المحتوى الرئيسى

نقد لا نقض

06/14 13:04

بقلم: أحمد عطية

تشهد ساحة جماعة الإخوان المسلمين في هذه الآونة سجالاً فكريًّا في بعض القضايا المتعلقة بالجماعة، بين أبنائها الذين يريدون لها الخير في حاضرها ومستقبلها، وفي هذا السجال الخيرُ كل الخير إذا كان الدافع إليه هو النقد لا النقض!.

 

فالنقد محمود؛ إذ هو بيان الصحيح من الزائف، والصواب من الخطأ، وهو النصيحة التي أمرنا بها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة".

 

وأما النقض فمذموم؛ إذ هو الهدم بعد البناء، والإفساد بعد الإحكام، والله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ ( النحل: من الآية 92).

 

والناقد حكيم بَعِيد النظر، يعرف متى يصمت ومتى يتكلم، متى يبادر إلى النقد ومتى يُحجِم، يراعي الأولويات وظروف المرحلة، ويُؤْثِر الاجتماع على الصواب على التفرق على الأصوب.

 

والناقض لا حكمة له، ينظر تحت قدميه، وينقد متى عَنَّ له نقدٌ، لا يبالي بما قد يؤدي إليه نقده من تشتيت للجهود وتمزيق للوحدة.. وإن كان في رأيه الخيار الأصوب!

 

والناقد هو الذي يقدم رأيه بتواضع وتجرد وإخلاص يريد به وجه الله، ويرجو أن يُظهِر الله الحق على لسان غيره، لا يتشبت به، ولسان حاله يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

 

والناقض يقدم رأيه معتقدًا أنه الصواب الذي لا صواب بعده، وأنه هو القرآن الذي لا يأتيه الباطل، لا معقِّب عليه ولا رادَّ له، ولسان حاله يقول: رأيي صواب لا يحتمل الخطأ!.

 

والناقد هادئ رزين، يلتزم الأدب ويختار أعذب الكلمات وأرقها، متمثلاً قول الرسول الكريم:

"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، يحترم قيادته ويوقر الكبير. 

والناقض عنيف متشنِّج، لا يبالي بأيِّ الألفاظ يعرض رأيه، يلجأ إلى الغمز واللمز والسخرية، وينتقص الكبير قَدْرَه، لا يراعي سنًّا أو مقامًا.

 

والناقد طيب النفس والصدر، يبعث في نفسه أولاً التفاؤل ثم في نفوس الآخرين، فينظر دائمًا إلى نصف الكوب الملآن، ويرى من الجِيفة أسنانَها البيضاء.

 

والناقض تسيطر عليه روح اليأس والتشاؤم، يغضُّ الطَّرْف عن المحاسن، ويتصيَّد الأخطاء من هنا وهناك؛ ليكون كالذباب الذي لا يقع إلا على النتن!.

 

والناقد يقدم رأيه ثم ينصرف إلى العمل، لا يسأل بعد ذلك أَقُبِل رأيه أم رُدّ؟َ، محتسبًا إياه عند الله عزَّ وجلَّ، وداعيًا أن يهديه الله ويهدي إخوانه وقيادته إلى سواء السبيل.

 

والناقض يقدم رأيه ثم يلحّ عليه، فإذا لم يُقبَل اتهم قيادته بالجمود وإهمال "النصيحة"، وخرج على الملأ ليعلن أنه نصح فلم يُؤخَذ بنصيحته!، وهو في هذا يفوِّت على دعوته كثيرًا من وقته وجهده، وفي مثل هذا قيل: "إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عليه باب العمل وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًّا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل".

 

والناقد ينقد بيدٍ ويعمل بالأخرى، لا يشغله النقد عن العمل والإنتاج، ولا يُقعده رفضُ رأيه عن مواصلة العمل والالتزام بالصف دون تقدُّم عليه أو تأخُّر عنه.

 

والناقض إذا رُفض رأيه كرَّس وقته وجهده للنقد، وربما لا يجعل له همًّا إلا استكشاف العيوب، فيكاد يتحول في وقتٍ ما وتحت ضغط رفض الآخرين لنقده إلى متصيد للأخطاء ومُهروِلٍ وراء كل من هبَّ ودبَّ من الناقمين يلتقط منهم أقوالهم لينشرها ليؤيد مسلكه، فيتحول هذا الناقد المخلص عن وجهته التي يريد، هذا إن لم يعصمه من ذلك خُلُق متين.

 

والناقد ينكر ذاته ويذوب في رأي الجماعة المبنيّ على الشورى وإن كان له كارهًا.. "في المنشط والمكره"، ملتمسًا البركة في الشورى، ومتعبدًا بها لله عزَّ وجلَّ، لا يظن أن في ذلك حَجْرًا على عقله أو إلغاءً لرأيه ونقده.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل