ ما يلي:

1- ان السبب في اصدار الشيك من قبل الزبون المقترض لصالح الصراف المقرض هو سبب موجود وهو عقد القرض.

2- ان السبب وهو عقد القرض هو سبب غير مشروع باعتبار ان الصراف ممنوع عليه وبموجب احكام القانون (المادة (10/2) من النظام والبند (4/2) من التعليمات المشار اليهما انفا) منح القروض او اي شكل من اشكال التسهيلات المباشرة او غير المباشرة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل