المحتوى الرئيسى

"أوبك" والعودة إلى أخطاء الماضي

06/15 07:17

سعود بن هاشم جليدان

أدى تدني أسعار النفط بعد الحرب العالمية الثانية إلى تطوير تقنيات استخدامه وإحلاله محل بعض أنواع الوقود التقليدية كالفحم الحجري. وأسهمت الاكتشافات النفطية الضخمة في منطقة الشرق الأوسط في إيجاد تخمة في المعروض النفطي العالمي. وحدثت موجة هبوط لأسعار النفط في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، ما دفع الدول الرئيسة المصدرة للنفط إلى إنشاء منظمة ''أوبك''، وذلك للدفاع عن مصالح الدول النامية المصدرة للنفط. ودعمت الولايات المتحدة إنشاء المنظمة في البداية، حيث كانت إحدى الدول المصدرة للنفط في تلك الفترة.

وأسهم المعروض النفطي الكبير أبان تلك الحقبة في استمرار تدني أسعار النفط، ما شجع على استمرار نمو الاستهلاك العالمي. وتزايدت في بداية السبعينيات من القرن الماضي الضغوط على المنتجين لرفع الإنتاج من هذه المادة القابلة للنضوب، ما نتج عنه تلاشي فوائض الإنتاج عند تلك الأسعار المنخفضة.

ودفع هذا التلاشي إلى رفع أسعار النفط بمعدلات قوية خلال الفترة 1973 - 1981م. وقاد ارتفاع الأسعار إلى تشجيع إحلال موارد الطاقة الأخرى محل النفط، وإلى تطوير تقنيات توفير الطاقة بشكل إجمالي، ورفع درجة إحلال رأس المال محل الطاقة.

وانخفض الطلب العالمي على نفط ''أوبك'' في بداية ومنتصف الثمانينيات بسبب تراجع الاقتصاد العالمي ورفع الدول المنتجة للنفط من خارج ''أوبك'' إنتاجها، ما أدى إلى خفض كثافة استخدام نفوط المنظمة. وأدت سياسات ''أوبك'' غير المتزنة إبان تراجع الاقتصاد العالمي في بداية الثمانينيات إلى تراجع مذهل في أسعار النفط الخام في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. ونتج هذا التراجع عن الأوضاع الاقتصادية العالمية في تلك الفترة وحساسية أسعار النفط العالية قصيرة الأجل للفروق بين كميات الاستهلاك والإنتاج. وتؤدي الفروق البسيطة بين الطلب والعرض النفطي إلى رفع الأسعار قصيرة الأمد بقوة إذا كان هناك عجز في توفير إمدادات كافية. وفي المقابل تنخفض أسعار النفط بقوة إذا كانت هناك فوائض صغيرة في عرض النفط.

ويبدو في الوقت الحالي أن أعضاء منظمة ''أوبك'' نسوا أخطاء الثمانينيات من القرن الماضي، فالأسعار المبالغ فيها، خصوصاً عند هشاشة النمو الاقتصادي العالمي، تؤدي إلى تراجع الطلب على النفط بشكل عام، ومن دول ''أوبك'' بشكل خاص في الأمد الطويل، وتقود في النهاية إلى تراجع الأسعار ثانيةً. وتدرك الدول التي تملك احتياطيات نفطية كبيرة أن مصلحتها طويلة الأجل تصب في تعظيم عوائدها طويلة الأجل. ورفع الأسعار قصيرة الأجل إلى مستويات مرتفعة يقود إلى تراجع حجم الاستهلاك طويل الأجل، وهذا يقود إلى تراجع الأسعار طويلة الأجل ويقود إلى ذبذبة قوية في الأسعار، ما يرفع من مخاطر استهلاك النفط ويقلل من الرغبة في استخدامه كوقود أو كمدخل إنتاج.

وتدرك المملكة أن مصلحتها تصب في توفير استقرار طويل الأجل في الأسواق النفطية، ولهذا تحاول باستمرار طمأنة المستهلكين بنيتها توفير إمدادات كافية للحفاظ على التوازن في الأسواق عند مستويات أسعار تكون عادلة للمستهلكين والمنتجين. وأنفقت المملكة مئات المليارات من الريالات خلال الأعوام الماضية لرفع طاقتها الإنتاجية، وجلب الاستقرار للأسواق النفطية، واستغلال الطاقة الفائضة وقت الأزمات لتحقيق عوائد مجزية.

وطالبت المملكة في اجتماع ''أوبك'' الأخير بضرورة موافقة الأعضاء على رفع الحصص الإنتاجية، وقد رفض أعضاء ''أوبك'' المتشددون رفع حصص الإنتاج. ويرى المتشددون أن مصلحتهم تصب في رفع الأسعار قصيرة الأجل إلى أعلى مستوى، وهذا راجع إلى أن احتياطياتهم وقدراتهم الإنتاجية منخفضة، كما أن اعتمادهم على النفط أقل حدةً من الدول الخليجية.

وسيتوقف عديد من المتشددين عن تصدير النفط خلال فترات زمنية ليست طويلة، لهذا فإن من مصلحتهم رفع الأسعار قصيرة الأجل إلى مستويات عالية. وفي المقابل فإن رفع الأسعار سيشجع على رفع معدلات إحلال رأس المال ومصادر الطاقة الأخرى محل النفط، وعلى تطوير تقنيات استخدام وسائل الطاقة الجديدة والأخرى، كما سيشجع إنتاج الدول خارج منظمة ''أوبك''، ونتيجةً لذلك سينخفض الطلب على نفوط ''أوبك'' في الأمد الطويل كما حصل في الثمانينيات.

وتحملت المملكة في تلك الآونة دور المنتج المرجح وضحت كثيراً في سبيل الحفاظ على أسعار النفط، ما أدى إلى تراجع إيراداتها بقوة في تلك الفترة ولم تبذل دول ''أوبك'' الأخرى إلا جهداً يسيراً في الدفاع عن الأسعار، واستغلت موقف المملكة الإيجابي في ذلك الوقت وحققت إيرادات جيدة على حساب المملكة. وتخلت المملكة عن دور المنتج المرجح بعد أن كان موقف أعضاء ''أوبك'' الآخرين يتلخص في خفض إنتاج المملكة فقط دون المساس بحصصهم.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل