المحتوى الرئيسى

ثورة تونس وآية الله بقلم:محمد الحمّار

06/13 21:27

زار تونس قبل أيام العلامة آية الله محسن الآراكي من إيران. وكنتُ من بين المدعوين إلى محاضرته الثانية التي ألقاها حول "إشكالية الحداثة ومفاهيم المجتمع المدني في الدستور الإيراني" (بمنتدى الجاحظ في يوم 11-6-2011)، متشوقا لِما عسى أن تفيدنا به هذه الشخصية الدينية والفكرية المرموقة.

لم نكن متعودين في تونس لا بمثل هذه الكثافة في عدد المحاضرات ولا بمثل هذه المواضيع ولا بمثل هذه القامات من عالم الدين، ناهيك لمّا يكون الضيف من إيران، إيران التشيع وإيران الثورة الإسلامية. لذا قد أعددتُ نفسي للمناسبة كما يُعدُّ طالب العلم نفسه للامتحان.

وقد وقع اخترتُ، لغرض الإعداد، وثيقتين اثنتين كان لهما وقعٌ كبير عليّ قبل وقتٍ ليس ببعيد: مقالة للخبير السياسي العالمي فرنسيس فوكوياما ينتقد فيها "الديمقراطية التسلطية" في إيران موضحا أنّ مطالبة جمهور المسلمين في العالم اليوم بتطبيق الشريعة لا ينمّ عن حاجة لتطبيق الحدود على الطريقة الطالبانية بقدر ما ينم عن "الحنين" إلى الزمن الذي كانت فيه"سيادة القانون" سارية المفعول قبل انتقال السيادة من السلطة التشريعية التقليدية إلى السلطة التنفيذية المستبدّة في العصر الحديث(1)؛ وحديث لـ"المفكر الديني" (كما يسمي نفسه) الليبرالي و المعارض الإيراني عبد الكريم سروش والذي يتلخص فيه صاحبه إلى الإقرار بأنّ البون شاسع في إيران بين الشعب وسلطة الملالي وبأنّ الضرورة تحتّم رمي الجسور بين الشعب والحكومة بفضل آلية "المفكر الديني"(2).

وما من شك في أنّي اخترتُ تلك المنهجية في التهيئة الذاتية لا بصفة اعتباطية وإنما في ضوء الخيط الذي يربطني بثورة تونس وبالفكر الذي من المفترض أن يدعمها، أو بالفكر الذي سينجرّ عن فعالياتها، وبالنظر إلى أنّ النظام الذي كان مستبدا بسيادة القانون، من بين أشياء كثيرة أخرى، قد تمّ كنسه من تونس ولم يبقَ سوى البناء في الثغرة التي خلفها. في هذه الأجواء دخلتُ حلبة النقاش.

كانت متابعتنا للمحاضرة مُتميزة. وكانت على إثرها الردود والتدخلات والتساؤلات والأسئلة في مستوى عالٍ من الإثارة والحماس والتشويق. كما لم تخلُ الأجواء من التشنج، ناهيك أنّ ما زادها طرافةً الحضورُ المكثفُ للتونسيين الشيعة ؛ وقد فوجئتُ حقيقة بالأمر.

أمّا عن مداخلتي فتمحورَت حول نقطتين اثنتين مرتبطتين ارتباطا عضويا ببعضهما البعض:

أولا، ردا على الأستاذ المحاضر، الذي يرى تشابها كبيرا بين الثورة الإيرانية وثورة تونس، أبديتُ اعتراضي مبيّنا الفرق الشاسع بينهما: ثورة إيران قام بها "لاهوت الدين" بينما ثورة تونس قام بها "لاهوت الشعب". ومافتئت أن تلفظت بتلك الكلمات حتى ارتفعَت أصوات محتجة لم يكن لها لتهدأ إلا لمّا استطردتُ قائلا:" لا أعني أنّ الدين غائب من ثورة تونس بل أعني أن ثورة تونس ستُبرز نظرة جديدة لتطبيق الدين مغايرة تماما للنظرات المعروفة."

ثانيا، توجهتُ إلى المحاضر بسؤال حول موقفه من عبد الكريم سروش وحول فكرتِه القاضية بإحداث ثغرة للحوار بين سلطة ولاية الفقيه والشعب الإيراني والتي من المفترض أن يقوم بها "المفكر الديني" لكي يخفف من سيطرة "رجال الدين" الذين يمثلون ولاية الفقيه. وكان تأكيدي على الظفر بإجابة نابعٌ من قناعتين اثنتين: واحدة مفادها أن النظام الإيراني رغم نقائصه يمكن أن يلهم تونس من حيث استحداث آلية (مماثلة شكلا لآلية ولاية الفقيه) لتصحيح النمط الديمقراطي وتوسيعه حتى يتميز عن الديمقراطية الغربية، التي توجد في وضع إفلاس، ويتجاوزها؛ والثانية مفادها أنّي منبهر بدور "المفكرالديني" الذي ينادي به سروش (وأسميه "المثقف الوسيط/الوسطي"، نسبة إلى "الثقافة الوسيطة").

وكاد المحاضر أن "ينسى" سؤالي ويختم اللقاء لو لم أطلب منه احترامَ حقي في الرد، فكان رده أن " إيران تعدّ الألوف من سروش، وأنّ سروش غير مرغوب فيه ( من طرف الفكر الديني الذي يعيب عليه سروش بنفسه، من جهته، أنه "فكر ديني فقهي" غايته البقاء في السلطة، (1) (2)) لا لشيء سوى لكونه "يروّج للفكر الأمريكي وللموقف الأمريكي ولا ينمّ عن موقف خاص به كمفكر، ولأنه يركز على الجانب البشري في الفكرة الدينية، ولأنه شكك حتى في نبوة محمد" صلى الله عليه وسلم.

لم أكن مقتنعا بالجواب حقا، لكني تركت الرجل في حال سبيله ولم أردّ عليه في الإبان، لأني على الأقل نلتُ جوابا على سؤالي ولا فائدة من الطمع في المزيد. في المقابل كنتُ محظوظا لمّا رأيته في مقصورة المنتدى فدخلت عليه، ككل تونسي ملهوف، واستطردت قائلا له:" أنت تقول إنّ فكر سروش تابعٌ لأمريكا، فكيف يمكن لسروش أن يكون مُروّجا لصوت أمريكا إذا كان من بين مُحبّيه وأنصاره والمدافعين عن آرائه مَن يناهض السياسة الأمريكية تجاه المسلمين؟".

وبالرغم من أني لم أكن أنتظر منه جوابا هذه المرّة، إلا أنّ آية الله، الكنز اللغوي الإيراني (يتقن العربية والانكليزية علاوة عن الفارسية)، أنار عقلي بقوله " ليس كل ما قاله سروش سيئا". شكرتُه وودعتُه ومضيتُ في حال سبيلي وأنا على يقين من أنّ "دار" تونس تتميّز عن "بيت" إيران، وأنّ ثورة تونس آية فريدة من عند الله.

محمد الحمّار

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل