المحتوى الرئيسى

قراءة أمينة في معادلات المشهد السوري

06/15 11:56

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

أريد منذ البداية أو أذكر بخمس حقائق لازمة لأي قراءة منصفة للمشهد السوري من وجهة النظر العربية.

 

الحقيقة الأولى: هي أن نظام الأسد ظل يقاوم الضغوط الأمريكية والصهيونية، ولو كان قد خضع لهذه الضغوط لانضمت سوريا إلى معسكر الاعتدال الذي قاده مبارك بكل ما تمثله مصر من ثقل، وهذا هو سبب استبشار الجميع بما في ذلك سوريا بأن تعود مصر إلى أمتها ويرفع الضغط عن سوريا التي ظلت وحيدة رافعة راية الممانعة.

 

الحقيقة الثانية: هي أن قومية توجه النظام وتكاليفه التي يتحملها الشعب السوري ليست بديلاً عن تنظيم العلاقة بين الشعب والسلطة، بما يكفل الاستجابة لنوازع الحرية عند الشعب، أي أنه من الخطر أن نخير الشعب السوري بين حريته في مواجهة النظام ورغبته فى أن يكون ممانعًا ورافضًا الاستسلام، أي أن استقلال القرار السوري إزاء الخارج لا يجوِّز أن يوضع مقابل حق الشعب السوري في الحرية؛ لأن الوطن السوري في الفرضيتين: الحرية للمواطن هي حرية للوطن وحماية لاستقلال قراره فقد سقطت نظرية الموازنة بين حرية المواطن وحرية الوطن؛ لأنه لا يمكن للوطن أن يكون حرًّا بينما أبناؤه ليسوا أحرارًا، وهي نظرية حاول بعض الفلاسفة في مصر في عهد عبد الناصر تبرير العدوان على الحريات ودولة المخابرات التي قادها صلاح نصر تحت ستار تقليم أظافر أعداء الوطن؛ حيث تبيَّن أن سرَّ الأزمة في هذه الإشكالية هو الخلط بين الوطن والنظام، وأصبح النظام هو الوطن والوطن هو النظام، فلما هُزِم الوطن سقط النظام، وهذه تجربة بالغة الدلالة على أن النظم دائمًا زائلة وفي خدمة الوطن، ولكن الذكاء هو كيف يحافظ النظام على الوطن، وألا يكون حب السلطة أو التمسك بها هو الذى يبرر كل دعاوى النظام، لأن النظام في سوريا يختلف تمامًا عن الحالتين اليمنية والليبية.

 

هكذا فشلت التجربة الناصرية، وكانت ثغرة الديمقراطية هي التي أوقعتها في سلسلةٍ من المتاعب نصبها لها أعداؤها فسهل القضاء عليها، وأظن أن نصائح من هذا القبيل قدمت بصراحةٍ إلى رئيس شاب متعلم متفتح اندمج بسرعةٍ في مدرسة الممانعة، وكان دائمًا يردد أن ثمن الممانعة أقل بكثيرٍ من تكلفة الاستسلام والانبطاح.

 

الحقيقية الثالثة: هي أن سوريا من الناحية الإستراتيجية بالغة الأهمية للصهاينة؛ فسوريا هي الحلقة الوسطى الأساسية بين إيران وحزب الله وحماس، ومن خلال هذه الوضعية تتقاسم سوريا المصلحة الإستراتيجية والسياسية في الساحة اللبنانية، وقد حاولت واشنطن وتل أبيب تفكيك هذا التحالف بكل الطرق التي لا مجالَ لإيرادها بالتفصيل في هذا المقام، ولكن الثابت أن صمود هذا التحالف كان مفيدًا لصمود المقاومة ضد المشروع الصهيوني.

 

الحقيقة الرابعة: هي أن لدينا حقيقتين كان لا يجب أن يكونا متصارعتين، خاصةً أن الدوائر الغربية تمكنت من ترتيب هذا التصارع في حالة مصر بعد 1967م، وصارت مطاردة العروبة واردة، وكذلك التيار القومي معها، كلما أخطأ حاكم كان يدعي العروبة صدقًا أو كذبًا حتى وصلنا إلى حالة صار فيها الناس يتبرءون من عروبتهم ومن إسلامهم.

 

الصراع الماثل الآن في سوريا الذي تصوره الأحداث يدور بين حقيقة أن الشعب السوري يريد الحرية أسوةً بشعوب العالم العربي الأخرى، وأنه لا يجوز قمعه وقتله، وحقيقة أن الثورة ضد النظام لهذا السبب قد تنال منه وتؤدي إلى إسقاطه، فهل خدمة الممانعة تتطلب حتمًا إحكام القيد على الشعب أم أنه يمكن إقامة نظام ديمقراطي يدعم استقلال الوطن وحماية خياراته؟.

 

الحقيقة الخامسة: هي أنه ما دامت سوريا الوطن مستهدفةً من المحيط المعادي، وما دامت سوريا النظام مطالبة بالحرية وما دامت سوريا الوطن والنظام يجب الإبقاء عليها لمصلحة رسالة الممانعة في منظور الصراع ضد المشروع الصهيوني، فإن احتمالات استغلال الخارج لهذه المعادلة واردة بشدة، فيُضاف إلى المطالبات الشعبية أطياف المؤامرة لإشعال الموقف، وربما أن إدراك الخارج لهذا الموقف في الساحة السورية، فإن الموقف الدولي لا يزال يعوِّل رسميًّا على أن يحتوي الرئيس الأسد الموقف، ويسوي قضية الحرية مع شعبه.

 

ولسوء الحظ فإن الإعلام انقسم إلى قسمين: الأول الإعلام السوري بالرواية السورية، والثاني الإعلام الأجنبي بما فيه الإعلام العربي خاصةً قناة (الجزيرة) برواية مخالفة.

 

فكيف يمكن حصر الخلاف بين الشعب والنظام في سوريا وعزل أطياف المؤامرة الخارجية التي تبدو ظاهرة؟ فالشعب له الحق في المطالبة بالحرية، والنظام اتسع الرتق عليه بفعل هذه الأطياف، وكلما اتسع هذا الرتق ظهرت السلطات الأمنية والعسكرية وكأنها هي التي تقمع هذا الشعب بهذه الوحشية.

 

والضحية في النهاية هو الشعب والوطن السوري، فلا شك أن الحقيقة تقع في مسافة ما بين الروايتين المتضاربتين؛ ولذلك فإن النظام كان بوسعه أن يُسرع باحتواء الموقف قبل استفحال الخلط بين سيف السلطة وسيف أعداء الوطن.

 

إنني أشعر بالقلق الشديد على سوريا الوطن، فهل يسود العقل ويدرك الجميع أبعاد الخطورة؟ كان بودي أن أستثمر حبي لسوريا وشعبها وعلاقتي مع نظامها في تسوية ما، ولكني وجدت أن الشقة تتسع، ولن ينقذ سوريا إلا شعبها، خاصةً أن هيمنة قوى الأمن والمعالجة الأمنية للموقف هو الذي مكن لأطياف المؤامرة.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل