المحتوى الرئيسى

سحر النادى تكتب: كيف تهزم الجاسوس!

06/14 19:43

سحر النادى تكتب: كيف تهزم الجاسوس!

سحر النادى تكتب: كيف تهزم الجاسوس!

(خاص) الجريدة – كتبت سحر النادى

تشغلنا أخبار التحقيق مع الجاسوس، في الإعلام، وفي جلساتنا الخاصة، وعلى الفيسبوك وتويتر. منا من يناقش تداعيات الخبر بجدية، ومنا من وجدها فرصة ليمارس هوايته المفضلة في اختراع القفشات والنكات.

ولكن ما يهمني هو: هل كلف أحد نفسه ليعلمنا كيف نحصن أنفسنا -في هذه المرحلة الحرجة- لكي لا نقع فريسة للجواسيس؟

هذا ليس موضوع مضحك على فكرة، هذا خطر حقيقي جدا، ومن واجبنا الاحتياط له والتعرف على بعض التصرفات التي تجنبنا أن يتم استغلالنا للإضرار بمصالح بلدنا وأمنها القومي دون أن ندري. لذلك، دعوني أشارككم بعض الدروس الهامة التي تعلمتها من خبرتي الطويلة في السفر والتعامل مع أنواع وجنسيات مختلفة من البشر، وكذلك التعامل مع المراسلين الأجانب ووسائل الإعلام العالمية.

من القصص الشهيرة أنه أثناء حرب الاستنزاف كان كل ما يفعله الجواسيس هو الجلوس على المقاهي التي يرتادها المجندون عندما يخرجون في أجازات، حيث ينطلق كل واحد فيهم مفتخرا على جمهور القهوة بما يعرفه من معلومات “سرية” عن تسليح وحدته وتحركاتها وأخبار الجيش المصري. ولا يحدث ذلك بسوء نية طبعا، وإنما بطيبة مفرطة تتخيل إن “الدار أمان” وإن “مفيش حد غريب معانا”، إلى أن وصل بنا الحال أن أصبح لدينا محطة أوتوبيس إسمها محطة “المطار السري”!

من هذا الدرس نتعلم أن أول أدوات الجاسوس أن يعطيك هذ الانطباع: أنه شخص عادي، لطيف ودود، من العائلة ولا يمثل لك أي تهديد. وعندما تطمئن له، ينطلق لسانك بالحكايات والانطباعات والمعلومات. بل وقد تدعوه لمنزلك وتعرفه على عائلتك وأصدقائك، وهم في هذه الحالة مصادر معلومات جديدة له، أي أن حضرتك مش بس وقعت لوحدك، بل انت قد أوقعت آخرين معك أيضا، وكل هذا بحسن نية، وبدون أن تشعر بما تتورط فيه، وبالضرر الذي تسببه لنفسك ولبلدك.

وعلى فكرة، لا تنخدع بالقول أن العالم الآن مفتوح وكل شئ موجود على الإنترنت ولا يستحق أن يعرّض جاسوس نفسه للخطر بأن يأتي إلينا بنفسه، لا تصدق هذا الإدعاء لأن هذه كذبة كبيرة يروجها من يعرف تماما أهمية استطلاعات الرأي على الأرض ويدفع في سبيلها الملايين، ويعرف كذلك أهمية علم كامل يسمى “السيكولوجية الاجتماعية” أو social psychology والذي يهتم بدراسة ردود أفعال مجموعات البشر لأخبار وأحداث ومتغيرات معينة.

الجاسوس كذلك غالبا يتحدث لغة أنت تتقنها، سواء كانت اللغة العربية بلهجة محلية أو لغة أجنبية مشتركة، وقد رأيت تأثير ذلك بنفسي على بعض الشباب حينما يفاجئهم “واحد خواجة” إنه بيتكلم عربي. مع إنهم يتحدثون الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ولكن العربي على لسان الخواجة له مفعول السحر في كسب ثقة المصريين وصداقتهم.

الأهم أن هناك من يتحدث اللغة العربية أحسن مني ومنك، ولكنه لن يخبرك بذلك، ويتركك لتتحدث مع معارفك أمامه بالعربي بكل اطمئنان دون أن تعرف أنه يفهم كل كلمة. حدث هذا معي في رحلة تبادل طلابي أثناء دراستي الجامعية، عندما انطلق بعض آعضاء الوفد المصري في تبادل نكات لاذعة على الإسرائيلين ونحن في الطائرة لعدة ساعات، وفي آخر الرحلة التفت إليهم الشخص الجالس في الصف الذي أمامهم وقال لهم باللهجة المصرية: “شكرا، سليتونا وضحكتونا معاكم، إحنا ولاد عمكم”!

من أدوات الجاسوس كذلك أن يحاول تمثيل الجهل بموضوع أنت ضليع فيه ليرضي غرورك فتحاول أن “تعلمه” ما يجهل. هذا النوع من الحوار يتخصص فيه من يدعون -أو يكونون فعلا- من المراسلين الأجانب، بحيث لو تتبعت مسار الأسئلة ستجدها تزداد في العمق والتفاصيل بشكل مطرد حتى تصل إلي مناطق شائكة وخطيرة من المعلومات، ولكن بعد أن تكون أنت قد اطمأننت تماما للمحاور أو الصحفي الذي تتحدث إليه ويصبح من الصعب عليك أن تراوغ في الإجابة على أسئلته.

ولذلك من المهم جدا أن تتذكر أن من حقك أن ترفض الإجابة على الأسئلة غير المريحة، وأن تقول “لا أعرف” حتى وأنت تعرف، لو تسرب إليك أي شك في نية السائل أو خطورة المعلومة التي يسألك عنها.

من الضروري كذلك ألا يخدعك اهتمام شخص غريب بدينك وإيحائه لك أنه مقبل على التحول إليه، الكثير منا يفرح جدا بهذا الموقف وينطلق في مشاركة سيل من المعلومات وترشيح أشخاص آخرين للحديث إليهم وإدخاله الاجتماعات الخاصة والبيوت وبيوت العبادة. وقد رأيت بنفسي كيف أن بعض هؤلاء لا يهمه سوى جمع المعلومات أو حتي تدمير العلاقة بين مجموعة من أتباع دين معين ثم يختفي – أو تختفي- تماما بعد ذلك.

من المهم أيضا أن تحذر جدا في التعامل وأنت مسافر خارج مصر. الطبيعي أننا نميل للتساهل في التعاملات ونحن في الخارج وخاصة في أوقات الأجازات أو أثناء فترات الراحة في رحلات العمل، وهذه هي أخطر الأوقات التي يتم فيها التقرب من البعض وبداية توطيد علاقات معهم. وقد تستمر تلك العلاقات بعد ذلك لوقت طويل عبر الإنترنت لتتحول إلى تجنيد كامل، قد يستغل فيه بعض التجاوزات التي قمت أنت بها أثناء السفر وتم تسجيلها عليك بالصوت أو الصور أو الفيديو، وهي وسائل متاحة جدا الآن وموجودة في كل تليفون محمول وكل جهاز كمبيوتر، ومثالنا في ذلك الفضائح الأخلاقية التي أطاحت في الأيام القليلة الماضية برئيس صندوق النقد الدولي، واقتصادي مصري شهير، وعضو كونجرس أمريكي متزوج من مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون شخصيا.

ليس معنى هذا أن نتهم الجميع بالتجسس، فهناك طبعا الكثير من الشرفاء، وليس كل أجنبي أو كل مراسل صحفي عميل أو جاسوس، ولكن الاحتياط واجب هذه الأيام بالذات، لأننا في مرحلة من تاريخنا تستدعي الفطنة والحذر في التعامل مع أي شخص، حتى لا نندم “حيث لا ينفع الندم” على رأي حكيم الزمان القذافي.

عندي الكثير لأشارككم به في هذا الموضوع الهام، دعونا نتوقف هنا حتى لا تطول المقالة عن الحد المعقول، وأعدكم أن أواصل الكتابة في هذا الموضوع لو لمست اهتمامكم بمعرفة المزيد في التعليقات.


* سحر النادي مستشارة ومدربة وكاتبة متخصصة في مهارات التواصل الفعال والحوار بين الثقافات، تمتد خبرتها لأكثر من 20 عاما من المشاركة في الفعاليات الدولية والإعلام المرئي والمكتوب والإلكتروني. وقد قامت بتدريس العديد من البرامج التدريبية وورش العمل والمحاضرات للجماهير متعددة الجنسيات في 25 بلدا حول العالم واستضافتها وسائل الإعلام الدولية وظهرت على أغلفة مجلات أوروبية كنموذج للمرأة القائدة وتم اختيارها من بين القيادات النسائية في العالم من جامعة سانتا كلارا بكاليفورنيا

الرابط المختصر: http://www.algareda.com/?p=17008

بإمكانكم دومًا متابعة آخر أخبار الجريدة عبر خدماتها على موقع تويتر أو عبر موقع فيسبوك.



أهم أخبار مصر

Comments

عاجل