المحتوى الرئيسى

الزنزانة أرحم بقلم:حسين عوض

06/13 21:27

الزنزانة أرْحَم

حسين عوض

أعلن مكبر الصوت نبأ الزيارة, قال: بأن على أحمد الهريدي أن يحضر للغرفة الخارجية المخصصة لذلك, بعد صمت دام لحظات عاد الإعلان ثانية عن وصول أم أحمد وعائشة, أعلن المكبر للمرة الثالثة هذا الإعلان وعندما لم يستجيب أحد لذلك صمت صمتاً مريباً, خيم السكون على المكان في حين كان رفاقه المتحلقين حوله يُحدثون قصتةُ وقصصاً أخرى شبيهة بذلك.

كان الهريدي يحب المغامرة, ذهب بعيداً يفتش عن مكان يخبئ به, نظر يميناً ويساراً, تلفت ودقق بالطريق المتعرج أمامه ازدحمت الأفكار في رأسه سرعان ما أقاموا حاجزاً على الطريق العام, بدؤوا يفتشون المارة صغاراً وكباراً وانقطعت سلوان عن مدينة القدس وسواها من مدن الضفة حتى الأغنام باتت ليلتها في العراء على الرغم من توسلات الرعاة, صدرت الأوامر بمنع التجول وهذا ينطبق على الناس وحيواناتهم.

أخبر أحمد بيت خالته أم سعيد وغادر دون معرفة أحد, ينظر إلى الأفق, يفكر, يتذكر......

أعتقل شقيقه الأكبر مصطفى منذ ثلاثة أشهر في الثلاثين من آذار حين رفع العلم الفلسطيني على عمود الكهرباء, وقذف زجاجة الملتوف على سيارة إسرائيلية مسرعة تذكر ابنة مصطفى الصغيرة بيسان, تذكر عائشة التي جلس معها البارحة واتفقا على الزواج, طلب منها أن يهتم بدراستها لتأخذ التوجيهي. يحلم, يتخيل شعرها الأسود الخفيف الذي يغطي نصف وجهها, وكثيرا مالا مسته أصابعه, يبتسم لعينها العسليتين الواسعتين... يتخيل خصرها.. يتذكر صديقة خالد الذي درس معه المرحلة الإعدادية في مدرسة شلبانة, كان يسكن في مخيم اللاجئين في عقبة جبر وسافر قبل عام إلى ألمانيا.

" لا بد وأنهم اعتقلوا العشرات من شبان القرية, وأنا أبحث عن مكان ألوذ به " فتش جيوبه وجد في علبة السجائر أخر سيجارة أشعلها, أخذ ينفث دخانها.

صادف أبا ربيع ورجاه أن يلف بأغنامه ليجتاز الطريق الجنوبي.

في نشرة أخبارهم المسائية تحدثوا عن " المخرب" الذي طعن جندياً إسرائيلياً ولاذ بالفرار وربما يقولون أنهم القوا القبض عليه وعلى عشرة من المشتبه بهم الذين كانوا على مقربة من الحادث... تساءل هل مات الإسرائيلي على أثر الطعنة؟

هذا الرد جاء بعد أن دمر الأوغاد بيت يوسف العبسي نسفوا بيته أمام أعين الناس وتطايرت حجارته آه لو أني أخبرت أبا زهير بما فعلت لقدم لي المساعدة وأرسلني إلى أحد أصدقائه بعيداً بدلا من الهروب داخل البساتين الآن تكون عائشة قد سمعت بهذه العملية, همست البارحة بإذنها بأنني سأقوم بعمل بطولي من أجلها. آه لو كنت قربها لمسحت دموعها, ورسمت على شفتيها قبلة الوداع.. قلت لها كيف تذكرتها مع الأشجار والطرقات وزقزقات العصافير ونسمات المساء المغادرة.

أنظرُ إلى القرية أرى حبلا طويلا من الأنوار انه حبل الزينة الذي وضعه سمير عندما فتح المكتبة, أرى أنوار الكهرباء الحمراء المتربعة على أعلى المآذنة ومجموعة الأضواء الملونة الموجودة في واجهة محلات الشاويش, لم أتمكن من رؤية بيت عائشة لوجوده شرقي القرية مبنيا على الأرض المنحدرة . سمائي الأشجار المكتظة التي يتخللها ضوء القمر مشكلا رسما هندسيا على الأرض.

لم أنم ولم تغمض لي عين الشريط في مخيلتي يتتابع أرى أمي وأخوتي وأصدقاء الطفولة ... كان وجهي باتجاه الشمس التي بزغت متحدية ظلمة الليل تذكرت الجميع, ثم خرجت من بستان الزيتون ململما بعضي بعد ليلة طويلة, أخذت من المقطع الحجري الذي فيه مسافة متر مربع مكانا ألوذ فيه عند الحاجة.

بعد أن استرحت قليلا توجهت لاشتري علبة تبغ ما أن وصلت أخر التلة قريبا من سلوان, انطلقت سيارة جيب مسرعة, بدأت أبحث عن مكان بعيد عن أنظارهم ورصاصهم, تذكرت أن ابن أبي زعيط قد راقبني خلال الأسبوع الماضي, لابد وانه أخبرهم كان يحوم حول بيتي وبالتحديد عندما خرج أبو زعفران متوجها إلى بيته, عاد وأبلغني بأن عطيه يراقب البيت من خلال أزقة الشوارع والحارات. كان يقلد الآخرين يضع الكوفية على فمه وأنفه متلثما. الجميع يعرفه لأنه مهما فعل لن يتمكن من تغطية قصر ساقه اليمنى وعرجه. ماذا يستفيد هؤلاء السفلة ولكن رحم الله من قال: " عمره ما طلع من بيت الدجاج صقور " الله يسامحك يا أبا زعيط.

أمسك الجنود أحمد قيدوه وانطلقت السيارة بسرعة بعد أن نفذت مهمتها, اهتزت وارتجفت ومالت يمينا من السرعة. كانت رائحة الجندي الذي يجلس إلى يساره نتنة لم يستحم منذ فترة, دخل القدس ووصل سجن المسكوبية, شده أحدهم من شعره وركله بقدمه, شعر بألم شديد في خاصرته ضربه على فمه فبصق دما...

ابن الكلبة لا يرحم يضرب بقسوة ووحشية يتمتم أحدهم ويقول لابد وأن تعترف أمام الجنرال شلومو, وإلا رحمة الله عليك, سرعان ما حضرت عائشة في مخيلتي وتذكرت أنها قالت بعد ثلاثة أشهر سأتقدم للامتحان الأخير, يومها تحدثنا عن الحب وقبلتها على شفتيها.

أخشى ابن عمها رشدي أن يعطل الزواج, لكنها سترفض الزواج منه لأنها أعطتني وعداً لن يستطيع أحد في الدنيا أن يغير قناعتها. قالت يوماً بأنها تكره الكاراتيه من أجل رشدي, وتحب الموسيقى والشعر والسباحة.

لا أدري كيف عدت بأفكاري وقلت بيني وبين نفسي أنني معتقل الآن وأمي مريضة بالسكري منذ خمس سنوات, وتوفي خالي منذ شهرين وطال اعتقال مصطفى, أخي أيمن لم يبعث حتى رسالة منذ أشهر أنه بعيد يدرس في بلغاريا. ماذا تعمل المسكينة؟ وهل ستتحمل كل ذلك؟

شكل الزنزانة غريب, سقفها واطئ بابها أسود ضيقة لها رائحة أنها ليست بمواصفة الزنزانة التي تحدث عنها زيد أذكر يومها أنه قال الزنزانة طولها مترين وعرضها متر وارتفاعها يتجاوز الثلاثة أمتار. أما الزنزانة اللعينة لا أدري لماذا وضعت هنا؟ ربما لفترة مؤقتة أي بعد التحقيق الأول سيتم نقلي إلى مكان مريح أتمدد فيه كما أشاء وأرفع رأسي دون أن أخاف عليه من الارتطام بالسقف, في هذه الزنزانة لا أستطيع أن أمارس الرياضة ولا النوم, فجأة حضر أحدهم وطلب تعبئة الاستمارة عندها بصقت على الورقة, لم أتمكن من تعبئتها ولم أجب على السؤال الذي يقول هل أحد من أقاربك في السجن....

هذه الزنزانة تصلح لتربية الخنازير ولكن الخنازير لا يمكن أن تعيش في مكان كهذا في أرضية الزنزانة ثقب مغطى بقطعة من الحديد لقضاء الحاجة " أنها دورة المياه: وعلى مستوى الثقب باتجاه الحائط حنفية من النحاس يزيد عمرها عن عمره... لا ضوء... لا شمس... لا صوت إلا ضحكة مجندة طرقت سمعه.

كل يوم تفتح طاقة صغيرة من أسفل الباب الأسود لرمي وجبات الطعام الثلاث.

فقدت شهيتي للطعام وأصاب معدتي الإمساك.

في اليوم الحادي والعشرين طلبت للتحقيق, حققوا معي وأنا عاري الجسد يديٌ مقيدتان وضعوا كيساً أسود على رأسي فلم أعد أرى شيئاً... الأسئلة تنهال وهي بحاجة إلى إجابة ترضي مزاجهم.

أين كنت يوم 25 نيسان ويوم 19 أيار و22 أيار هل جاءت هذه التواريخ مصادفة, أم أنها مفبركة..؟!!

أين كنت في هذه الأيام؟

يبدو أنني قد نسيت هذه التواريخ ماعدا يوم 25 نيسان الذي صادف يوم الاثنين عندما حفرت أسمي وأسم عائشة على شجرة ألكينا الكبيرة وفي اليوم نفسه سهرت عند شوقي وحدثته حول مستقبل علاقتي مع عائشة.

انقطعت أفكاري عندما ركلني بقدمه, قال: أين كنت في هذه التواريخ. أجبت المحقق حول اليوم الذي أذكره... عندما تذكرت كلمات أمي وهي تقول أخاف أن تطويني الأيام ولا أرى مصطفى.

أطفأ ابن الكلبة السيجارة في عنقي, صرخت, أنهال يضربني بالكرباج أينما تأتي الضربة, ضربة موجعة في ظهري, صرخت ثانية شعرت بهزة عميقة وعنيفة, ضربني بالحائط نشف ريقي وارتجف جسمي, جاء دور الكهرباء سرت رجفة في قلبي فتسرع نبضاته أبذل جهداً كبيراً لا تنفس, ارفع حواجبي لاأرى أو لا ألمح النور, سمعت أحدهم يطلب موشي للرد على مكالمة هاتفية. خرج من غرفة التحقيق وأنا أعد خطواته.

عاد سريعاً وقال للجندي علقهُ... رأسي للأسفل الأرض تدور بسرعة شيئ ثقيل يضغط على قلبي, اشعر بأن أحشائي تندلق.

دوار في الرأس ضغط قوي على دماغي الآلام شديدة في معدتي.. استفرغت ولكن لا شيء سوى بعض قطع الدم التي شعرت بثقلها في أحشائي إضافة إلى نزيف من انفي.

ارتميت أرضاً.. صاح المحقق اعترف, لم يسعفني اللسان, عيناي تجولان في المكان وتتفقدانه, ثم تغطان في إغمائه جديدة.

دخلت الزنزانة بعد أن فك قيدي وأزاح الكيس عن رأسي, زنزانة وسخة, تحتوي في أحد زواياها قطع بطانيات عسكرية شممت رائحة البطانيات, كدت أراجع أصابني صداع رائحة كريهة, لن أتمكن من وضع هذه القطع على وجهي عندما أنام سأرميها عند قدمي واضع قطعة تحت رأسي

الدم ينز من راسي أثر ضربة قوية وشعرت بأن عظمة قدمي قد انطحنت.

لا أستطيع أن أدوس عليها, صفير في أذني و بعدها انسدت ولم أسمع, أحمد ثانية أمام المحقق, الألم في مفاصله, في رأسه وأسفل قدميه وقف رافعاً رأسه والقيد بيديه لم ير شيئاً سوى ظلمة الكيس الأسود, ضاعت الاتجاهات والزمان والمكان واختلط الليل بالنهار.

طلب المحقق من أحمد الجلوس ولكنه تمنى لو أنه بقي واقفاً, قذفته الكهرباء ارتمى تحت أقدام أحد الحراس الذي داس على رأسه وطلب منه الوقوف ثانية.

هذه المرة ارتجف ونبض القلب للكهرباء وليس لعائشة مع صداع قوي وألم شديد وركل ولكمات, تذكر مصطفى أمه التي يزيد عمرها عن الخمسين عاما وتخيل أبا جعفر الذي حدثه عن الليلة الأولى لاعتقال مصطفى وأساليب التعذيب.

طلب المحقق إليه أن يرفع الكيس عن رأسه. صدرت من أحمد عبارة فك قيدي ضحك المحقق وأزال الجندي الكيس. أسلوب جديد ليعترف وينتهي التحقيق, حدق ملياً رأى على الطاولة الحديدية زجاجتين من الكولا ودولاب في زاوية الغرفة وكرباج معلق على الحائط, ربما يطلب إليه أن يشرب الكولا ضيافة بدل القهوة. لكنه لا يرغب هذه الضيافة وفي هذا المكان, يتمنى أن ينتهي التحقيق ويعود لأخيه... نظر نظرة ازدراء للمحقق الذي لم يبلغ الثلاثين من عمره... انه يكبره بأربع سنوات... لم يشتكي والموت أمام عينيه تمتم قائلا: " الصبر جميل ولا بد من أن ينتهي التحقيق لا أعود وأنسى كل العذابات لن ينالوا مني شيئاً حتى لا يقال في القرية أنني قد اعترفت" لا أستطيع أن أتحمل صفة الجبن والخيانة. حدق إلى عيني المحقق الزرقاوين وشعره الأشقر, أنفه طويل أشبه بأنوف الأسكندنافيين. قال بحدة: خلصنا وأعترف.. صمت ثم بدأت شتائمه تنهال, صاح في وجه العسكري أعيدوه إلى وضعه السابق, واخلعوا ملابسه كل ملابسه, عرف أن عذابا جديداً ينتظره نسي الألم السابق وبدأ يفكر بنوع التعذيب الجديد... ربما الماء المضغوط, تقدم اثنان منه وامسكوه من يديه ثم أجلسوه على زجاجة الكولا , صاح.., بقع حمراء لطخت أرض الغرفة ... امتزج الألم بالصراخ..رفسه أحدهم وأمره بارتداء ملابسه لم يتمكن من ذلك الألم في كل مكان ويداه مقيدتان . أفكار غريبة وتصورات جديدة للموت وارتفاع في درجة الحرارة. دخل الغرفة ممرض أسمر اللون وأعطاه ضمادات " قطن ومطهر "

ورماه السجان في زنزانة جديدة ألوانها داكنة وبابها مصفح أسود اللون تصور خيطان العنكبوت موزعة بين السقف وأرض الزنزانة والحشرات جاهزة للانقضاض.

طاقة صغيرة تحت السقف وأخرى باتجاه اليسار ولكن قضبان الحديد متداخلة . سقفها واطئ هنالك بقع سوداء على الحائط وأسماء محفورة على جدران الأسمنت وثقوب في الحائط. أشبه ما تكون بحمام قديم...لا مكان في هذه الزنزانة لقضاء حاجته, قرع الباب بيده اليمنى لم يرد عليه أحد وظل مواصلا القرع حتى كلت يمينه وجلس ينتظر.

مساء فتح الباب هرول باتجاه المرحاض ولكنهم لم يتركوه يكمل قضاء حاجته,ردوه بسرعة . كان يتمنى استدعاءه للتحقيق مشتاق لرؤية أمه وأصدقائه وحبيبه عائشة , بعد ثلاثة أيام من دخوله الزنزانة استدعى للتحقيق هذه المرة بتكون الأخيرة, أمسكه عسكريان من يديه, العسكري الذي على يمينه أحاط رقبته بيده فكاد يختنق, ما هذه المفاجأة. المحقق يكبر والده رحمه الله ولكن شتان مابين الاثنين. مشى البارحة حوالي أربعمائة مرة ذهابا وإيابا بين الحائط والحائط ابتسم المحقق وقال له اجلس على الكرسي أعطاه سيجارة بعد أن أشعلها وطلب له القهوة. قال: صارحني لأفرج عنك وأتوسط لك عند الجنرال. من أرسلك لتنفيذ عملية الطعن ومن كان يراقب لك الطريق. أسئلة بحاجة إلى إجابة تمنى أن يبقى مع المحقق أطول فترة ممكنة القهوة والجلوس على الكرسي والسيجارة. قد تكون هذه جلسة الختام وبعدها يعود إلى أهله وأصحابه إلى أمه الحنونة وعائشة الغالية.. قال المحقق: اليوم تكون بين أهلك إذا تحدثت الصحيح, بشرط اثيات عنوانك وحضورك أسبوعياً ولهذا الغرض أعطيك بطاقة تدخل متى تشاء- تذكر أبا زعفران الذي شُلت يده اليمنى من تعذيبهم عندما رفض التعامل معهم, سأتحمل اللكمات والضربات والكهرباء, المهم أن أعود إلى أهلي دون أن اتلون, طوال فترة التحقيق السابقة لم يحصلوا على شيء, حتى التقارير المقدمة من قبل الجواسيس لم تفدهم بشيء. أن أبو زعيط لم يكن دقيقاً في تقاريره ولم يعرف شيئاً عن الاجتماعات التي عقدها طوال الأسبوع الماضي. ولا الأمكنة التي ارتادها.

أجبت المحقق الكهل لا جديد عندي, لقد قلت كل ما أعرفه. ضربه العسكري الذي على يساره ترنح وارتمى أرضاً, داس على رأسه...

قال المحقق: لن أرحمك يا ابن القاف والشين, سأبعدك إلى لبنان ولن تعود ثانية.

تذكر أبا زعفران ومجاهد أبا الفتوح وأبا الليل المبعدين في سوريا منذ ثلاثة سنوات, قال في نفسه لايهم هذا إذا خرجت دون عاهة سأرسل إلى عائشة ونتزوج وسيكون حفل زفافنا عند بيت خالي في مخيم عين الحلوة.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل