المحتوى الرئيسى

الوطن بين الالتزام والانتماء بقلم:د. خالـد الخاجـة

06/14 20:00

في هذه اللحظة التاريخية الفاصلة التي تمر بعالمنا العربي، وفي عالم مرتبك ومضطرب اختلطت فيه المطالبات المشروعة بالصراعات، وتحول فيه الصوت الجمعي إلى تيارات المعلوم منها أقل بكثير مما نجهله عنها، فضلا عن قوى عالمية نشطة ومؤثرة تسعى بغير ملل أو كلل لزعزعة ثوابتنا وطمس هويتنا..

أعتقد بأن العواصم من كل هذه القواصم، لن تكون إلا بأن يعلي كل منا صوته بكل ثقة، مردداً: «أنا منتمٍ لوطني، إذاً أنا موجود». هذا الانتماء هو الذي يؤكد وجودنا وقدرتنا على الفعل في ما حولنا.. هو المرجعية في كل ما هو مختلف عليه من كافة القضايا وهي الفيصل في ما بيننا.. هو الترياق الشافي حين يكون السؤال؛ أين الوطن منا وأين نحن من الوطن؟ هو العنوان الذي نعتز به حين نعلن عن هويتنا ونحن نطوف العالم شرقه وغربه.

وهذا الانتماء لا يتأتى مصادفة أو بمجرد الإقامة على أرض، لكنها الفطرة التي يولد الفرد عليها فتتولاها كافة المؤسسات بالرعاية والمحافظة، حتى تقوى ويشتد عودها للمجابهة والصمود. نحن عندما نربي أولادنا لا نطعمهم ونصونهم من المخاطر فقط، ولكن ننشئهم على محددات تميزهم في الملبس، كما في اللغة واللهجة كذلك في التكوين النفسي، وهذا من شأنه أن يجعل التمايز الإيجابي قائماً بين مختلف الأجناس البشرية، في الوقت الذي توجد قيم عامة تتشارك فيها البشرية.

هنالك ملامح قيمية نابعة من السياج المحيط بالفرد أو الأرض التي نشأ فيها، والتي تختلط بدمه شاء ذلك أم أبى، سعد به أم حاول التمرد، لكنه في نهاية المطاف مستسلم أمام ذلك السر المكنون الذي يربطه بأرض كان نورها أول ما رأت عينه، وحبات ترابها أول ما لامس جسده، ونسيم عبيرها ما أعطاه سر الوجود، هنا يكون حب الوطن قدراً كتبه الله علينا دون اختيار منا، مثل الأجل والرزق.

الانتماء للوطن هو ذلك السر الذي يجعل جسدك ينتفض في سنوات عمرك الأولى، وأنت تردد كلمات النشيد الوطني كل صباح.. هو ذاك النداء الذي يجعل الحشود من البشر بكبيرهم وصغيرهم، تقف له إجلالا ومهابة وكأن على رؤوسهم الطير، هي كلمات لكنها ليست كالكلمات، بل عهد وقسم تقطعه على نفسك في كل مرة أن تظل وفياً له، مهما كانت ظروف الدهر وأحواله.

توقفت عند ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المبعوث للناس كافة بدعوة عالمية، عند خروجه مهاجراً من مكة إلى المدينة، مخاطباً أرضه التي ولد فيها ونشأ عليها، ورغم ما لاقاه من أذى إلا أنه تركها.. مردداً: «والله لأنت أحب بقاع الدنيا لنفسي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت». أليس ذلك انتماء إلى هذه الأرض، رغم الظلم والجور الذي تعرض له؟

ما معنى أن يجود الإنسان بروحه رخيصة فداء لوطنه، أهناك تفسير غير الانتماء؟ ألم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «من مات دون أرضه فهو شهيد»، وفي ذلك لم يحدد طبيعة هذا الوطن، غناه أو فقره، تقدمه أو تأخره، ترامي حدوده من عدمها.. إنه الوطن الذي جعل الشاعر يقول: «بلادي وإن جارت عليّ عزيزة * وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام».

إن العلاقة بين الفرد والأرض، التي يعيش عليها ويحمل قيم أهلها في حدودها الدنيا، تعني الالتزام بقضاياها والوفاء لها، حتى وإن كان قد مر بظروف غير مواتية لتحقيق حاجاته، أو لم يشعر بالرضى الكامل نحوها. وهذا ما يجعل أبناء الوطن الواحد يختلفون في ما بينهم، لمصلحة منزهة عن كل مآرب خارجية أو مكتسبات عرقية أو مصالح فئوية. عند تعميق هذا الالتزام وتعزيزه، عندما يشعر الفرد أنه آمن في سربه، مقدرة آراؤه مصانة حقوقه، يملك قدرا من الحياة بكرامة وحرية، يتحول هذا الالتزام إلى انتماء.

ومن الأهمية بمكان تعزيز هذا الانتماء وترسيخه، بحيث يتحول من أوراق ثبوتية يحملها الفرد لتوضح ارتباطه بمكان، ليصبح همه هم أبنائه ومجده، وعندها يشعر الفرد أنه جزء من كيان كبير يعيش من أجله.. هنا يتحول الانتماء، وهو رأس الأمر، إلى ولاء، وهذا عندي ذروة سنام الوطنية.

وفي ذلك لا ينبغي تجاهل الدور المحوري الذي يقوم به النظام التعليمي في ترسيخ قيمة الانتماء، حيث تعتبر اللغة هي اللبنة الأولى في غرس هذه القيم والاعتزاز بها، وهو اعتزاز بالوطن وتقديم نماذج القدوة وربط النشء بقضايا وطنهم والثقة في حضارته والفخر بها، كذلك أن يقوم المعلم نفسه بتقديم النموذج في الانتماء، من خلال سلوكياته وتمكنه من التعبير عن الأفكار بوضوح وفعالية، وفتح مجالات للحوار في ما يقدمه.

ولا شك في أن وسائل الإعلام تقع في خطأ كبير، حين تسعى لخلق ثقافات عامة أو تفرض نمطا ثقافيا بعيدا عنا، أو تغرس قيم التهوين من كل ما هو وطني، وتعظيم كل ما هو غير وطني، بدعوى مسايرة روح العصر في التفكير والسلوك والذوق العام، بل يمتد الأمر إلى إضعاف الانتماء للوطن واستبداله بالانتماء للقيم العامة التي تبدو براقة في ظاهرها، إلا أنها تصيب مجتمعاتنا بحالة من الوهن القيمي النابع من رحم تاريخه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل