المحتوى الرئيسى

مستقبل الثورة المصرية..بقلم:د. محمد حسن خليل

06/13 18:38

قراءة في ميزان القوى الراهن (1/2)

د. محمد حسن خليل

الثورة

الثورة فى الأساس فعل جماهيرى واسع، حركة جماهيرية تصمم على تحطيم النظام القديم، وتتجترح فى سبيل ذلك البطولات، وتضحى بالدم والشهداء فى سبيل ذلك الهدف. وإذا كان الثوريون يعملون دائما من أجل الثورة بالدعاية والتحريض حول أفكارهم فإن أيا من كان لا يستطيع أن يحدد موعد الثورة. ولعل أبلغ دليل على هذا هو أن الشباب الذى نظم مظاهرات يوم الثلاثاء 25 يناير ودعا لها على الفيسبوك حدد شعاراتها فى “تغيير حرية عدالة اجتماعية” أو خبز حرية كرامة إنسانية” مع وضع بنود عديدة تحت كل منهم تشمل حدا أدنى للأجور وإلغاء حالة الطوارئ وحرية الأحزاب والإضراب وغيرها، ولكن الشباب حذر بشدة من رفع آية شعارات ضد مبارك أو مع إسقاط النظام. ولم يكن هذا بالطبع حبا فى مبارك أو عدم ثورية من الشباب، بل كان موقفا صائبا، إذ كان المقصود هو توسيع نطاق الحركة الاحتجاجية لتشمل مناطق كثيرة داخل العاصمة ومدنا عديدة داخل الجمهورية حول تلك المطالب، وكانت نية الداعين عدم وضع حاجز مرتفع أمام الجمهور المحتج مثل تعلية سقف المطالب لتشمل تغيير النظام. إلا أن الواقع قد تجاوز هذا عندما رفعت المظاهرات جميعا من أول صدام مع الأمن شعار “يسقط يسقط حسنى مبارك” وشعار الثورة التونسية “الشعب يريد إسقاط النظام”. لقد تحقق هدف توسيع نطاق النضال بشدة إذ انطلقت المظاهرات من خمسة أماكن فى القاهرة، كما انطلقت أيضا فى ثمانى مدن مختلفة (كل هذ فى اليوم الأول فقط، 25 يناير، ثم اتسع النطاق أكثر فأكثر مع استمرار الثورة). ولكن تحقق أيضا ارتفاع سقف المطالب إلى المطالبة بإسقاط النظام بسبب لا يعود إلى تخطيط المنظمين ولكن إلى مستوى السخط الجماهيرى المتراكم، إلى المزاج الجماهيرى الثورى، إلى السيكولوجيا الاجتماعية لجمهور معبأ من تفاقم الاستغلال والاستبداد والفساد، ويحمل سمات كل النضالات التى تفضح الفساد والاستغلال والاستبداد خلال السنوات الأخيرة. لم يكن خطأ أحد عدم التنبؤ باللحظة التى يصل فيها مخزون الغضب إلى الكتلة الحرجة الضرورية للثورة، ولكن النضج تمثل فى سرعة إدراك تلك اللحظة الثورية وتبنى مطالبها الجذرية فى الإطاحة بالنظام.

إن استمرارية الحركة رغم القمع الشديد، واتساعها جغرافيا وفئويا لتشمل معظم الشعب، وارتفاع سقف المطالب للإطاحة بالنظام كله، والاستعداد الهائل للتضحية بالأرواح وتقديم مئات الشهداء وآلاف الجرحى، إن كل ذلك هو ما حدد ملامح تلك الحركة فى أنها ثورة على نظام مبارك وليس مجرد انتفاضة جماهيرية قد تنتزع أو لا تنتزع بعض المكاسب. وتنبع الأهمية الشديدة فى تحديد ما سبق من أن أى تحليل لميزان القوى فى اللحظة الراهنة لابد وأن يعطى مكانا بارزا لطرفى التناقض الرئيسيين: الشعب الثائر من ناحية، و الثورة المضادة التى يقودها النظام القديم من ناحية أخرى.

ورغم إقرار الجميع بأن تصاعد الاحتجاجات الجماهيرية فى السنوات الأخيرة هو ما شكل المقدمة الضرورية للثورة فإن على الساحة تقديرات متعددة لتاريخ البداية لتلك الاحتجاجات الجماهيرية، بدءا بمظاهرات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وانتهاء بإضراب المحلة فى عام 2008. واعتقد أن التاريخ الأقرب لتلك الموجة المتصاعدة التى انتهت بالثورة قد بدأت منذ أواخر عام 2003 كنتيجة مباشرة لتغير مطبخ صنع القرارات السياسية فى مصر الذى وقع فى المؤتمر الثامن للحزب الوطنى فى سبتمبر2002 ( والذى عرف فيما بعد بالمؤتمر السنوى الأول عندما صار منذ ذلك التاريخ يعقد سنويا). فى ذلك المؤتمر تم تنحية أو إضعاف نفوذ من عرفوا بالحرس القديم (يوسف والى، صفوت الشريف، الشاذلى) وبرزت مجموعة صنع القرار الجديدة الممثلة فى جمال مبارك الذى تبوأ منصب أمين لجنة السياسات وأمين مساعد الحزب، ولجنة السياسات بقيادة رجالة وأقربهم يوسف بطرس غالى وأحمد عز أمين التنظيم الجديد فى الحزب ورشيد محمد رشيد وغيرهم. وكانت باكورة أعمالهم قرار تعويم الجنية المصرى مع تخفيض قيمته أمام الدولار حوالى 60%. وأدى هذا إلى رفع أسعار الواردات بنفس النسبة، وتدل دراسات الحزب الوطنى نفسه أن تلك نسبة السكان الواقعين تحت خط الفقر فى مصر قد زادت بنسبة 7% خلال الأشهر العشرة التالية لذلك القرار. كما أسرعت اللجنة منذ تأسيسها بمعدلات خصخصة الهيكل الإنتاجى (القطاع العام)، ثم انتقلت لخصخصة الخدمات ببيع بنك الإسكندرية (2006) و تحويل الهيئة العامة لمياه الشرب والصرف الصحى إلى شركة قابضة (2004) ثم انتقلوا إلى خصخصة التعليم والصحة. وبالطبع لم يكن الفرق بين مطبخ صنع القرارات الجديد والقديم هو وطنية الأول وعدم وطنية الأخير، لكنه كان تحديدا أنه بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولى وصندوق النقد الدولى وهيئة المعونة الأمريكية) يضغطون من أجل تخفيض قيمة الجنية الذى تم تثبيت سعره منذ عام 1992 وزيادة معدلات الخصخصة فقد كان موقف الحرس القديم هو ضرورة التوفيق بين ماسموه ضرورات الإصلاح الاقتصادى (لبرلة الاقتصاد أو خصخصته) وبين مقومات الاستقرار الاجتماعى. ويقولون أن هذا هو درس انتفاضة يناير 1977 عندما أدت الزيادة المفاجئة فى الأسعار إلى اضطرابات سياسية جماهيرية واسعة.

لقد استحقت مصر الرسمية وقتها احتفاء وتهليل كل منظمات التمويل الدولية على المضى قدما فى طريق “الإصلاح الاقتصادى” بحيث اعتبرها كل من البنك الدولى وصندوق النقد الدولى نموذجا يحتذى فى الإصلاح الاقتصادى والدولة الأولى عالميا، والدولة الأولى أفريقيا فى سنوات مختلفة من تلك الفترة. لكن نتيجة كل ذلك كانت غلاء متزايدا فاقم المشاكل المعيشية للشعب مما انعكس على تزايد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية. ومما له دلالة وثيقة بكل هذا هو أن مظاهرات شهر ديسمبر عام 2003 قد شهدت لأول مرة شعارات تطول رأس النظام، فارتفعت شعارات “يامبارك ياجبان يا عميل الأمريكان” و”ياجمال قل لأبوك كل الشعب بيكرهوك”.

ومن العلامات الفارقة أن من نجح فى التقاط تلك اللحظة الساخنة وتطويرها هو الحركة المصرية من أجل التغيير المعروفة بحركة كفاية التى أعلنت عن تأسيسها فى مظاهرتها الصامتة الأولى فى ديسمبر عام 2004 وهدفها “لا للتمديد لا للتوريث”. وتصاعدت الحركات الفئوية والاحتجاجية والديمقراطية بمعدلات متسارعة حتى صارت الإضرابات العمالية فى أعوام 2009 و2010 نمطا للحياة السياسية اليومية، وحتى أضحى رصيف مجلس الشعب موقعا دائما للحركة الاحتجاجية لمختلف الفئات. وانتشرت التنظيمات المناضلة من أجل مختلف المطالب وبين كل الفئات فشهدنا مولد أول نقابة مستقلة لموظفى الضرائب العقارية، وحركة معلمون بلا نقابة من أجل كادر لأجور المعلمين، واتحاد أصحاب المعاشات ونضالاته والقضايا التى رفعها من أجل مطالبهم الفئوية، وحركة أطباء بلا حقوق المطالبة بكادر للأطباء وتحسين الخدمات الطبية، ولجنة الدفاع عن الحق فى الصحة التى تقف ضد خصخصة التأمين الصحى وغيرها وغيرها. كما شهدنا حركة مراكز حقوق الإنسان ضد التعذيب، وشهدنا الحركة الجماهيرية ضد قتل خالد سعيد، وتفجر السخط ضد تزوير انتخابات مجلسى الشعب والشورى، والهجوم على قسم الساحل وإحراق عربات الشرطة فيه وعند نقطة مدخل طريق القاهرة الزراعى احتجاجا على قيام اثنين من أمناء الشرطة بقتل أحد السائقين. وكان كل هذا هو المقدمة الضرورية التى تنبئ بمستوى السخط والوعى الذى تفجر فى ثورة الخامس والعشرين من يناير.

الثورة المضادة

وإذا أردنا أن نفهم الثورة المضادة التى نواجهها الآن حق الفهم فلابد وأن ندرس أبرز تجلياتها فى الكفاح ضد الثورة قبل الإطاحة بمبارك، أى دورها يوم جمعة الغضب 28 يناير وأربعاء موقعة الجمل 2 فبراير. فالثورة المضادة لها فكرها، وقادتها، ومؤسساتها، وأسلوبها، وتمويلها، وآلياتها، وأى خطأ فى حساب مقدار قوتها –سواء قبل الإطاحة بمبارك أو بعده- سوف تكون له عواقب وخيمة فى سياق المعركة الدائرة الآن على قدم وساق بين طرفى التناقض الرئيسيين.

وفكر وأدبيات الثورة المضادة، مثلها مثل كل فكر الطبقات السائدة، مستورد بالكامل، حيث إن أبرز من درسه وقننه هو المخابرات المركزية الأمريكية. وقد بلوروا نظريا خطط التعامل مع وضع جماهيرى ثورى من طول خبرتهم فى التعامل مع تلك الأوضاع بدءا من ثورة مصدق ضد شاة إيران وحتى خبرات التعامل مع ثورات أمريكا اللاتينية. وبالطبع درس وزراء الداخلية العرب تلك الخطط وتدارسوها سويا فقد كان أنجح مثال على تعاون الأنظمة العربية المشترك هو المؤتمرات الدورية لوزراء الداخلية العرب والتى حضرتها مصر حتى فى سنوات مقاطعتها بسبب كامب دافيد. والدليل على هذا التماثل بين خطة الثورة المضادة فى تونس ومصر. وتعتمد تلك الخطط على مواجهة الثورة بالتفريغ الأمنى، وترويع المواطنين بواسطة الشرطة، أو الشرطة بملابس مدنية، أو الأجهزة السرية التابعة للشرطة، مع إطلاق يد عصابات المجرمين ورواد الجريمة المنظمة، والبلطجية من كل الأنواع، وإثارة المعارك الجانبية والفتن والقلاقل بين فئات الشعب المختلفة. والمثال الملموس فى مصر هو انسحاب الشرطة فى مساء الجمعة الثامن والعشرين من يناير، وتآمر الشرطة لحرق العديد من الأقسام (غير الأقسام التى حرقها المتظاهرون) وإطلاق سراح البلطجية المحتجزين بالأقسام، وفتح السجون وإجبار المساجين على الخروج وحضهم على ترويع الآمنين ونشر الرعب، وتنفيذ خطة التفريغ الأمنى بعدم الاستجابة لآية استغاثة مع دفع عملاء للاتصال بالإعلام ونشر الشائعات للمبالغة حتى فى مستوى أحداث المشاكل الأمنية المثارة. ويضاف لكل هذا دور الإعلام فى تشويه الثورة والتشكيك فى أهدافها وقادتها وحجمها ومستقبلها. إلا أن كل ما سبق ليس سوى التمهيد، فلابد من التخطيط لمعركة حاسمة للقضاء على الثورة، وهو ما تحدد له يوم الأربعاء 2 فبراير بعد التمهيد له بإثارة الارتباك فى صفوف الشعب نتيجة لخطاب مبارك الذى يعد بالإصلاح وبالتالى فلا داعى لاستمرار الثورة. وفى الحقيقة إن دراسة تفاصيل الإعداد لموقعة الجمل لا تكتسب فقط أهمية من زاوية التأريخ للثورة، فالأغلبية الساحقة لتلك الآليات مازالت فاعلة ومستخدمة حتى الآن. ومن أهم تلك الآليات الدور القيادى لرموز وقيادات الحزب الوطنى فى مجلس الشعب. فإذا كان الحزب الوطنى فاشلا كحزب له فكره المستقل يمثل بوتقة لصياغة فكر الطبقة التى يعبر عنها، فهو ناجح جدا لتجمع للمنتفعين أصحاب المصلحة المباشرة فى التربح من الدولة وفى التخطيط لاستهداف أعداء النظام. ولجميع أعضاء مجلس الشعب المزمنين من الحزب الوطنى علاقة مؤسسية منتظمة لشلل ومجموعات البلطجية فى دوائرهم: فالمنافع متبادلة: فهم يوفرون آليات تزوير الانتخابات، وجمهور الهتيفة فى مظاهرات التأييد، ومهاجمة سرادقات الخصوم أحيانا وإفشال دعايتهم الانتخابية. ويحصلون فى مقابل ذلك على تسهيلات أمنية من الشرطة، وحماية من بعض المخالفات الخفيفة، ومساندة من جهاز الدولة. وفى يوم واقعة الجمل لم يدرك الكثيرون سوى أنها محاولة لضرب المحتجين، لكنها كانت معركة يقصد بها الإجهاز على الثورة. لقد تم التخطيط لها فيما سمى اجتماع فندق سوفيتل ليلتها بين كبار رجال الحزب الوطنى: صفوت الشريف وأمثاله مع متابعة فتحى سرور لهم تليفونيا. وكان قادة أركان التنفيذ فى كل دائرة هم من أشرفوا على تسيير الفيلق الخاص بهم: فقد ركب بلطجية الزيتون (دائرة زكريا عزمى) من محطة متروالأنفاق مجانا لكى يقف المترو وتفتح لهم محطة التحرير المغلقة لكى ينزلوا منها ويخرجوا وسط الاعتصام الذى أمن المعتصمون مداخله، ونفس الشيئ من محطة السيدة زينب (دائرة فتحى سرور)، ومن دائرة دار السلام، وغيرها. أما دائرة الهرم فأمرها معروف، فقد نقل النائبان عنها الخيول والجمال بسيارات النقل إلى جامع مصطفى محمود حيث بدأت من عنده مسيرة القوات الراكبة للدواب إلى ميدان التحرير.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل