المحتوى الرئيسى

تنتظر كشف غموضها.. جريمة في الحي الهادئ

06/14 10:32

رائحة كريهة فاحت في الحي الهادئ.. وازدادت وانتشرت حتى أزكمت كل الأنوف، لكن من أين أتت والشوارع نظيفة والسكان يتعطرون بأغلي الروائح.. انشغل الجميع بملاحقة تلك الرائحة الغريبة على منطقتهم الهادئة في زهراء المعادي.
استغل الكبار منهم وظائفهم المرموقة، وجاءت سيارات الحي لتنظيف الشوارع، ورغم ذلك ازدادت الرائحة النتنة، وكاد أن يفقد السكان عقلهم، فقد خلت الشوارع حتى من ورقة شجر، حتى حامت الشبهات حول سيارة غطى الرماد غطاءها، ولم يظهر لها صاحبًا، وبرفع الغطاء، انكشف المستور.. جثة لشاب ملقاة علي كنية السيارة الخلفية، وقد تحللت واختفت ملامحها، وتفوح منها رائحة نتنة تفقد من يشمها الوعي.. روعت تلك الجريمة سكان الحي الهادئ، وبدأت المباحث رحلتها الشاقة لكشف غموض الجريمة البشعة.
أصل الحكاية بلاغ تلقاه محمد عبدالمنعم رئيس حي البساتين، من أهالي سكان زهراء المعادي، بعثورهم علي جثة شاب قتيلاً داخل سيارة ملاكي، ورائحة كريهة تنبعث من السيارة، بدرجة دفعت العديد من السكان إلي هجر منازلهم خشية الموت خنقًا.
انتقلت النيابة بسرعة، لمعاينة السيارة المنكوبة، التي ترقد جثة الشاب بداخلها، وكان المشهد أقسي من أن يوصف.. شاب في مقتبل العمر يرقد مقرفصًا على المقعد الخلفي للسيارة، وبه عدة طعنات، وقد اختفت معالم وجهه، وتحللت أجزاء جسده، وأصبح في خبر كان، لكن الجاني كان أكثر احترامًا!!، حيث من على القتيل وترك داخل ملابسه بطاقته الشخصية، وتليفونه المحمول وبعض الصور والرسومات الهندسية، فتوصلت المباحث إلي شخصية القتيل، حيث أنه ضابط شرطة سابق، الحظ التعس وقف له بالمرصاد، حيث فقد ذراعه الأيمن في إحدي المأموريات، عندما خرج ضمن مجموعة لمكافحة تجار المخدرات بالعريش، وتعرض لإطلاق الرصاص، وفقد ساعده، ورفض أن يكون كمالة علي رؤسائه، ويري نظرات الشفقة وهمهمة شفاة زملائه، وتشفي بعض أعدائه، فقرر تقديم استقالته وانقطع عن خدمة الوطن، وتفرغ لأعمال المحاماة وبعض "البيزنس" الخاص به.. حتى جاء اليوم المشئوم، يوم 5 مايو 2011، وخرج لعمله، وكان يستقل سيارات تاكسي في تنقلاته لعدم قدرته علي قيادة السيارة، بعد بتر ذراعه الأيمن.
وانتظرته زوجته وطفليه علي طعام الغذاء كعادته، ولم يحضر، واتصلت الزوجة علي هاتفه المحمول فوجدته مغلقًا.. واعتقدت أنه انشغل في عمله، حتى جاء المساء ولم يعد.. ومضت الساعات بعد منتصف الليل، وسألت عليه والدته وأشقائه وأصدقائه دون جدوي، وبدأ الخوف ينتابهم، ومرت الساعات على أسرته كالدهر، حتى جاء الصباح، وطافت كل شوارع منطقة بولاق الدكرور حيث تقيم، والمهندسين وغيرها، وطرقت أسرته جميع أبواب المستشفيات وأقسام الشرطة حتى مشرحة زينهم، وكأن الشاب فص ملح وذاب في الماء.
وأسرعت الزوجة إلي قسم شرطة بولاق الدكرور، وحررت محضرا باختفائه، ولم تستدل تحريات المباحث على شيء وخاصم النوم جفون الأسرة المكلومة شهرا كاملا، وبذور الأمل تنمو بداخلهم.. بأن الحبيب الغالي لابد أن يعود وإن طال غيابه.. فهو من شهد له الجميع بمكارم أخلاقه وتواضعه بين جيرانه، فكان مثل نسمة هواء باردة في نهار صيف شديد الحرارة، واتخذت والدته من نافذة شباك غرفته مأوي لها بعينيها الصغيرتين تراقب كل من يمشي في الشارع، لعل بصرها الضعيف يقع على فلذة الكبد، والطفلان البريئان لا يكفان عن السؤال عن "بابا"، والزوجة الشابة تنتظر شريك العمر الذي يقاسمها الحياة بحلوها ومرها، والأشقاء ينتظرون عودة الظهر والسند والأمان والحماية.
لم يدر بخلد الأسرة أنه رحل بلا رجعة، وأن عودته دربًا من دروب الخيال، حتى فوجئت الزوجة بأمين شرطة من قسم البساتين يطرق بابها، وبعد تأكده أن تلك الشقة تخص الضابط السابق فلان تهللت أسارير الزوجة بمجرد السؤال عن الغائب.. لابد أن الشرطة توصلت لمكانه، وهذا الشرطي جاء ليزف لها خبر التوصل إليه، وسألته في لهفة هل عرفتم مكانه؟.. هل هو بخير؟.. هو فين أرجوك؟.. والشرطي تسمر في مكانه وانحشرت الكلمات داخله عندما وقع بصره علي الأم وهي تسأل عن فلذة كبدها بلهفة، ولم ينطق سوي كلمة البقاء لله.. شدوا حيلكم، تعالوا معايا لكي تتعرفوا علي الجثة.. أصوات الصراخ تعالت.. وهرولت الأسرة الصغيرة مع الشرطي إلي منطقة المعادي الجديدة.. وتساءلت الزوجة ما الذي جاء به لهذة المنطقة.. ليس لنا فيها أقارب أو معارف.. من المؤكد أن القتيل ليس زوجي.. قف بجوارنا يا الله طفلي صغيرين ويحتاجان إلى والدهما.. حتى وصلت الزوجة وعائلته إلي السيارة الملاكي، ومجرد أن شاهدته والدته.. شهقت شهقة كادت تزهق روحها.. من هذا الجبار المجرم الذي هان عليه قتل ولدي.. وشقت الصرخات واللطمات سكون الحي الهادئ.
وأمر أحمد الصواف مدير نيابة البساتين بنقل جثة القتيل إلي الطب الشرعي لتشريحها، وتكليف المباحث بسرعة كشف غموض الحادث البشع.


رابط دائم:

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل