المحتوى الرئيسى

حمزة نمرة يكتب: الهلال والنجمة!

06/15 17:05

حمزة نمرة يكتب: الهلال والنجمة!

حمزة نمرة يكتب: الهلال والنجمة!

الجريدة ( خـــاص ) – كتب حمزة نمرة

أقف الآن تقريباً في المنتصف، أتوسّط الطريق عرضاً فيلامس حذائي حديد الترامواي المنزرع في الأرض، وأتوسطه طولاً فتصطفّ أمامي واجهات المحلات المبهرة، فهذا مطعم شهير يقدم الوجبات التركية المشوية، وذاك مدخل يعج بالأضواء لملهى ليليّ، أما هذه اللافتة الضخمة فهي اسمٌ لبيت من بيوت الأزياء العالمية، وأما هذا الصخب فيأتي من ورائي لمكتبة واسعة تبيع الكتب واسطوانات الموسيقى التركية والأوروبية.ـ

بينما أؤنس وحدتي بمحادثة نفسي داخلياً أحياناً، وبصوتٍ عالٍ أحياناً أخرى – لا أحد يكترث بي على العموم فضلاً عن عدم معرفة الجميع هنا بالعامية المصرية – يمر بجانبي مئات الأشخاص على كل لون واتجاه.. فهذا الشارع الذي لا يتجاوز طوله الكيلو مترين على الأكثر يعتبر من أكثر الشوارع حيوية وازدحاماً في اسطنبول، ميدان التقسيم، أو شارع الاستقلال..هو مقصد الشباب من كل أنحاء

اسطنبول، ومستقر السائحين من مختلف بقاع الأرض.ـ

ـ”ما تيجي نمشي شوية” أومأت لنفسي بالإيجاب، ولم لا.. فالوقت ما زال متاحاً ووجوه الناس المرحة تدفعك لمتابعة السير بلا هدى.ـ

ياه! حقاً لقد منحتني زيارتي الخاطفة لتركيا الفرصة لأتأكد من أن الربان الماهر يستطيع أن يبث الحياة من جديد في سفينة غارقة لا محالة، وهذا هو حال تركيا، فالبلاد وأحوال العباد هناك في ازدهار مضطرد لا شك، ومظاهر العدالة الاجتماعية لا تخطئها عين منصفة..ـ

ـ”أنا جعان..يا بني هاتلك حاجة تاكلها عشان عشا الفندق راح عليك!”… دعني أفكر.. طبق الشاورما بثمان ليرات ونصف، يعني حوالي 45 جنيهاً.. وما الغريب في ذلك، فالمنطقة سياحية من الدرجة الأولى، وطلبات المرتادين ليس لها أول من آخر..

لا بأس، طبق من الشاورما الشهية مع كوب من الحليب أو الزبادي كما هو شائع هنا سيلكمني إلى صباح اليوم التالي.ـ

ـ” عارف.. أنا مستغرب جداً إزاي ما فيش حد باين عليه إنه زعلان.. يعني الراجل اللي واقف على سيخ الشاورما ده شكله غلبان، من محدودي الدخل يعني، إزاي وشه مش مقلوب القلبة إياها؟ ليه بيعامل الناس اللي واضح إنهم أغنيا جداً بلطافة؟ ده حتى مش مركز معاهم!”ـ

فعلاً كما توقعت، الشاورما شهية جداً، وأفكر في عصير من الرمان الذي سحرني بلونه الأحمر الذي لم أره في حياتي في رماننا المريض.ـ

ـ”كفاية مصاريف بقى!، بيقولك الكوباية بخمسة ليرة يعني بعشرين جنيه، يا خي ملعون أبو ده رمان، بكرة ماتلاقيش الجنيه تصرفه

على عياك يابن الـ..” وهنا انتصر نداء الشؤم المصري العريق على روح المرح التي تملكتني في هذا الشارع.. شارع الاستقلال.ـ

اندفعت باتجاه الشارع مرة أخرى، مشيت إلى نهايته حيث متاجر الأدوات الموسيقية، ثم استدرت لأعود إلى نقطة البداية مرة أخرى.. لاحظت أثناء الاستدارة كومة من الكرتون منطوية في مدخل محل مغلق.. أمعنت النظر فإذا بشخص نائم تحت هذه الكومة! لابد أنه أحد المتشردين الهائمين في المدن، رأيت الكثير منهم عندنا في وسط البلد.ـ

ـ”شوف! الناس ملمومة إزاي على بياع ورق الياناصيب؟” نعم! أستطيع أن أرى شغفهم بفكرة ربح المليون ليرة من شراء ورقة تافهة، تلمع عيونهم وتنفلت الضحكات من أفواههم حين يسحب أحدهم الورقة التي شعر بانجذاب كوني تجاهها، من يدري.. لعلها ساعة الحظ التي نسمع عنها ولم نراها نحن المصريون أبداً..ـ

“هم عندهم شحاتين زي عندنا؟”

” أيوة.. هم عندهم كل حاجة عندنا.. بس هم عندهم حاجة إحنا بقى ما عندناش منها..”

السعادة.. السعادة هي أن يملؤك الإحساس بالأمل حين تفكر في المستقبل.. حينما تشم رائحة العدل في كل مكان حولك، حينما تطمئن بأن هناك يد حانية في مكان ما في هذا المجتمع، وليست يداً تلزقك على قفاك كلما مرت بجانبك.ـ

سأعود ولكن بالأوتوبيس هذه المرة، لا بأس..سأستدل من الخريطة على أقرب محطة إلى الفندق..ـ

ـ”زحمة يا دنيا زحمة!” سمعت كثيراً عن طابور انتظار الأوتوبيس، ولكني لم أره قبل هذه اللحظة.. كيف يتفق مجموع الناس على الانتظام في طابور وهمي أمام باب الأوتوبيس؟ وإذا كان هذا سلوك إنساني فطري.. فلماذا نصنع دائماً كرة اللحم البائس أمام أي شباك وأي باب؟

ـ”هقول لك على الفولة.. المصريين دول لعلمك بقى.. زومبي.. أيوة.. أولاً الزومبي ده ميت أصلاً.. ثانياً هو عشان ما يموتش تماماً ويفضل زومبي على الأقل.. بياكل في دراع زميله! شهوة الأكل هي اللي بتخليه عايش زومبي.. دي ممكن تفسرلك حكاية صينية داود باشا بتاعتك دي”ـ

الزحام داخل الأوتوبيس يجعل أحدهم أحياناً ينزلق حاضناً من أمامه عند فرملة مفاجئة، ولكن لا أحد يتذمر.. فلا يزال الشاب الضاحك ضاحكاً.. ولا تزال عينا الفتاة المطأبطة ذراع الفتى حالمة، والعجوز يحدث زوجته بحنان وروية.ـ

ما أجمل خاصية تحديد المواقع في هذا الهاتف، لقد عدت سالماً دون أدنى مشكلة، تذكرت كيف انتهى بي الحال في مقبرة في ترب الغفير حينما حاولت أن أجرب هذه الخاصية وأنا في الطريق إلى عملي في لحظة مرح، أقسمت بعدها ألا أدعها تأتي مرة أخرى.ـ

صعدت إلى غرفتي منهكاً..ألقيت جثتي على السرير وأسلمت عيناي للنوم ورأسي للأسئلة الحائرة..ـ

أليس من حقنا أن نعيش كخلق الله؟

أليس من حق أولادي أن يهنؤوا بمستقبل مشرق؟

هل نظامنا المجتمعي الآن إذا ظل قائماً بآلياته وقوانينه الألف سنة القادمة، سيسمح بتمكين طاقم السفينة الكفء واعتلاء الربان الماهر منصة القيادة؟

وهل الثورة الشعبية العارمة هي بالتأكيد ستأتي بالطاقم الكفء؟

أم هل علينا انتظار القائد المخلّص في كل الأحوال؟

وإذا كان علينا الانتظار.. ألا يجدر بالعاقل الفطن أن يختار المكان الذي يحفظ كرامته وآدميته ومستقبله بعيداً عن مراعي الظلم والقهر.. لينتظر؟

أنا لا أريد أن نكون شارع التقسيم أو الوول ستريت، لا تركيا ولا هولندا ولا أمريكا ولا كندا.ـ

فقط أريدها كما هي..ولكن بدون الزومبي.. في كل مكان علا أو هان..لا أريدك يا أيها الزومبي.. وللأسف.. أمامي خياران لا ثالث لهما..ـ

إما أن أهرب منك حتى لا تصيبني بالمرض من عضة هنا أو خدش هناك

وإما أن أهوي على رأسك بفأس مسنون سيكون بالتأكيد ماركة.. الهلال والنجمة


———–
حمزة نمرة

الرابط المختصر: http://www.algareda.com/?p=15652

بإمكانكم دومًا متابعة آخر أخبار الجريدة عبر خدماتها على موقع تويتر أو عبر موقع فيسبوك.


أهم أخبار مصر

Comments

عاجل