المحتوى الرئيسى

الموازنة والعدالة الاجتماعية

06/15 08:18

كان من المفروض أن يركز مشروع الموازنة على هدف واحد هو العدالة الاجتماعية، ولا سيما أن الحكومة قد حصلت على فرصة ذهبية تتمثل فى وعود الاستثمارات الجديدة من المجتمع الدولى، مما رفع عنها الكثير من العبء الذى كانت ستتكبده لتحفيز الاقتصاد. فمثلا كان من الممكن حساب التكلفة الإجمالية المطلوبة لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 1200 جنيه بالحكومة والقطاع العام، ثم البحث عن مصادر تمويل هذه التكلفة عن طريق تركيبة من زيادة فى الضرائب مع ترشيد للإنفاق فى الدعم مثلا على البنزين 92 و95 والطاقة المدعمة للمصانع.

 فمع الإبقاء على الضريبة المقترحة على أرباح الشركات فوق 10 ملايين جنيه يمكن إعادة توزيع الدخل بإضافة شريحة جديدة بنسبة 5% على الرواتب فوق حد معين، ورفع حد الإعفاء عن المقترح حاليا. وقد تكون لهذه الخطوة أيضا مكاسب أخرى من الجانب السياسى، حيث إنها من شأنها أن تقلص من الإضرابات الفئوية إلى حد كبير بعد حصول العاملين على كل ما طلبوه، فضلا عن تأثيرها على الجانب الاقتصادى وعودة عجلة الإنتاج والإنتاجية بكامل طاقتها، مما يسهم فى كبح جماح التضخم، وهى مكاسب تستحق التفكير فيها بجدية. ما يبدو أن الحكومة قامت به هو أنها أخذت آخر موازنة وقبلتها على علاتها، ثم أضافت معدل التضخم للبنود الأساسية من النفقات.

فهى أضافت للتعليم والصحة 14% وهو معدل التضخم، كما أضافت للدعم مبالغ تساوى الزيادة فى الأسعار. نحن نعلم ونقول إن الحكومة السابقة قد أساءت إنفاق وتوجيه الموارد الحكومية، ولكن لم نر أى تغيير قد حدث فى توجيه هذه الموارد أو أى جهد قد تم بذله لترشيد الإنفاق. وربما كان من أحد عوامل بناء الثقة للحكومة إعلانها أنها قامت بدراسة الموازنة بعناية، وأنها قد توصلت إلى خطة محددة للتقليل من عجز الموازنة. لا أستطيع أن أصدق أن وزارة المالية الحالية لم تجد بنداً واحداً فى الموازنة تستطيع التوفير منه.

زيادة الضرائب فى الأوقات الاستثنائية أمر ضرورى ومقبول، فالاستثمارات لا تتناسب طرديا أو عكسيا مع رفع أو خفض الضرائب. المستثمرون ينجذبون لاقتصاد مدار جيدا ذى أهداف وسياسات تتسم بالوضوح والشفافية ويعتمد على سيادة القانون وعدم وجود مفاجآت.

فقد انعكست أخبار فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية على البورصة بالسلب علما بأن هناك دولاً كثيرة فى العالم ومنها بعض الأسواق الناشئة تطبق ضريبة الأرباح الرأسمالية، ومع هذا مازال الناس يستثمرون فيها. والآن تم الرجوع عن هذه الضريبة، مما يطرح المزيد من التساؤلات: إذا كانت الحكومة تستطيع أن تعمل دون هذه الضريبة فلماذا فرضتها أصلا وعما إن كانت ستقوم بتعويضها بضريبة أخرى أم لا.

 فإذا كانت الحكومة تريد زيادة مواردها، بالإضافة إلى توجيه السوق لتشجيع المستثمرين طوال الأجل على حساب المضاربين الذين يقومون بالشراء فى الصباح ويبيعون عند الظهيرة ويتسببون فى تقلبات السوق، فكان عليها أن تفعل مثل المملكة المتحدة التى كانت قادرة على زيادة حصيلة الضرائب على عمليات التداول وفى نفس الوقت كافأت المستثمرين طوال الأجل عن طريق فرض ضريبة دمغة كما يسمونها على كل عملية بيع أو شراء.

تكلفة التداول فى مصر الآن أقل من التسعينيات نتيجة للمنافسة وللأساليب الأكثر تطورا، فقد انخفضت عمولات السمسرة من 0.5% فى المتوسط إلى 0.2%، ولهذا فإن ضريبة جديدة على سبيل المثال بنسبة 0.25% على عمليات البيع والشراء ستعيد فقط تكلفة التداول إلى ما كانت عليه فى التسعينيات، فهذه الضريبة سوف تستهدف المضاربين فقط دون المستثمرين طوال الأجل.

لماذا أيضا لم يتم تعديل ضريبة المبيعات على بعض الأطعمة والملابس، فتعتبر الضريبة الحالية بمعدلاتها التى تمثل 5% على بعض المأكولات و10% على الملابس عبئاً كبيراً على محدودى الدخل الذين ينفقون كل دخلهم على المأكل والملبس وهى تعتبر ضريبة تنازلية وليست تصاعدية. وقد كان من الممكن أن يتم إلغاؤها تماما على المأكولات والملابس تحت حد معين.

قد يتجادل الناس حول الأرقام والمخصصات، فيرى البعض أنها كثيرة أو قليلة، ولكن هذا ليس الموضوع. هناك شىء غير مريح فى هذه الموازنة. فهى لا تظهر الاتجاه نحو هدف محدد، فلا هى انحازت للنمو والاستثمار ولا للعدالة الاجتماعية. كما بدت أنها كمجموعة من الأرقام ألصقت جنبا إلى جنب، مما أدى فى النهاية إلى خيبة أمل للجميع.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل