المحتوى الرئيسى

البطالة.. ثائرة أيضاً

06/14 10:14

محمد كركوتي

''لا تحتاج لخبير في الطقس لكي تعرف اتجاه الرياح''

بوب ديلان شاعر ومغن أمريكي

لو وضعنا ألف سبب لاندلاع الثورات العربية في ''جمهوريات الأسر الحاكمة''، لن نجد من يوجه إلينا اتهامات بالمبالغة. ولو قمت بسرد ''الأسباب الألف''، لانتهى المقال مع حصتي المحددة بالكلمات، وهي ألف كلمة، يضاف إلى ذلك، بأن المقال سيكون سرداً، لا تحليلاً ورأياً ولا استشهاداً بما يقوله الخبراء المعنيون. وأحسب أن كل فرد في هذه الجمهوريات يمكنه أن يضع قائمة بالألف وأكثر، فقد فُرضت عليه معايير و''أدبيات'' القرون الوسطى، في ''قرنه'' الحادي والعشرين. يستطيع القول، مهلاً.. إن أسباب ثورتي هذه أكبر بكثير من الألف، إنها بعدد الأيام التي عشتها رقماً لا إنساناً، وبعدد الشهداء الذين سقطوا من أجل الحرية، وبعدد المعتقلين والمفقودين. ومجازاً يستطيع القول: بعدد الدولارات التي نهبتها الأنظمة في هذه الجمهوريات الأسرية.

على قمة الأسباب الألف، تقف الحرية والكرامة، والحق في عيش كريم لا أحد يستطيع أن يدعي منحه لهذه الشعوب. إنه حق تلقائي، حق من حقوق الوجود نفسه. وفي قائمة ''الأسباب الألف''، يأتي الخراب الاجتماعي والاقتصادي. يأتي الظلم المُمأسس مع القهر المنظم. يأتي المجتمع ''المتعسكر'' قسراً، والمدنية المقتولة ظلماً. يأتي الرئيس المُلهَم (والمُلهِم) الذي يعرف مصلحتك الخاصة أكثر منك، ويمنح لنفسه الحق في امتلاك حتى أولادك لمصلحة النظام، لا لمصلحة البلاد. يأتي أولاد ''المُلهَم'' وأقرباءه وبقايا أسرته. في القائمة.. يأتي قطاع الطرق أو الشبيحة أو البلطجية أو البلاطجة أو المرتزقة، من خلال مؤسسات لها مجالس إدارة بل وجمعيات عامة. يأتي ازدراء الإنسانية بمعاييره الوحشية، ومعه التجييش البائس ضد كل من رغب في تغيير هذا المنكر، حتى في قلبه. يأتي الفقر ومعه البطالة وسرقة المال العام والنهب المتواتر والخصخصة السرطانية. إن قائمة ''الأسباب الألف''، هي في الواقع بمثابة منظومة متكاملة لخراب مستدام، ولتدمير ممنهَج، والاستراتيجية مريعة لا تكتمل إلا بتنفيذ مباشر من المُلهَم وبعده (أو معه) ولده البكر، وإذا ما مات هذا الأخير، لا بأس من ولده الثاني أو الثالث أو الرابع (لا فرق)، وبعد الابن يأتي الحفيد وهكذا.

في ''كومة'' الأسباب الألف، ليس صعباً أن تعثر على البطالة، التي تنتج فقراً يضاف إلى الفقر السائد، وفراغاً تخشى منه حتى الأحزاب الحاكمة في الدول الديمقراطية الراشدة، ومرارة جامحة يستحيل إزالتها. وربما لم يكن الأديب المغربي الشهير الطاهر بن جلون مُبالِغاً، حين قال أخيراً: ''إن الربيع العربي سيلُهم الشعوب الأوروبية أيضاً''. فهو يعتقد أن البطالة ستكون محركاً للأوروبيين للقيام باحتجاجات منظمة، ولا يقصد بالطبع تغيير أنظمة الحكم فيها. فالأنظمة السياسية لا تورَث (ولا تورِث) للأبناء في أوروبا. تتفق منظمتا العمل العربية والدولية، على أن البطالة أسهمت في إشعال الثورات، لاسيما مع وصول نسبتها بين الشباب في ''الجمهوريات الأسرية'' إلى 23 في المائة، وترتفع بأوساط النساء إلى أكثر من 30 في المائة، وأن مشاركتهن بسوق العمل العربية، هي الأضعف على مستوى العالم، حسب المنظمة الدولية. والحقيقة أن النسب متفاوتة هنا. فعلى سبيل المثال، يبلغ معدل العاطلين عن العمل بين شريحة ما دون الـ 30 عاماً من الشباب في سورية 49 في المائة، وفي ليبيا يصل إلى 40 في المائة. والمنظمة الدولية تمضي أبعد من ذلك لتقول: ''إن ظروف العمل للشباب العربي، سيئة للغاية جراء الأجور المتدنية والرعاية الاجتماعية والصحية المحدودة وعقود العمل غير الآمنة''. والجمهوريات الأسرية التي تدعي وجود العمل النقابي وتدعمه، تعرضت لهجوم كبير من المنظمة، لغياب الدور الفعال للنقابات العمالية.

ويعتبر المدير العام لمنظمة العمل العربي أحمد لقمان، أن ارتفاع معدلات البطالة والفقر، كانت الشرارة الأولى التي أشعلت الثورات العربية، وذلك في مؤتمر العمل العربي الذي عقد في القاهرة مؤخراً. وفي ظل ''اقتصاد التشبيح'' أو ''اقتصاد البلطجة'' أو ''اقتصاد المرتزقة''، الذي شهدته الجمهوريات المشار إليها، ظهر نوع غريب من النمو، وهو ''النمو الفاسد''. أي أن هذه الجمهوريات حققت نمواً أعلى من النمو في البلدان الكبرى الراسخة (في بعض السنوات تجاوز ثلاثة أضعاف)، لكنه – أي النمو - حط في جيوب رجال أعمال، عُينوا من قبل الحكومات فيها. ماذا حدث؟ ارتفعت معدلات البطالة، بدلاً من أن تنخفض من فرط هذا النمو الكبير! وحسب المنظمة العربية، يصل عدد العاطلين العرب إلى أكثر من 18 مليون نسمة، والحقيقة أن الرقم أعلى من ذلك بكثير، لأن عدداً كبيراً في البلدان العربية، لا توفر الأرقام الحقيقية للبطالة، إلى جانب عزوف نسبة لا بأس بها من العاطلين، عن تسجيل أنفسهم في سجلات البطالة، من شدة اليأس الذي يعيشونه حيال إمكانية حصولهم على فرص عمل، دون أن ننسى، أن الأغلبية العظمى من الدول التي تعج بالبطالة، لا تتبع نظام الحد الأدنى للأجور، وهي في الوقت نفسه هائمة بملايين العاملين بنظام المياومة، وهؤلاء لا يفتقرون للحد الأدنى من الأجور، بل لكل الحقوق العمالية، بما في ذلك الرعاية الصحية، والتعويضات الواجبة للإصابة في العمل، وغيرها من الحقوق.

تمر دول العالم كلها – بما في ذلك تلك الكبرى الثرية منها - بأزمات اقتصادية طاحنة، وترتفع معدلات البطالة فيها إلى مستويات عالية، وتعاني من الديون الحكومية، لكن الدول الراشدة منها، لا تعمق الأزمات بل تعمل على مواجهتها وحلها، وإذا لم تستطع يتم التخلص من الحكومات فيها، وإفساح المجال أمام أخرى. لكن الأمر ليس كذلك في الجمهوريات العربية الأسرية. ففي عز أزمنة الازدهار والنمو، يرتفع عدد العاطلين فيها، ويزداد جموع الفقراء، وتتحرك الطبقات نحو الأسفل. فالطبقة المتوسطة تنتهي، وطبقة الفقراء تتحول إلى ما دون الفقر. حصل هذا في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية. فلا عجب إذن، من الثورات التي عمت (وتعم) فيها. قامت الأنظمة في هذه البلدان على الظلم المطلق، وأنفقت عقوداً من الزمن، تحاول أن تبرر الظلم لكي تستمر أطول فترة ممكنة. وعندما واجهت ثورات شعبية عارمة، لم تتردد في استخدام العنف والقسوة والقتل، لا لشيء، إلا لإطالة أمد البقاء. ولو قرأ قادة هذه الأنظمة ما كتبه الفيلسوف الإغريقي سينكا في القرن الأول، لربما فهموا أن الأمور لا تتحسن وفق آلياتهم العبثية الوحشية. ماذا قال؟ ''إن الدول القائمة على الظلم لا تدوم أبداً''. لقد عرفت شعوبهم، أنه في بعض الأحيان ليس كافياً أن تعرف ماذا تعني الأشياء، بل ينبغي معرفة ما لا تعنيه هذه الأشياء.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل