المحتوى الرئيسى

القضية البحرينية... حقوق شعب أم أجندة طائفة؟ بقلم:رائد قاسم

06/15 18:36

القضية البحرينية... حقوق شعب أم أجندة طائفة؟

رائد قاسم

تكمن المعضلة العربية الكبرى في وجود خلل في النظامين السياسي والديني ، الأمر الذي أذى إلى ترسيخ كافة مظاهر ونظم قمع واضطهاد الإنسان وشيوع الاستبداد والطغيان كمنظومة متكاملة وراسخة في معظم البلدان العربية، إلا إن ثورة الاتصالات ساعدت في تدفق الفكر الليبرالي الداعي إلى إصلاحات وتغييرات جذرية وشبه جذرية في المجتمعات العربية، يدعمها في ذلك فشل الأنظمة السياسية والدينية العربية في إيجاد منظومة حضارية تستثمر الثروات الطبيعية والبشرية وتؤسس لنهضة واعدة ، علاوة على فشل مؤسساتها في القيام بواجباتها التقليدية ، ما أذى إلى انهيارها كما حدث في مصر وتونس ، ويحدث الان في ليبيا واليمن وسوريا ، والبحرين من أوائل الدول التي تعرضت لإرهاصات التغيير وثقافة الثورة على الأوضاع السائدة ، وقد رفع المتظاهرون شعارات ومطالب الإصلاح في مختلف المسارات ، من أهمها الانتقال إلى الملكية الدستورية ، بما تشمله من تقييد سلطات الملك والعائلة الحاكمة والحكومة ، ومنح البرلمان سلطات تشريعية ورقابية واسعة .

إن المطالب التي رفعتها الجمعيات السياسية البحرينية في ظاهرها مما لا اختلاف عليه ولا جدل في شرعيته ، إلا إن تأسيسها يأتي في سياق مرتكزاتها الأيدلوجية بكافة معطياتها الدينية والتاريخية ، وبكل ما تحمله من أسس ونظم وقواعد شمولية ومتحجرة ، ما سيقود المملكة العربية الصغيرة على المدى القصير إلى كارثة.

إن تجربة البرلمان البحريني من خلال دستور 73م كان مثالا بارزا على ذلك، فقد أدى الصراع ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى إعاقة عمل الحكومة وانحسار مشاريع التنمية ، علاوة على سيادة النعرات والنزاعات المذهبية والطائفية ، الأمر الذي دفع بالعاهل البحريني الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إلى حل البرلمان وتعليق العمل بالدستور ، مما أذى إلى فشل مشروع الملكية الدستورية ودخول البحرين في نفق الاضطرابات السياسية حتى اليوم، وهذا ما تعاني منه الكويت منذ عقود أيضا، فالعائلة المالكة الكويتية علقت مرارا وتكرارا العمل بالدستور وعطلت الحياة النيابية لنزاعها الدائم مع السلطة التنفيذية، والكويت اليوم تعاني من احتقان سياسي مزمن، وتشهد تراجعا في التنمية الاقتصادية والإنسانية والحضارية ، بعد أن كانت نموذجا للتنمية والتحديث في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

إن أزمة البحرين تنبع من عدة جهات ، لعل أبرزها هو أن التيار الديني البحريني الذي يسعى إلى صلاحيات برلمانية كاملة وفقا لنظام ملكي برلماني كلاسيكي تقليدي ، يشوب عقده السياسي ثغرات قانونية ومطبات تشريعية ستمكنه من استثمارها لفرض أجندته الأيدلوجية ، المتعارضة مع بقية شركائه في الدولة والوطن ، علاوة على تناقضها مع نصوص دستورية أخرى، وهذا ما يدركه خبراء الحكومة البحرينية جيدا، وهي التي مرت بتجربة مريرة في بداية سبعينيات القرن الماضي.

إن التيار الديني البحريني هو نموذج تقليدي للتيارات الدينية في المنطقة، التي ساهمت في تعطيل التنمية في بلدان الخليج العربي، فهذه التيارات هي التي حرمت المرأة من حقوقها السياسية لأكثر من40 عاما في الكويت ! وهي التي سنت قانون بالفصل بين الجنسين في مرافق التعليم العالي، وهي التي سنت قوانين عديدة أخرى متعارضة مع النظم المركزية والقيم الأساسية التي يستند عليها الدستور الكويتي، إضافة إلى تعارضها مع نصوص دستورية أخرى ، كقانون عدم تمكين المرأة من إصدار جواز السفر ومغادرة البلاد إلا بإذن زوجها أو ولي أمرها، وهو ما ألغته المحكمة الدستورية العليا، إضافة إلى نصوص في قانون العمل يقيد عمل المرأة، وإنشاء رقابة وصائية على المطبوعات ، وسن قانون للمجاهرة بالإفطار في شهر رمضان ، وتقييد سكن العزاب لا سيما من النساء ، وعدم منح الجنسية الكويتية لغير المسلمين، وغيرها من القوانين ، وها هو التيار الديني الكويتي يمارس صخبا سياسيا وشغبا واسع النطاق ، من خلال الصلاحيات الممنوحة له في البرلمان الكويتي ، ويساهم بفاعلية في إبقاء الكويت في نطاق توترات وتشاحنات مستمرة ودائمة.

وفي البحرين عارض الإسلاميون قانون الأحوال الشخصية المدنية بالرغم من كونه سيصبح اختيارا لا إجباريا، وبين الحين والآخر يطرحون قضايا هامشية كمنع الخمور وإغلاق الملاهي الليلية وتقييد السياحة ، كما طرح بعضهم فكرة إنشاء هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

ولا يخفى ما تعانيه العراق ولبنان ومصر والجزائر من أزمات حادة محورها الخلل الواسع النطاق في البنى الدستورية والسياسية والدينية ، وتخلف مؤسساتها وتياراتها السياسية والدينية والاجتماعية.

إن التيار الديني إذا ما تمكن من الحصول على سلطات برلمانية كاملة في هذه الدولة الخليجية سيصطدم لا محال بغيره من التيارات السياسية والدينية، وسيدخل في مواجهات سافرة مع الحكومة والعائلة المالكة ، لأنه في حقيقة الأمر يرجع إلى مرجعيته الدينية لا إلى مرجعية الدستورية ، فالدستور في حراكه السياسي لا يمثل أكثر من قناع يستغله لتمرير أهدافه الأيدلوجية الكبرى.

إن رموز التيارات الدينية البحرينية كشفوا حقيقة أهدافهم البعيدة كل البعد عن شعارات الدولة المدنية والملكية الدستورية ، عندما استغلوا أحداث العنف التي صاحبت الاحتجاجات في تمرير أهدافهم الأيدلوجية المركزية المتمثلة في إسقاط نظام الحكم وإنشاء جمهورية دينية ، كما إن ثورة 14 فبراير شابتها صراعات ونزاعات مذهبية وطائفية على نطاق واسع وأحدثت شرخا عميقا في المجتمع البحريني.

لقد فشلت المعارضة البحرينية في كسب تأييد الرأي العام الإقليمي والدولي، على النقيض من ثوار مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا، إلا من القوى السياسية الدينية الشيعية، وذلك بعد أن سقطت بكل بسهولة أقنعتها الدستورية وشعاراتها الإصلاحية ومطالبها بالديمقراطية.

لقد جرب الرأي العام الدولي والإقليمي الأحزاب الدينية في العراق وفلسطين ولبنان وأدرك عدم قدرتها على تحمل مسئولية بناء دولة مدنية منضبطة، ولعل ما شاهده العالم للعراك العلني ما بين النواب الشيعة والسنة في مجلس الأمة الكويتي شاهد على المهزلة السياسية التي تلعبها حركات الإسلام السياسي العربي بشكل عام.

كما إن المعارضة البحرينية التي يغلب عليها الإسلاميين الشيعة فشلت حتى في استقطاب الحركة السياسية السنية التي اصطفت إلى جانب الحكومة والعائلة المالكة ، في إدراك منها لمذهبية مطالبها وان غلفت بشعارات طنانة وأطروحات براقة .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل