المحتوى الرئيسى

> منمنمات ثورية

06/13 21:01

كتب - زينب منتصر

منمنمات لا تعني النميمة.. بقدر ما تعني «الحكاية».. هكذا جاء تعريف عنوان مسرحية «منمنمات تاريخية» للمسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس.. من قبل المجاميع الواعية التي تشكل عصب المسرحية، ومحورها الأساسي.. وهي مشخصة في القوي الشعبية العريضة التي تجابه قوي الطغيان.. والفساد.، والاستبداد، متمثلة في السلطان المملوكي العابث بأمن البلاد والعباد! يسانده حاشية من الأعيان والتجار وقوي العسس التي تشبه إلي حد كبير «أمن الدولة» في النظام البائد!

إن تلك القوي الشعبية الشابة المشكلة من فتية وفتيات في مقتبل العمر يتمتعون بلياقة بدنية عالية تصاحبها لياقة عقلية تنم عن فهم الواقع والتاريخ، ونضج في التفكير والتدبير.. إنهم يحاولون أن يجلبوا إلينا التاريخ البعيد أو بعضاً منه ــ غزو التتار لـــدمشق عـــــام 830 هـ ــ لا بهدف إغراقنا في ذاك الماضي السحيق، أو تسليتنا بالنميمة حول ما جري من مآس وفواجع! وإنما إضاءة ذاك التاريخ ومقارنته ثم مقاربته بما نحن عليه الآن.. لنستلهم منه الدروس المستفادة ونعي منه العبر المهمة.

وإذا كنت من المؤمنين بأن التاريخ لا يكرر نفسه.. فإن الوقوف علي القضايا الكبري والمفصلية فيه.. والبحث في تضاريسها وجوهرها وتحليلها.. قد يفيد جميع القوي الوطنية التي تبغي صالح الأمة ونهضتها للسير بها إلي الأمام لا النكوص بها إلي الخلف! ومن هنا جاء هذا العرض المسرحي الإقليمي المفعم بالبهجة والاستبصار في آن.. وهو يضع يده علي الجراح ليبرئنا منها.

والذي قدمته فرقة الفيوم القومية التابعة للثقافة الجماهيرية ليشي لنا بأسباب سقوط وصعود الأمم.. وهو الأمر الذي يقربنا مما حدث في ثورة 25 يناير، لا بخطابية فجة، وإنما بنعومة الفن وجماله، وعمق الرؤية واتساعها للمخرج أحمد البنهاوي ولهذا أدركنا معه أن ثورة 25 يناير لم تقف عند تخوم العاصمة وميدان التحرير.. وإنما تفاعلت معها الجماهير العريضة في ربوع مصر.. وجاء هذا العرض علي سبيل المثال لا الحصر مضمخاً بعطر الثورة وبصيرتها في تشخيص المأساة التي سادت مصر في الفترة الماضية من سلطان عابث غير مكترث بمصير أمة.. ومعاناة شعب وتطلعاته.

وسلطة مستبدة تعانق فيها رجال المال برجال السياسة فأحالوا حياة المصريين إلي جحيم مقيم فاق من ذلك الجحيم والفساد المقنن الذي روع العالم حجمه بعد أن كشف الغطاء عن تلك القبضة الأمنية التي تبطش دون رحمة بالفصائل الوطنية المعارضة!

ولعل هذه «النمنمات» في عمقها وبصيرتها قد لامست أيضاً ما تعاني منه الآن من حالة الانشقاقات والاتهامات والضرب تحت الحزام بين الفصائل والمجلس الأعلي للقوات المسلحة، والذي سيصبح المستفيد من جرائها أعداء الثورة الكامنين في الصفوف الخلفية والواقفين علي الحدود وحتي فيما وراء الحدود والمحيطات! والذين سرعان ما سينقضون عليها ليمزقونها ويمزقوننا بلا رحمة!

وإذا كان المجلس الأعلي للقوات المسلحة قد أدرك بشكل أو بآخر تلك الانشقاقات ومن خلال جمعة الغضب الثانية التي رفع فيها كثير من المطالب التي لم تتحقق بعد.. فبادر المجلس الأعلي في عقد جلسة حوار بينه وبين الشباب.. ولكن هذه الجلسة لم تتسع لقوي الشباب المختلفة أو بالأحري الحقيقية.. فقد سمعنا عن ائتلاف السلفيين ثم ائتلاف العاملين في الداخلية! ورغم أن المدعوين تجاوزوا الـ1000 شاب والائتلافات تجاوزت الـ140 ائتلافاً إلا أن الائتلافات الكبيرة والحقيقية والتي اشتركت في الثورة ولها تاريخ وباع وعنوان هي التي لم تشارك لأسباب عدة.. منها أنها دعيت علي عجل وخلال 48 ساعة.. وهو وقت غير كاف لاختيار من ينوب عنها.

ثانياً: أنها طالبت بالإفراج أولاً عن الشباب الذي يحاكم أمام النيابة العسكرية في حين رموز الفساد يتمتعون بالمحاكمة أمام القضاء المدني! ثالثاً أنها تريد حواراً لا لقاءً عابراً ولهذا ترغب في رؤية المجلس وجدول أعمال وخريطة للحوار.

ولعل هذا ما دعا المشير حسين طنطاوي إلي أن يطلب من المجلس أن يعاود جلسات الحوار لتستوعب كل من لم يجد له مقعداً، لكن ليس هذا المطلوب فقط، وإنما المطلوب أيضاً بناءً علي ما حدث في الجلسة الأولي التي سميت حواراً ولم تضمن حواراً يتدارك هذا الخلل.. لأن ما تم كان أقرب ما يكون للقاء تعارف واستمارات استبيان وزعت علي الحاضرين من الشباب وكأنهم ضيوف لا أصحاب بيت!

إن ما يدفعني في تأكيد أهمية الحوار وضرورته بين المجلس الأعلي وبين قوي الشباب الحقيقية والفاعلة.. علي ما نسمعه ونقرؤه جميعاً من متابعة العالم لما يحدث في مصر لحظة بلحظة وساعة بساعة.. لأن ما يحدث ويكتمل سيؤثر علي المنطقة بأسرها فكل العيون مسلطة علي الثورة وعلي متابعتها. ورغم أن هناك مشاكل تقع وسرعان ما تعالج من قبل المجلس أو رئاسة الوزراء إلا أنها لا تفوت علي المراقبين الذين يقفون للثورة، والثوار والمجلس بالمرصاد. وها هو علي سبيل المثال التصريح الصادر من وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في 5/1 .. تؤكد فيه أنها تراقب عن كثب التطورات في مصر التي يديرها المجلس الأعلي ولقد أزعجتنا التقارير التي تحدثت عن جهود التضييق علي صحفيين ومدونين وقضاة وغيرهم الأمر الذي نعتقد أنه يتوافق مع الاتجاه الذي كان الشعب المصري يسير فيه حين بدأ في ميدان التحرير.

فعلي الجميع اليقظة وبناء جسر حوار ممتد وحقيقي وخصب ومتنوع بين الشركاء، المجلس الأعلي وقوي الشباب التي تحلم حقاً ببناء مصر الجديدة الناهضة.. هذا الشباب الذي صار قدوة للعالم.. وها هو «توماس فريدمان» الكاتب الأمريكي يؤكد من جديد وللمرة الألف أن إعجاب العالم بما حدث في ميدان التحرير يعد نموذجاً يحتذي به والدليل ما يحدث الآن في المظاهرات الإسبانية التي استعارت شعارات شباب التحرير.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل