المحتوى الرئيسى

لا موز في السياسة ولا سياسة في الموز

06/14 20:54

بقلم: د. أحمد الجعلي

كثيرون ربما سمعوا عن هذه التجربة من قبل، والتي تحكي أن فريقًا من علماء النفس وضعوا مجموعةً من القرود في قفص بأعلاه أصابع من الموز، وحينما يحاول أحد القرود الصعود لإحضار الموز يتم فتح رشاشات ماء بارد على القرود فتتقافز ضيقًا وألمًا من الماء البارد، تكرر الأمر أكثر من مرة، حتى ارتبط الصعود لإحضار الموز في أذهان القرود بألم الماء البارد؛ لذا قرروا أن يمنعوا أي واحد منهم يحاول الصعود لإحضار الموز حتى لا يتعرضوا لهذا الإيذاء.

 

بعد ذلك قام العلماء بإخراج قرد من القرود القديمة من القفص وإدخال قرد جديد، والذي ما إن رأى الموز حتى سال لعابه، وشمَّر عن ساعديه، وفكر في الصعود للحصول على الموز، فانهال عليه القرود بالضرب ليمنعوه.

 

أصيب القرد بحالة من الذهول ولسان حاله يقول: "في إيه يا رجالة؟! سيبوني أطلع أجيب الموز!!"، فحاول مرةً ثانيةً وثالثةً، وكان جزاؤه نفس الجزاء حتى استسلم للأمر الواقع، وتم إخراج قرد آخر من القرود القديمة، وإدخال قرد جديد، والذي دخل متحمسًا كصديقه، وحاول الصعود لإحضار الموز، فقام القردة بضربه حتى لا يتم إيذاؤهم بالماء البارد، والمدهش أنه حتى القرد الذي لم يحضر تجربة الماء البارد ولم يعرف لماذا كانوا يضربونه حينما حاول الصعود لإحضار الموز، هو الآخر شارك معهم في ضرب الوافد الجديد، وتم تكرار التجربة حتى تمَّ إخراج كل القرود التي حضرت تجربة الماء البارد واستبدال قرود لم تحضر هذه التجربة بهم، ولكن العجيب أن القرود التي لم تحضر تجربة الماء البارد حافظت على نفس السلوك بمنع أي قرد جديد من الصعود للموز، برغم أنهم لا يعرفون سبب المنع.

 

وحقيقة الأمر أن بعضًا من النخب، وربما لا أكون مبالغًا إذا قلت إن كل واحد منا يقوم بنفس الدور الذي قامت به القردة من أخذ انطباعات وترديد كلمات وممارسة أفعال دون أن يدري ما حقيقتها ولا جدواها ولا بواعثها.

 

فعلى سبيل المثال، حديث الساعة الآن لدى النخب وبعض الوسائط الإعلامية عن الخوف والتحذير من الكابوس المرعب المدعو "الدولة الدينية"، فنقول لهم ليس هناك في الإسلام دولة دينية، فيصرخون "اللطيمة اللطيمة"، فتنبئهم بأنه ليس في الإسلام كهنوت ولا عصمة لبشر، ولا مصطلح "رجال دين" بل علماء دين، فيتقافزون "الكارثة الكارثة"، فتطمئنهم بأن ملابسات ما حدث في أوروبا في العصور الوسطى، من تحالف طغيان الكنيسة، مع فساد الحكام، والذي أدى لثورة كان شعارها: اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس لم يشهدها التاريخ الإسلامي، فيجأرون: "الويل الويل"، فتكتب برامج وتمارس مشاركتك السياسية بشكل مدني، فيكون عويلهم "الحذر الحذر"، وليت الأمر توقف عند تلكم الصيجات والهيعات، ولكنه فاق ذلك للتصريح والتهديد، بحمل السلاح لحماية الدولة المدنية من "البعبع" الإسلامي!.

 

يا من تنادون وتردِّدون بأن "لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"، وأنكم لا تريدون دولة دينية، لتقفوا على حقائق الأمور قبل ترديد ما ترددون، فالإسلام لم يقدم نموذجًا إلا لدولة مدنية لها مرجعية وضوابط من أحكام وضوابط الشريعة، ابتداءً من عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، مرورًا بنسخ الحكم المتعددة على مدار التاريخ الإسلامي، ولم تكن أبدًا الدولة التي يدعون لها المشروع الإسلامي الوسطي في نسخته الحديثة هي دولة دينية، يحكم فيها رئيسها بكلمة الله، ويفرض أمرًا بكهنوت، أو يدعي أنه يتلقى الوحي والإلهام، بل فرد من عموم الشعب يختارونه من بينهم وفق برنامجه ومواصفاته بطريقة شورية وانتخابات نزيهة؛ ليكون معبرًا عنهم، وخادمًا لطلباتهم، ومنفذًا لأحلامهم، يحاسبونه إذا أخطأ، ويقيلونه إذا تجاوز، في دولة يحكمها النظام والقانون والدستور، والأمة فيها هي مصدر السلطات، ولا تمايز فيها بين أبناء الوطن الواحد.

 

إن أصحاب المشروع الإسلامي إنما يقدمون رؤيةً يقتبسونها من فهمهم للإسلام الحنيف ورؤيتهم له كمنهج حياة، دون أن يجبروا أحدًا على قبول مشروعهم أو يدعوا أنهم يملكون الصواب المطلق، بل ميدان الفكر مفتوح، والكل يعرض بضاعته وليُقبل المشاهدون على ما يقبلونه لمستقبلهم ويظنونه نابعًا من ثقافتهم.

 

بل وحتى بعض من يخرجون من المسلمين منادين بدولة إسلامية هم في الحقيقة ينادون بدولة مدنية تحكمها أطر الإسلام وشرائعه، كما هو حال الدولة المصرية منذ عقود في ظل دستور تنص مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع، وإن غاب التنفيذ، ولكن مشكلة من ينادون بتلك الدولة الإسلامية إنما هي اختلاف حول المصلطحات ودلالاتها، ولكن الكل يتفق على رفض الدولة الدينية بمفهومها السياسي الذي تعبر عنه لفظة الدولة "الثيوقراطية".

 

حقًّا إن ما يحدث الآن من انقلاب بعض دعاة الحرية والليبرالية والديمقراطية على قرار الشعب بنسبة 77% من الأصوات على ترتيبات معينة لإقامة الدولة، ثم ارتداد مسبق على اختيارات الشعب في انتخاباته المقبلة إذا اختار أصحاب المشروع الإسلامي وأعطاهم صوته وثقته، إن هذا الارتداد العجيب ليرسم بجلاء كيف يتقدم فهم أصحاب المشروع الإسلامي ويتطور رأيهم ورؤيتهم، وكيف تتراجع عقلية بعض تلك الأصوات التي تدعي الديمقراطية للخلف عشرات بل ومئات السنين.

 

ختامًا.. نقول لمن يرغبون في الالتفاف على نتائج اختيارات الشعب ولمن يدعون لحمل السلاح ضد رغبة الشعب، نقول لهم: حنانيكم، فالميدان أصبح مفتوحًا، والأرض أصبحت خصبة، حسنوا أفكاركم، وزينوها وجملوها ما وسعكم الجهد والبذل، ثم ازرعوها في تراب الوطن وأرضه وعقل الشعب ووعيه؛ علكم تجدون بذلك أنصارًا دون الحاجة لحمل السلاح ولا الحجر على رأي الشعب وقراره حول حاضره ومستقبله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل