المحتوى الرئيسى

الكــــــــــــــــــواكبي‏..‏ أبو الضعفـــــــاء

06/14 12:34

لو كان الاستبداد رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال‏:‏ أنا الشر‏,‏ وأبي الظلم‏,‏ وأمي الاساءة‏,‏ وأخي الغدر‏,‏ وأختي المسكنة‏,‏ وعمي الضر‏,‏ وخالي الذل‏,‏ وابني الفقر‏,‏ وبنتي البطالة‏,‏ وعشيرتي الجهالة‏,‏ ووطني الخراب‏,‏ أما ديني وشرفي وحياتي فالمال‏,‏ المال‏,‏ المال

لا نعتقد أن هنا تشريحا لحال العالم الثالث‏,‏ وتحديدا بلاد العرب في عصرنا الحديث أفضل من هذا التشريح الذي كتبه عبد الرحمن الكواكبي قبل ما يقرب من‏150‏ عاما‏,‏ في كتابه طبائع الاستبداد الذي صدرت عنه طبعة حديثة اخيرا‏,‏ ربما تكون الطبعة المائة‏.‏

وما كتبه الكواكبي في الاستبداد من الاهمية بحيث صار في مكانة مهمة لدي الاسلاميين والعلمانيين والملحدين والماركسيين والليبراليين‏,‏ وكل الاتجاهات والأفكار تقريبا‏.‏

وإذا كانت الثقافة اليوم في عام‏2011,‏ تعتمد بشكل كبير علي طائفتين هما أهل الصحافة‏,‏ وأهل المحاماة‏,‏ فإن الكواكبي الذي ولد في حلب بسوريا‏,‏ في مثل هذا اليوم لعام‏1849,‏ كان من أوائل من تنبهوا إلي أهمية هاتين المهنتين‏,‏ فما يربط بينهما‏,‏ ليس فقط أن نقابتيهما بالقاهرة متجاورتان‏,‏ في شارع واحد‏,‏ ولا أنهما حملتا لفترات عبء استضافة المحتجين ضد الاستبداد‏,‏ ولكن لأنهما تعيان معا‏,‏ أو هكذا يفترض لسيادة القانون‏,‏ العدو الأول للمستبد‏.‏

عمل الكواكبي أولا بالصحافة‏,‏ فكتب في جريدة الفرات التي كانت تصدر في حلب‏,‏ وبحسب حفيده سعد زغلول الكواكبي فإن جده احترف الصحافة براتب شهري‏,‏ مما يدل علي انه لم يكن هاويا يلجأ إلي الصحافة‏.‏

بعدها أنشأ صحيفة خاصة‏,‏ فأصدر في حلب صحيفة الشهباء عام‏1877,‏ ثم أصدر عام‏1879‏ جريدة الاعتدال شار فيها علي نهج الشهباء لكنها لم تستمر طويلا فتوقفت عن الصدور‏.‏

درس المحاماة‏,‏ وعمل في قطاعات حكومية‏,‏ ثم اتخذ مكتبا للمحاماة في حي الفرافرة‏,‏ أحد أحياء مدينة حلب قريبا من بيته‏,‏ وكان يستقبل فيه الجميع من سائر الفئات ويساعدهم ويحصل حقوق المتظلمين ويسعي إلي مساعدتهم‏,‏ وقد كان يؤدي في معظم الأحيان دون أي مقابل مادي‏,‏ حتي اشتهر في جميع أنحاء حلب بلقب أبو الضعفاء‏.‏

ولأن الاستبداد لا يحب الضعفاء‏,‏ ولا أباهم‏,‏ فإن حكومة السلطان عبد الحميد لم تتحمل وجوده‏,‏ فتنقل الكواكبي بين البلدان‏,‏ حتي استقر نهائيا في أم الدنيا‏,‏ مصر المحروسة‏.‏ وفي مصر عاد الكواكبي للكتابة في الصحف‏,‏ واهتم بملف التعليم وإصلاحه‏,‏ إيمانا بدور التعليم في مقاومة الطغيان الذي يهوي الجهل كما يهوي الخفاش الظلام‏.‏

ولأن أعداء النور في بلادنا العربية كثيرون‏,‏ ولأن هناك دائما من يبيعون أنفسهم للشيطان‏,‏ وأحيانا دون مقابل‏,‏ فإن أعداء الكواكبي أصبحوا أكثر من قدرته علي إحصائهم‏,‏ وقد نجح هؤلاء في التخلص منه نهائيا بالسم عام‏1902‏ بالقاهرة‏,‏ بعد أن ترك لنا كتابين هما‏:‏ أم القري وطبائع الاستبداد‏,‏ بينما اختفي كتابان آخران لم يتح له نشرهما‏,‏ وربنا يرحم الجميع‏.‏

 

 

 

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل