المحتوى الرئيسى

فى ذكرى رامى

06/15 08:18

عمارتها القديمة الجميلة! تُطالعها فى الذهاب والإياب، وتراها فى الأحلام كذلك. فى عالم الأحلام السحرى، حين تغمض عينيها للنوم، وتحملها أنفاسها الهادئة كمجدافين من سكر فى بحر النوم العميق، لا ترى فى أحلامها إلا هذا البيت.

ترى الصالة بوضوح، والغرف الأربعة، والشرفة المستديرة المُطلّة على المدى الأخضر، ترى ترابزين السلم وهى تتزحلق عليه. وترى رامى كذلك. جارها الصغير الأسمر فى تلك الأيام البريئة، المغموسة بالمحبة، حينما كان الجيران كالأهل أو أكثر. يتقاسمون الحزن والفرح وحلوى الأعياد. لا كهذه الأيام التى ربما لا تعرف فيها أسماء جيرانك!.

كانت هى ورامى فى نفس العمر، يلعبان معا، ويذهبان إلى المدرسة معا.

والليلة تعود: مدخل البناية العتيق المُكدّس بالذكريات. منذ متى غادرت العمارة إلى الأبد؟ كانت وقتها على مشارف الشباب. جزء فيها حزينٌ على بيت الطفولة، وجزء فيها سعيد بالمنزل الجديد. كانت بحاجة إلى سنوات عديدة لتُثمّن بضاعة الذكريات.

توقفت فى رهبة، راحت تنظر حولها فى شجن. عمارتها القديمة الجميلة، نالت منها عوادى الزمن. الصورة التى احتفظت بها فى ذاكرتها تختلف تماما عما تراه الآن. كان المدخل واسعا جدا، فهل ضاق أم ضاقت نفوسنا!. تكسرت درجات السلم أم تكسرت قلوبنا. تساقط طلاء الحوائط أم تساقطت أعمارنا! غزته آثار الزمن كما غزت روحها، أين وجهها الطفولى الناعم وهى تلهو مع رامى؟.

رامى كان طفلاً جميلاً، صورته المنطبعة فى ذاكرتها منذ عهد بعيد: شعره كثيف أسود، ناعم البشرة، صافى السمرة، كتلة من النشاط والحركة وخفة الدم.

راودتها رغبة أن تفر هاربة. لكنها تماسكت بصعوبة. المصعد كان فى انتظارها لكنها اختارت أن تصعد السلالم ببطء. تحتاج وقتا كى تتمالك نفسها قبل مهمتها الثقيلة. تحتاج أن تشاهد مسرح ذكرياتها القديمة. تحتاج أن تجفف دموعها المُنْهمرة. حين دهمها الخبر هاجمتها كل ذكريات الطفولة. والده الذى كان يطالبها بقبلة السكّر على خده، قبل أن يأخذهما فى جولة بسيارته القديمة. حينما غادرت العمارة إلى عمارة جديدة لم تكن تتصور أنها لن تراهم ثانية. تشغلنا الأيام كثيرا عن أشيائنا النفيسة.

الدرج انتهى كما ستنتهى حياتنا جميعا. ضغطت بيد مرتجفة باردة على الجرس. فتحت أم رامى الباب. هرمت، كبرت، تهدلت، زادها الحزن أعواما أخرى. أجهشت باكية وهى تعانقها. لأول مرة منذ غادرت العمارة تدخل هذا البيت. طالعتها وجوه الجيران القديمة فى مجلس العزاء التى لم تطالعها منذ عشرين عاما. الوجوه باهتة، مُكوّمة، حزينة.

حينما بلغها نبأ وفاته حزنت عليه حزنا لم تكن تتصور أنها قادرة عليه، برغم أنها لم تره منذ عشرين عاما. أترانا ننكسر حين نفقد رفاق طفولتنا لأننا نفقد فى الوقت نفسه أعمارنا! تاريخنا! ألعابنا! عرائسنا القديمة! كراريسنا! أقلامنا! مدرستنا الجميلة! جزءا لا يمكن أن يُعوض من حياتنا. آه لماذا نكبر! ولماذا نغادر مرحلة الطفولة! ولماذا لا تكف الأرض عن الدوران فترحم نفسها وترحمنا!.

aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل