المحتوى الرئيسى

قُطّاع الطريق

06/15 13:55

بقلم: أ.د. محمد الدسوقي

يحدث في حياتنا اليومية بعض السلوكيات التي تتعارض تمامًا مع مبادئ الإسلام، وتهدم بنيان الوطنية التي بدأنا في تشييدها بعد ثورة 25 يناير، ومن هذه الممارسات الخاطئة قطع الطريق بصوره المتعددة؛ ما يتسبب في إصابة شرايين المرور بجلطات وانسدادات تزيد من معاناة الآلاف من الناس وتؤدي إلى حالات من التذمر والسخط وتهدد المجتمع الذي بدأ التعافي في ظلِّ الحرية والتخلص من الفساد والاستبداد، ومن مظاهر قطع الطريق:

 

1- الاعتصامات الفئوية:

حدث في الأسبوع الماضي اعتصام مجموعة من العاملين المؤقتين بمستشفيات جامعة المنصورة وقطعوا الطريق في مظهر غير أخلاقي وغير حضاري منذ الصباح حتى بعد الظهر؛ ما أصاب المدينة بشلل كامل وتعطل الآلاف من المركبات لساعات طويلة من مختلف المحافظات ومدن المحافظة، وعانى الآلاف من تبديد أوقاتهم وجهودهم وما لهم طوال اليوم، وأخذوا يصبون اللعنات على المتسببين في هذا ووقفت الشرطة بسلبيةٍ غريبةٍ ومريبة، وغاب القانون وظهرت الفوضى وعدم المسئولية وغلبت المصالح الشخصية والطبقية على المصلحة العامة لعموم الناس، وأحب أن أوضح وأُذكِّر بحقوق الطريق في المفهوم الاسلامي أولاً، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ" (متفق عليه).

 

أرأيت تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من إلحاق الأذى بأي صورة بطريق المسلمين ويقول في حديث أخر عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" (رواه ابن ماجة)، فهناك نهي عن الضرر بأي شكلٍ من الصور والأشد نهيًا هو الإضرار بالآخرين الذي يعدُّ من الكبائر، وفي المقابل من شعب الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، ففي حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ" (متفق عليه)، ولقد بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً بالجنة لأنه أزال شجرة كانت تؤذي طريق المسلمين.

 

ولسنا ضد المطالبة بالحقوق بالطرق المشروعة، ففي البلاد المتحضرة يُمنع في المظاهرات تعطيل المرور وإلا يقع المخالف تحت طائلة القانون؛ فأثناء مظاهرات ثورة 25 يناير الحضارية التي أسقطت النظام البائد كان الحرص شديدًا على إفساح الطريق أمام المرور والناس فماذا حدث الآن؟ .

 

أما الحديث من المنطلق الوطني فأقول لكل مَن يحب الوطن لا تُساهم في عذاب الناس في حياتهم اليومية بدعوى المطالبة بحقوقك، ولكنك بهذا تهدر حقوق الآخرين.

 

إن التعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق لا بد أن يتحلى بالمحافظة على حرية وراحة الناس، وإلا تتحول الأفعال إلى أنانية مذمومة، ويتناقض ذلك مع الإيمان.

 

فعَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (متفق عليه)، كما أن القوانين الحاكمة للمجتمع تعاقب مَن يؤذي الآخرين على حسب مدى ونوع الضرر.

 

وأحب أن أؤكد أن البعض يشعل الفتنة والصراع والتشاجر بين الناس لينقض على مكتسبات الثورة، ونعود من جديدٍ إلى العهد البائد فلنكن على حذرٍ ووعي بذلك.

 

إنني أدعو الناس إلى مزيدٍ من الصبر في هذه المرحلة الحساسة في تاريخنا وتأجيل المطالب والمصالح الفئوية مرحليًّا وتوجيه كل الجهود إلى البناء، ولقد صبرنا وعانينا سنين طويلة، أفلا نستمر في صبرنا شهور قليلة لمصلحة الوطن حتى نتخطى عنق الزجاجة ويحقق الله لنا الخير والبركة، ولن يكون ذلك إلا بالعمل والتقوى والإيمان مصداقًا لقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (96)﴾ (الأعراف)، فيا من تقطع الطريق اتقِ الله في نفسك وغيرك ووطنك.

 

2- عدم النظام في وقوف المركبات:

مع ازدياد أعداد السيارات الهائلة وكذلك ضيق الطرق نكاد نصل إلى اختناق مروري في كل الشوارع والميادين، وهذا المشهد لا يكاد يخلو منه طريق، ولقد علّمنا الإسلام النظام فكل أمورنا ابتداءً من الصلاة وانتهاءً بإقامة الدولة، ومع ذلك يترك بعض الأفراد سيارته في غير المكان المخصص لها، ويتسبب في إرباك الطريق ضاربًا عرض الحائط بمصالح الغير، معبرًا عن أنانية يجب أن تنتهي من سلوكياتنا، وأحب أن أنبه كل مَن يفعل ذلك إلى خطورة أذى الغير دينيًّا ووطنيًّا، وحتى احترام الإنسان لنفسه وغيره، إن ثقافة النظام ومراعاة حقوق الغير لا بد أن تسود ونتعاون في بنائها في كل جوانب الحياة.

 

3- ترويع الآمنين:

إن من أخطر القضايا التي نعيشها الآن وتهدد الثورة هي الانفلات الأمني على الطرق والبلطجة التي تنفث سمومها في جسد المجتمع، وهنا لا بد للدولة أن تتدخل بكل قوتها بالتعاون مع الشعب لاستئصال هذا الورم الخبيث من جسد المجتمع والمنطلق هو قول سيدنا عثمان بن عفان "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وينبغي على الشرفاء المؤمنين التعاون لاقتلاع البلطجة وأصحابها من أرض الوطن، ولقد حذَّر القرآن من ذلك، وشرع الإسلام أشد العقوبات لمَن يفسدون في الأرض ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)﴾ (المائدة).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل