المحتوى الرئيسى

فرج فودة.. سلامٌ عليك

06/13 08:13

كان يا ما كان، ليس فى سالف العصر والأوان، بل بالأمس القريب، قبل برهة خاطفة على مقياس الزمن، منذ سبعين عامًا لا غير، كان هناك تحضّرٌ ومدنيةٌ وليبراليةٌ واستنارةٌ فى بلد جميل اسمه «مصر».

 كان هناك مَن يؤمنون بأن الفكرَ لا يحاججُه إلا الفكرُ، وليس الرصاص والدم. كان هناك شعبٌ متنوّرٌ يمتلك ثقافة احترام الآخر، واختلافه، الذى هو رحمةٌ من الله، كما يقول السلفُ الصالح. كان هناك رجلٌ اسمه «إسماعيل أدهم»، ألّف كتابًا عنوانه: «لماذا أنا ملحد»، فلم يُصادَر كتابُه ولم يُهدَر دمُه، بل ردّ عليه رجلٌ آخر اسمه «أحمد زكى أبوشادى» برسالة عنوانها: «لماذا أنا مؤمن»، ثم رد عليهما رجلٌ ثالث اسمه «محمد فريد وجدى» بمقال عنوانه: «لماذا هو ملحد».

 كان هذا فى بدايات القرن الماضى، حين كنّا متحضرين. ولكن، لأن مصرَ ترجع إلى الوراء، بدل أن تسير للأمام، جاءت على مصرَ لحظةٌ انتهت فيها مقارعة الفكر بالفكر، ليحتلّ الخنجرُ مكان القلم.

 جاء مع نهاية القرن رجلٌ مسلمٌ مستنير، أحب الإسلامَ جدًّا، فعاب على سلوك مَن يشوّهون الإسلام. أراد أن يحفظ للدين مكانته القدسية بعيدًا عن يد السياسة البراجماتية الميكيافيلية، فقتلوه!

قتلوه لأنه قال بالحرف: «لا أحد يختلفُ حول الإسلام/الدين، لكننا نناقشُ ونجتهد حول: الإسلام/الدولة. الإسلامُ/الدين فى أعلى عِليّين، أما الدولة فهى كيانٌ سياسىّ، وكيان اقتصادى، وكيان اجتماعىّ، يلزمه برنامجٌ تفصيلى يحدد أسلوب الحكم».

قتلوه لأنه حاول جاهدًا أن يعيد للإسلام هيبتَه وعظمته عن طريق تخليصه من الترهات التى تُنسب إليه قسرًا على يد جهلاء الدين، فتُضحك علينا العالم، وتُبكى علينا السماءَ.

 قتلوه لأنه حاول تبرئة الإسلام من الدموية التى يمارسها أعداءُ الحياة متسترين تحت لواء الدين الشريف. قتلوه لأنه عمل على تنقية الإسلام من باب «فقه النكد» الذى أدخله بعضُ فقهاء الدين جهلاً وظلما ضمن أبواب فقه الإسلام السمح.

 فحرّموا الموسيقى والنحت والفن وكل ما من شأنه أن يرتقى بالإنسان ويسمو بروحه. دون أن يسألوا أنفسهم لماذا خلق اللهُ الطيورَ صادحةً، والنحلَ ينحتُ ممالكَه البديعة، وموجَ البحر يصنع لوحاته التشكيلية الفاتنة!

أولئك الذين زعموا أن الله لا يسمح للمرأة بأن ترى إلا بنصف عينها اليسرى فقط!، دون أن يسألوا أنفسهم لماذا خلقها اللهُ بعينين اثنتين مادام يكفيها «نصفُ عين؟!»، ولو أتعبوا أنفسهم قليلاً وقرءوا فى العلم، لتعلّموا أن الرؤية المجسمة ثلاثية الأبعاد لا تتم إلا باستخدام العينين معًا.

أولئك الذين حرّموا غرف الإنعاش وجلسات الغسيل الكُلوىّ بزعم أنها تعطِّل لقاء المريض بربّه! أولئك الذين طالبوا بختان الفيلسوف الفرنسى الشهير روجيه جارودى وهو فى السبعين من عمره قبل أن يقبلوا اعتناقه الإسلام!

قتلوا فرج فودة لأنه كان أكثر إسلامًا وتديّنًا منهم. من أولئك الذين أفتوا بقتله وأهدروا دمه، ومن صاحب اليد الآثمة التى أزهقت روحه المستنيرة دون أن يقرأ حرفًا مما كتب شريفُ القلم فرج فودة. ببساطة لأن القاتلَ أُمىٌّ لا يقرأ!

غير أنه يمتلك أُذنًا تنصتُ إلى الشر، سمع بها أن الرجلَ كافرٌ، فاغتاله، دون تفكير ولا تدبر ولا رحمة. أحدهم «قال» إن الرجل كافر، فقام آخر بالقتل دون أن يبحث وراء صدق أو كذب هذا الذى «قيل» له. تلك ثقافة «قالوا له» التى جفّ حلقى من المناداة بهدمها بعدما انتشرت فى مجتمعنا المصرى على نحو مخيف.

ونسمع فى أشهر محاكمات التاريخ ما يلى، حينما سألت هيئةُ المحكمة قاتلَ فرج فودة: «لماذا اغتلت فرج فودة؟» فيجيب القاتل: «لأنه كافر». «ومن أى من كتبه عرفت أنه كافر؟» «أنا لم أقرأ كتبه». «كيف؟» فيجيب القاتل بكل ثقة وخُيلاء: «أنا لا أقرأ ولا أكتب»!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل