المحتوى الرئيسى

الإمام حسن البنا والمجتمع المصري

06/14 23:59

بقلم: د. محمد عبد الرحمن

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن المشروع الإسلامي الذي أحياه وجدده الإمام الشهيد، ما زال مستمرًّا وسيظل بإذن الله؛ ليحقق أمل الأمة الإسلامية، ويواجه التحدي العالمي، بقدم ثابتة ورؤية متكاملة.

 

ونحتاج أحيانًا إلى إلقاء بعض الضوء على جوانب ومجالات جاهد فيها الإمام الشهيد، ووضع لها مسارات واستراتيجيات؛ وذلك لنتعرف بدرجة أكبر على أبعاد المشروع الإسلامي، وعلى وسائل وميادين العمل الدعوي، وعلى جوانب مـن الإنجاز العملي تجاه قضايا وأحداث هامة.
وهذه الدراسة الموجزة لا تعني أنها قد ألمت وأحاطت بكل الحقائق والأبعاد، ولكنها مجرد إلقاء لضوء بسيط، وسيبقى الأمر في حاجة إلى مزيد من إلقاء الضوء، وكشف جميع الحقائق والأعمال؛ أداءً لأمانة الدعوة في حقها علينا وحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها.

 

عندما بدأ الإمام البنا دعوته وأسس المشروع الإسلامى الشامل للإصلاح الكلى وتحقيق الغاية الكبرى لنهضة الأمة الإسلامية وإعلاء كلمة الله فى الأرض، لم يكن يستهدف فقط الاقتصار على الإصلاح الجزئي، بل إصلاح كلى شامل، وفي نفس الوقت لم يهمل هذا الجانب بل اعتبره جزءاً من برنامج الإصلاح والرقي بالأمة.

 

وكان المجتمع المصري في تلك الآونة يمر بأزمة شديدة وهو يخضع للاحتلال الأجنبي والفساد والانهيار في أغلب جوانبه، ومصادر للخطر تهدد أسس المجتمع وقتها.

 

وفي مواجهة ذلك ولتحقيق خطوات عملية للمرتبة الثانية والثالثة من مراتب العمل (إرشاد المجتمع وصبغ مظاهر الحياة العامة بقيم ومبادئ الإسلام – وتحرير الوطن وتخليصه من كل سلطان أجنبي سياسي أو اقتصادي أو روحي).

 

المنهجية العملية:

وضع الإمام البنا رحمه الله منهجية عملية لهذا الأمر:

أ - حدد مصادر الخطر على الأمة والمجتمع، وكيفية مواجهتها.. فكان هناك نماذج لهذه الأخطار قصيرة المدى سريعة الانتشار نجح الإمام في مواجهتها والتعاون مع الآخرين في منعها مثل خطر التبشير والتنصير، وانتشار البغاء بشرعية القانون له وعدم تجريمه ومنعه، وفي مواجهة الكوارث كان الإخوان في المقدمة بدورهم الفعال: مثل مواجهة وباء الكوليرا، وهناك أخطار استلزمت مشروعًا طويلاً متكاملاً للقضاء عليها، ومثال ذلك الاحتلال الأجنبي وتوابعه المرتبطة به.

ب- الدفع بروح جديدة ودم جديد يسري في شباب الأمة فيحركها ويوقظها واستخدام الوسائل الجديدة في تحقيق ذلك، واستيعاب طاقات الشباب وتوجيهها التوجيه الصحيح.

جـ- إحياء القلوب والرجوع إلى معين الإسلام الصافي، لإحداث التغيير في أفراد المجتمع.

د - تقديم نماذج عملية في الإصلاح يقتدي بها الآخرون.

هـ - تقديم تصورات ورؤية عميقة ومناسبة لإصلاح الخلل ( بعد معرفة الواقع ودراسة الداء وأسبابه)، طرحها على الأمة، وكذلك للحكام والوزراء للأخذ بها أو ببعضها واستمر في ذلك مع أن استجابتهم كانت محدودة أو معدومة، راجع رسالة نحو النور للإمام البنا ورسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.

 

* كما حدد الإمام خصائص وضوابط العمل في المشروع الإسلامي لإصلاح المجتمع، فذكر من أهمها:

1- الصبغة الإسلامية العملية والخطاب المناسب، لطبيعة الإصلاح الذي تقوم به.

2- إحياء الأمل في الأمة، بعد إيقاظ الإيمان لديها.

3- التمسك بروح الحب للمجتمع والحرص عليه ورغبة  الخير له.

4- اتباع الأسلوب المتدرج العملي الواقعي.-

5- أنها تضم كل المعاني الإصلاحية ولا تنحصر في جانب دون آخر تستطيع العمل فيه.

6- الاستعانة بكل الوسائل المتاحة، بل وابتكار الوسائل الأخرى المناسبة.

7- مواجهة المعوقات والضغوط بالنضال الدستوري والكفاح السياسي والتزام ذلك كمنهجية في العمل.

8- رفض أسلوب العنف والإرهاب أو الجبر والإرغام.

9- اتباع أسلوب الإصلاح الإيجابي الذي يقوم على البناء قبل الهدم.

10- أن الجماعة في منهجها الإصلاحي ليست بديلاً عن المجتمع، وليس في تصورها أن تحتكر ذلك، بل تتعاون مع الأمة بكل مكوناتها وتسعى إلى تكوين مجموعات للإصلاح والعمل الإيجابي في كل قطاعات الحياة والمجتمع.

11- الابتعاد عن الأسلوب الحزبي في العمل، وعدم الدخول في صراعات جانبية أو تجريح الشخصيات والهيئات.

12- أن يكون الجماعة وأفرادها قدوة عملية في ذلك الإصلاح.

 

* كما أشار الإمام الشهيد إلى جانب مهم من الداء الذى أصاب المجتمع، وكان نتيجة لابتعاده عن تطبيق شرع الله وإقامة دولته، فيقول مشيراً إلى ذلك:

1- فقدان الأخلاق

2- فقدان المثل العليا.

3- إيثار المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.

4- الجبن عن مواجهة الحقائق.

5- الهروب من تبعات العلاج.

6- الفرقة قاتلها الله.

 

هذا هو الداء، والدواء كلمة واحدة أيضًا، ضد هذه الأخلاق، هي علاج النفوس أيها الإخوان، وتقويم أخلاق الشعب { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا.وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [الشمس: 9،10](1).
ولا يكون هذا إلا بالمنهج الإسلامي وبالأسلوب الذي أحيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم القلوب والمجتمعات.

 

كما أوضح أيضًا الإمام الشهيد منهج الدعوة (وهو منهج الإسلام) في بناء المجتمع والمحافظة على سلامته وأن ذلك يقوم على أسس محددة منها:

1- الوقاية من المشاكل وعوامل الهدم.

2- استئصال الأمراض الاجتماعية من جذورها إذا حدثت فلكل مشكلة عنده لها دواء.

3- جعل أساس الصلاح والدواء الأول في كل علاج هو صلاح النفوس والتضامن الاجتماعي بين بني الإنسان.

4- أن يحيط كل ذلك بما يرفع الحرج ولا يؤدي إلى العنت.

5- أن يضع القواعد الكلية ويدع الفرعيات الجزئية.

6- يرسم طرائق التطبيق.

7- يفرض نشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والتطبيق السليم حتى تشمل الناس أجمعين"(2).

 

وهذه نماذج من توجيهاته - رحمه الله- توضح ما سبق الإشارة إليه:

فيقول رحمه الله: "لا يحب الإخوان أن يخلطوا البناء بهدم، وفي ميدان الجهاد متسع للجميع"(3).

" نحب أن يعلم قومنا أنهم أحب إلينا من أنفسنا،وأنه حبيب إلى هذه القلوب أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء، وإنه لعزيز علينا جد عزيز أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان فنحن نعمل للناس في سبيل الله ".

 

" فنادوا في قومنا.. نحن لكم لا لغيركم، ولن نكون عليكم يومًا من الأيام".

 

ويقول عن أسلوب الدعوة والداعية مع الناس: " ونحمل الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب"(4).

 

" ومراعاة الصبر والأناة والحكمة والموعظة في ذلك"(5).

 

" إن الناس يعيشون في أكواخ من العقائد البالية، فلا تهدموا عليهم أكواخهم ولكن ابنوا لهم قصورًا من العقيدة السمحة وعليه سوف يهجرون هذه الأكواخ إلى هذه القصور"(6).

 

ويحذر الإمام من أن يشتد الدعاة على الناس وينفرونهم.. " بل يشتد على نفسه أولاً ثم على مريديه الذين فهموا غايته ثم يترك الناس يقلدونهم بالاختلاط لا بالأمر والشدة"(7).

 

" وإننا بحمد الله برآء من المطامع الشخصية بعيدون عن المنافع الذاتية ولا نقصد إلا وجه الله وخير الناس ولا نعمل إلا ابتغاء مرضاته "(8).

 

ويقول " الإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر، حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان"(9).

 

* وعن أهمية الإيمان وأساس العمل في المجتمع يقول:

" إيقاظ الإيمان في قلوب الناس على كتاب الله "

" أعتقد أن أهم الأغراض التي تجب على الأمة حيال القرآن الكريم ثلاثة مقاصد:

أولها: الإكثار من تلاوته والتعبد بقراءته والتقرب إلى الله تبارك وتعالى به، وثانيها: جعله مصدرًا لأحكام الدين وشرائعه منه تؤخذ وتستنبط، وثالثها: جعله أساسًا لأحكام الدنيا منه تستمد وعلى مواده الحكيمة تطبق"(10).

 

" الذى يريده الإخوان إصلاحًا شاملاً تتعاون عليه قوى الأمة جميعًا وتتجه نحوه الأمة جميعًا"(11).

 

" أصلحوا نفوسكم، وركزوا دعوتكم وقودوا الأمة إلى الخير" "وسنربى شعبنا ليكون منه الشعب المسلم، وسنكون من بين هذا الشعب المسلم"(12).

 

" ندعو إلى الإسلام، والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه"، "وإذا كانت هذه الأهداف جميعًا لا تتحقق إلا فى ظل الدولة الصالحة فكان لابد أن تطالبوا بحق الإسلام في إقامة الحكومة التي ترتكز على أصوله وأحكامه وتعاليمه" أ.هـ

 

" علينا إفهام الناس أن السياسة والحرية والعزة من أوامر القرآن وأن حب الأوطان من الإيمان "(13).

 

" نريد النهوض بالرجل والمرأة جميعًا وإعلان التكامل والمساواة بينهما وتحديد مهمة كل منهما تحديدًا دقيقًا "(14).

 

"ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب"(15).

 

ويقول عن الموقف من الهيئات الأخرى:

* " وأما موقفنا من الهيئات الإسلامية جميعًا على اختلاف نزعاتها فموقف حب وإخاء وتعاون وولاء، نحبها ونعاونها ونحاول جاهدين أن نقرب بين وجهات النظر ونوفق بين مختلف الفكر توفيقًا ينتصر به الحق في ظل التعاون والحب، ولا يباعد بيننا وبينها رأي فقهي أو خلاف مذهبي، فدين الله يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"(16).

 

"نحن لا نهاجمهم لأننا في حاجة إلى الجهد الذى يبذل في الخصومة"(17).

 

" الإخوان يجيزون الخلاف ويكرهون التعصب للرأي ويحاولون الوصول إلى الحق ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب "(18).

 

التربية العملية:

* ولم يكن تعامل الإمام الشهيد في هذا الميدان مجرد تصور نظري، وإنما حوله إلى واقع عملي فيما قدمته الجماعة وقامت به في إصلاح المجتمع ومواجهة مشاكله، وكذلك في منهجية تربية أفرادها وتدريبهم للعمل مع المجتمع وأداء الخدمة العامة للناس.

 

ومع تمايز مستويات ونوعيات الأفراد المنضمة أو المنتسبة للجماعة، إلا أن منهج التربية والتكوين كان حريصًا على تعميق هذا الجانب المجتمعي، ويصبح توظيف الأفراد فيه كل حسب ظروفه واستعداده الشخصي مع اشتراك الجميع العمل في هذا الميدان واعتباره جزءًا أساسيًّا من دعوته وأهدافه العامة، وإصلاح الفرد هو نقطة البداية والانطلاق، فإذا راجعنا توجيهات الإمام وواجبات الأخ العامل في الجماعة نجدها تعده ليكون:

1- ممتلئًا حبًّا وعاطفةً تجاه المجتمع وأفراده.

2- أن يكون على بصيرة ووعي بدوره الاجتماعي وأنه جزء من دعوته لابد أن يساهم فيه.

3- وأن يكون لديه الإيجابية والذاتية في الحركة في هذا المجال.

4- وأن يكون عظيم الهمة وواسع النشاط، مدربًا على الخدمة العامة.

5- وأن يلم بالشئون الاجتماعية إلمامًا يمكنه من تصورها والحكم عليها حكمًا يتفق مع مقتضيات الدعوة.

6- أن يسارع إلى المساهمة في الخدمة العامة وأعمال البر.

7- أن يتأدب بآداب الإسلام وأخلاقه فيكون: عف اللسان – حسن المعاملة – أمينًا – صادق الوعد والكلمة – كريمًا – سمحًا يرفق بالإنسان – لا يتهم بالظنة – ويبتعد عن الغيبة والنميمة – قدوة فى معاملاته المالية والاجتماعية – يتقن مهنته وما يؤديه من عمل – عادلاً – صحيح الحكم – لا ينسيه الغضب الحسنات – ولا تحمله الخصومة على نسيان الجميل – يقول الحق ولو علىنفسه أو أقرب الناس إليه وإن كان مرًّا – يرحم الصغير ويوقر الكبير – لا يصخب – ثابتًا – مثابرًا لا يخشى تضييقًا أو إرهابًا – متجردًا من المطامع والأهواء ومعانى العجب والغرور – وأن يتسع صدره للمخالفين - ويعرف كيف يتعامل ويتعاون معهم(19).

 

وقد أخرج لنا هذا المنهج نماذج مضيئة كان لها دورها في المجتمع وفي تاريخ مصر.
وإن الأفراد الذين تهاونوا في منهج التربية والتكوين وإصلاح نفوسهم، ما زالوا بحاجة إلى المراجعة والمزيد من الجهد لإصلاح نفوسهم وسلوكهم فالدعوة حجة على أي فرد ينتمي إليها وليس العكس.

 

يقول الإمام الشهيد: "كم فينا وليس منا، وكم منا وليس فينا" وكذلك على القاعدين الذين لا يقومون بدورهم في إصلاح المجتمع ونشر الدعوة فيه، يكونون مضيعين لركن أساسي من مراتب العمل فاقدين للتكوين المتوازن.

 

نماذج من جهود الإخوان في حل مشاكل المجتمع المصري:

اهتم الإمام الشهيد بالمجتمع المصري ومواجهة كل صور الظلم والجهل والفساد المتفشي فيه، وكانت سياحته في قرى ونجوع مصر كلها عاملاً أساسيًّا في تعرفه على هذا الواقع واختلاطه بكل هذه الطبقات وماذا تعاني.

 

* وهذه نماذج مختصرة لميادين عمل الجماعة في هذا الشأن تحت قيادة وتوجيه الإمام البنا:

1) في مواجهة انتشار البغاء وحماية القانون وقتها له:

فمنذ نشأة الجماعة في الإسماعيلية، بدأ هذا النشاط الإصلاحي الاجتماعي مبكرًا هناك، وأنشأ دارًا للتائبات من مهنة الدعارة، وأنشأ مشغلاً للفتيات ومعهدًا لتعليمهن.

 

كما ساهم نشر الوعى الدينى وتقويته فى النفوس في محاصرة هذا الخلل والتقليل منه، واستخدم الإخوان أيضًا الجانب القانوني، فضغطوا لإلغاء هذا القانون الذي يرخص لهم هذه المهنة، وذلك بالعمل من خلال المجالس المحلية وتقوية تيار شعبي يضغط في هذا الاتجاه فاستجاب مثلاً مجلس محلى السويس بإلغاء البغاء في دائرته بقراره يوم السبت 14 أبريل 1940 بناء على طلب الإخوان ورغبة سائر أهل المدينة.

 

وكذلك الضغط على الوزارة حتى صدر قرار الإلغاء النهائي لهذا القانون ثم كان العمل الاجتماعي لعلاج هذا الخلل وما يترتب عليه ومحاولة علاج أسبابه المؤدية إليه، وكذلك محاربة الفقر ومساعدة الفقراء ( من تشجيع الصدقات – ولجان جمع الزكاة وتوزيعها..إلخ)

 

وفي هذا المجال الأخير، قاوموا صور الفساد من الحفلات الماجنة والآداب المنحرفة وكانت صحافة الإخوان لها باع كبير فى ذلك.

 

2) وفي المقابل قدمت نماذج من الأدب والفن الصحيح:

 فشكلوا الفرق الفنية، وساهموا بقوة في الحركة الثقافية، وقدموا أنواعًا متعددة من الأدب في الزجل – الشعر – المسرح – القصة – النقد الأدبي والفني.

 

ومن أمثلة الروايات التي مثلوها رواية "عاقبة الفساد" التي مثلها فرقة إخوان شعبة ششتا مركز زفتى غربية.

 

ورواية " المروءة المقنعة" التي مثلها إخوان شعبة ميت غمر على مسرح كازينو حلوان.
كما تم بناء مسرح للتمثيل في دار الإخوان بالمنيا وقدموا عدة مسرحيات على مسرح الأوبرا الشهير، وخصصوا لجانًا تنشط في هذا الجانب.

 

3) في مواجهة خطر التبشير:

حيث ازداد نشاط المبشرين أي يقومون بالتنصير) والمؤسسات التابعة لهم، مستغلين حالة الفقر والجهل، مما أصبح يهدد أمن المجتمع ويحطم في قيمه ودينه.

 

وكان للإخوان وقفة قوية وعملية أمام تلك الهجمة التبشيرية الشرسة على المجتمع المصري وتمكنوا بفضل الله من القضاء عليها، وهذه نماذج من جهودهم في هذا الشأن:

1- رفعوا عريضة عام 1933 إلى الملك فؤاد يطالبون بالتدخل لحماية الشعب من التبشير.

2- اقترحوا على الوزارة فرض الرقابة الشديدة على مدارس المبشرين ومعاهدهم.

3- قيام صحافة الإخوان بفضح التجاوزات وأساليب المبشرين والضغط على جهات الإدارة لمنع هذه التجاوزات والمطالبة بإجراءات حاسمة.

4- حملة توعية الشعب والأسر المستهدفة، والمسارعة إلى إنقاذ الطلبة والطالبات.

5- الرد على المغالطات وتوضيح الشبهات.

6- حملة مقاومة التبشير في قطاع الصحة والملاجئ والمستوصفات.

7- المطالبة بضرورة تدريس الدين الإسلامى في جميع المدارس إلزامًا.

8- إنشاء العديد من المدارس الإسلامية (وبالتعاون مع أهل الخير)، لإيجاد البديل أمام الأهالي خاصة في الصعيد.

 

وقد أسفر الضغط عن تأييد المؤتمر الطبي العربي الذي عقد عام 1938 (وحضره عدد من الزعماء في المنطقة العربية) وتوصيته بإيقاف التجاوزات في هذا الشأن داخل قطاع الصحة.

 

وكذلك أسفر عن التقدم بمشروع قانون بمنع التبشير وتجريمه، وقد صدر عام 1940م.

 

4) وفي مجال الخدمة الصحية التي كان الشعب يعاني من ضعفها:

وخاصة أصحاب الدخل المحدود، نشط الإخوان في إنشاء المستوصفات الطبية وعمل القوافل الطبية التي جابت القرى والنجوع، وكذلك التصدي للأوبئة والأمراض المتوطنة.

 

وقامت المناطق والشعب المختلفة بافتتاح المستوصفات، فبلغ عدد التي فتحوها فقط في القاهرة والجيزة 17 مستوصفًا بخلاف باقي المحافظات مثل مستوصف طنطا، ونجع حمادي وأسيوط والإسكندرية وغيرها من شعب الإخوان.

 

ونظرًا لتطور العمل في هذا المجال أنشأ الإخوان القسم الطبي في 15 نوفمبر 1944، وخصصوا مكانًا في المركز العام كمستوصف مؤقت، ثم انتقل إلى بناء ضخم بالحلمية الجديدة، وأنشئ به معمل لتركيب الأدوية في سبتمبر 1946 وبلغ عدد المرضى الذين عولجوا فيه في سنة 1946 م فقط أكثر من 39 ألف مريض وارتفع الرقم في سنة 1947 إلى أكثر من 51 ألف مريض.

 

وكان برئاسة د. محمد أحمد سليمان، وكان كذلك يعاون مصلحة الشئون القروية بوزارة الصحة كما أنشئوا بالعباسية في إبريل 1948 مستشفى داخلي وعيادة خارجية.

 

ووصلت ميزانية القسم الطبي بالجماعة سنة 1948 إلى 23 ألف جنيه وقتها(20).

 

5) في مجال استيعاب الشباب وتوجيه طاقته للنافع المفيد:

وكان من أبرز المسارات والأوعية التي أنشأها وطورها الإخوان، هى ما حققوه في هذا المجال حتى تميزت الدعوة بسرعة انتشارها وشدة إقبال الشباب عليها.

 

أ- فتم إنشاء وتكوين عشرات من فرق الكشافة والجوالة لاستيعاب النشء ( صغير السن) وكذلك الشباب وحسن إعدادهم وتربيتهم.

ب- واهتموا بممارسة الرياضة والتشجيع عليها كمسار تربوي واستيعاب لطاقات الشباب وأنشئوا لذلك إدارة للفرق الرياضية يرأسها الأخ عبد الغنى عابدين في مهمة مراقب عام الإدارة الرياضية بالمركز العام.

 

وكانت اللجنة الرياضية تشمل المجالات الرياضية الآتية:

الألعاب السويدية – المصارعة -  حمل الأثقال – السباحة – كرة القدم –الملاكمة – السلة – ثم تم إضافة: الهوكي – التنس – تنس الطاولة –الجولف – الشيش – القفز – العدو.

جـ - تم استكمال هذه الفرق الرياضية على مستوى المناطق والشعب، وقسموا القطر إلى 10 مناطق رياضية تشرف على المسابقات الرياضية وإعداد الفرق المختلفة.

د- كما اجتهد الإخوان في الشعب بإنشاء الأندية الرياضية التي تمارس أكثر من لعبة، فأصبح تقريبًا في كل شعبة ناد رياضي.

 

وكان كمثال: لشعب الإخوان حوالي 99 فريق كرة قدم.

 

وكان الموسم الرياضي لفرق الإخوان يبدأ في أول نوفمبر وينتهي في شهر مايو من العام التالي، مع ملاحظة استمرار الأنشطة والتدريب على مدار العام.

 

كما شاركت فرق الإخوان في الأنشطة الرياضية بالاتحادات الرياضية العامة حتى أنه –كمثال – قرر مراقب منطقة وسط الدلتا للمعارف أن يكون نادي الإخوان بطنطا مقرًّا لنشاط المدرب العام للمنطقة.

 

كما اعتمد اتحاد الملاكمة العام أن يكون نادي الإخوان مقرًّا لمنطقة الغربية للملاكمة.

 

كما أقيمت الكثير من المباريات بين فرق الإخوان بالقاهرة والفرق العربية والمصرية الأخرى مثل النادى الأهلي، ونادي الطيران.

 

6) في مواجهة الكوارث والأزمات الكبرى:

كان الإخوان أول من يتحرك، وكانوا في مقدمة الصفوف يواجهون الخطر ويرفعون المعاناة ومن أمثلة ذلك:

أ- عندما انتشر وباء الملاريا في صعيد مصر، جند الإخوان جميع أفراد جولاتها في هذه المناطق لمواجهة هذا الخطر فعملوا جنباً إلى جنب مع موظفى الصحة والهلال الأحمر.

ب- قام الإخوان بحراسة الجسور ومتابعة أحوالها عندما داهمها الفيضان الذى عم القرى بالصعيد ودمرها، فقاموا بحراسة الجسور والتبليغ عنها والعمل مع الأهالى ورجال الإدارات فى إنشاء تحصينات تقى الكثير من القرى طغيان الفيضان، وكان هذا فى كلا الوجهين القبلى والبحرى.

جـ- فى عام 1947، عندما انتشر وباء الكوليرا وبخاصة فى الوجه البحرى انتشاراً شديداً وضع الإمام الشهيد الآلاف من جوالة الإخوان وشبابها تحت أمرة المسئولين فى وزارة الصحة والجهات المعنية ليعملوا فى دفع هذا الوباء، وأبلوا بلاءً حسناً فى ذلك.

 

لقد كان لدقتهم فى الاتصال وسرعتهم فى التبليغ عن الحالات المصابة،ـ ومحاصرة القرى الموبوءة ومنع دخول أحد او خروجه منها، وعزل الأصحاء عن المرضى ونشر الإرشادات الصحية، والقيام بأعمال النظافة وتطهير المساكن بالمطهرات الكيماوية وغيرها، لقد كان لهذه الجهود أعظم الأثر فى نجاح المقاومة ووقف انتشار هذا الوباء.

 

وكان من تقدير المسئولين فى ذلك الحين أن أعلن وزير الصحة الدكتور نجيب اسكندر عن الإشادة بجهود جوالة الإخوان، كما رأت وزارة الشئون الاجتماعية أن تقدم لشباب الإخوان مكافأت مالية تقديراً لدورهم، ولكن الإمام الشهيد رفض هذه المكافأت وذلك لأن الإخوان كانوا يقومون بواجبهم الوطنى.(21).

 

7) مشاكل الريف المصري:

اهتم الإخوان بمشاكل الريف والفلاح، وكانت صحافة الإخوان هى المنبر الذى يهتم باحوالهم منذ عام 1933 فى جريدة الإخوان المسلمين، وفى مجلات النذير والدعوة فى سلسلة مقالات عن أحوال الفلاح المصرى.

 

كما قامت الجماعة بإنشاء قسم خاص بالفلاحين، كانت لائحته تنص على:

1- تنظيم نشر الدعوة فى محيط الفلاحين، وإيجاد جو إسلامى فى المزارع والنقابات الزراعية.

2- توجيه الفلاحين إلى الاستفادة من النقابات وإلى ما يحفظ حقوقهم.

3- تنظيم التعاون بين الفلاحين والقيام على حاجاتهم ومطالبهم.

4- دراسة مشاكل الفلاحين وإيجاد الوسائل الصالحة لحلها، والعمل على التقريب بين الفلاحين والملاك.

5- دراسة نظم الاستغلال الزراعى، ومحاولة تصحيحها وردها إلى أصل إسلامى.

6- تثقيف الفلاحين ثقافة إسلامية وتوجيههم إلى ما يرفع مستواهم التعليمى والخلقى والاجتماعى والصحى.

 

وقد ترجم الإخوان هذه المبادئ إلى صور متعددة من الخدمات وواقع عملى تقوم به شعب الإخوان، فساهموا بجدية فى محو الأمية بالقرية، وفى تقديم الرعاية الصحية والاجتماعية، بل والثقافية والرياضية.

 

كما قدمت الجماعة تصوراً كاملاً لما يجب أن تكون عليه حالة الفلاح المصرى والقرية المصرية، موضحة مدى الاستفادة منهم فى تحرير البلاد سياسياً واقتصاديا(22).

 

وهذه نماذج من عناوين مقالاتها: صوت من الريف – بين مطارق الاستغلال - الإقطاع يتداعى –الفلاح.. الخ(23).

 

بل إن مشروع الإصلاح الزراعى الذى تقدمت به الثورة المصرية كان فى الأصل جزءاً من مشروع الإصلاح الذى تقدمت به الجماعة، لكنهم اجتزأوا منه، وخفضوا الحد الأقصى للمساحة الزراعية، وأساءوا التطبيق.

 

8) كما تبنى الإخوان مطالب الفلاحين فى مواجهة الظلم:

وسقط منهم شهداء فى التصدى لظلم الإقطاع وهذه نماذج مختصرة لمواقف الإخوان:

أ- فى محافظة الدقهلية، وفى قرية بدواى، وقرية كفر البرامون، تصدى الإخوان بالشعبة – يؤيدهم الأهالى – للعمدة وكبار الإقطاعيين، وتدخلت الشرطة و اشتبكت مع الأهالى، وسقط شهيدان.

ب- وفى تفتيش سخا وقف الإخوان بجانب الفلاحين المضطهدين.

جـ- بل إنه من الأسباب التى أبداها عبد الرحمن عمار مسئول البوليس السياسى كمبرر لحلّ هيئة الإخوان فى مذكرته، والتى جاء فيها عن هذا الموضوع ما نصه: ( ثانى عشر: وفى 26 أبريل 1948 حرّض الإخوان المسلمون عمال تفتيش زراعة محلة موسى التابع لوزارة الزراعة على التوقف عن العمل مطالبين بتملك أراضى هذا التفتيش، الأمر الذى سجلته تحقيقات القضية رقم 921 لسنة 1948 جنح مركز كفر الشيخ "(24).

د- وكذلك الشهيد "ريان" البلطجى سابقاً فى سجن الطور، وقد هداه الله على يد الأخ المرحوم اللواء صلاح شادى، وانضم بعدها للإخوان وواجه فى قريته استغلال أصحاب النفوذ ورجال الإقطاع، فما كان منهم إلا أن قتلوه وقد نعاه الإمام حسن البنا(25).

هـ- والشهيد " الشيخ عنانى" وكيل شعبة الإخوان فى كفور نجم، والذى تصدى لظلم الإقطاع وقاد ثورة الفلاحين ضد تجاوزات الإقطاعيين فأطلقوا عليه الرصاص.

س- وكذلك تكرر الأمر فى حوادث قرية فضالة مركز أجا بمحافظة الدقهلية، وقرية بهوت مركز طلخا بمحافظة الدقهلية عام 1951.

 

وأمثلة ذلك كثيرة ومسجلة فى صحف الإخوان وقد شنت حملة ضد هذه الاضطهادات وقيام الشرطة بضرب الأهالى لإخضاعهم للإقطاعيين.

 

وكان الإمام الشهيد أول مصرى يرتفع صوته بخصوص ممتلكات الأسرة المالكة فى مصر فى دروس الثلاثاء الأسبوعية – والتى كان يحتشد فيها الآلاف من الشعب المصرى – تكلم عن كم تملك الأسرة المالكة فى مصر؟ وطالب بإعادة النظر فى نظام الملكيات فى مصر، وحصر الملكيات الكبيرة وتشجيع الملكيات الصغيرة، وأن توزع أملاك الحكومة فوراً على الفلاحين المعدمين ورأى أن مصر لا تشكو من قلة الموارد بقدر ما تشكو من سوء توزيع الثروة، وكان للإخوان رأى محدد فى الإقطاعيات الكبيرة وأن يكون تحديد الملكية بخمسمائة فدان كحد أقصى.

 

ومع هذه الجهود، كان الإخوان يرفضون الصراع الدموى بين الطبقات والذى تنادى به الشيوعية، بل يهدفون إلى التقريب بين الطبقات وإقرار العدل(26).

9) وقطاع العمال:

حيث أنشأ الإخوان قسماً لهم بالجماعة،وكان لهم دور فعال فى الحركة العمالية سبق بذلك الشيوعيين الذين لم يتحركوا بقوة أو يتواجدوا بفعالية فى هذا المجال إلا بعد ضرب الإخوان والتضييق عليهم وتمكين الثورة لهم فى عهد عبد الناصر من هذه المنافذ.

 

لقد كانت القاعدة الأساسية من أفراد الإخوان هم الشباب ومن الفلاحين والعمال وذوى الشهادات المتوسطة فى حينها، مما يدل على شعبية الحركة وقوة انتشارها، وفى الوقت الذى خلت فيه مناهج الأحزاب من الاهتمام بالعمال وقضاياهم، فقد اهتمت الجماعة بهذا المجال مبكراً وتبنت صحفها ووسائل إعلامها مشاكل العمل وما يعانون منه وطالبت بتحسين أوضاعهم وأحوالهم وتشغيل العاطلين منهم، وحثت الرأسمالية الوطنية بافتتاح شركات لهذا الغرض(27).

كان تصور الإخوان فى الارتقاء بهذا القطاع يقوم على المبادئ الآتية:

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل