المحتوى الرئيسى

اقتران العداوة والبغضاء في القرآن.. حكم وأسرار

06/12 21:46

بقلم: د. توفيق علي زبادي

قرن سبحانه وتعالى بين العداوة والبغضاء في مواضع من كتابه الكريم، ذكر فيها سبحانه أنه أغرى بين النصارى بعضهم البعض بالعداوة والبغضاء؛ لأنهم نسوا ما ذكِّروا به من عهد الله إليهم من اتباع أمره، والانتهاء عن نهيه.

 

وألقى بين اليهود بعضهم البعض بالعداوة والبغضاء؛ لأنهم ازدادوا طغيانًا وكفرًا برسالة النبي الكريم، وأخبر تعالى أن طوائف اليهود سيظلون إلى يوم القيامة يعادي بعضهم بعضًا، وينفر بعضهم من بعض، كلما تآمروا على الكيد للمسلمين بإثارة الفتن وإشعال نار الحرب ردَّ الله كيدهم، وفرَّق شملهم، ولا يزال اليهود يعملون بمعاصي الله مما ينشأ عنها الفساد والاضطراب في الأرض، والله تعالى لا يحب المفسدين.

 

وإذا كانت العداوة والبغضاء حدثت بين النصارى بعضهم بعضًا، وبين اليهود بعضهم بعضًا، وبين اليهود والنصارى، فليس بعيدًا أن ما حدث بين المسلمين من العداوة والبغضاء؛ بسبب تركهم لأوامر الله فلم يمتثلوا بها، ونواهي الله فلم ينتهوا عنها.

 

فهذه سنة الله في الخلق إذا نسوا أوامر الله ونواهيه ألقى بينهم العداوة والبغضاء، فلنأخذ حذرنا من ذلك.

 

عدا:

العَدُوُّ: التّجاوز ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب، فيقال له: العَدَاوَةُ والمُعَادَاةُ، وتارة بالمشي، فيقال له: العَدْوُ، وتارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة، فيقال له: العُدْوَانُ والعَدْوُ، وتارة بأجزاء المقرّ، فيقال له: العَدْوَاءُ، يقال: مكان ذو عَدْوَاءَ، أي: غير متلائم الأجزاء (1).

 

والمعنى الأول هو موضع مقالنا: التّجاوز ومنافاة الالتئام بالقلب.

 

بغض:

البُغْض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه، وهو ضد الحبّ، فإنّ الحب انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه (2).

 

الفرق بين العداوة والبغضاء:

العداوة: كراهية تصدر عن صاحبها مثل: معاملة بجفاء، أو قطيعة، أو إضرار؛ لأن العداوة مشتقة من العدو، وهو التجاوز والتباعد، فإن مشتقات مادة "ع د و" كلها تحوم حول التفرق وعدم الوئام.

 

وأما البغضاء فهي شدة البغض، وليس في مادة "ب غ ض" إلا معنى جنس الكراهية فلا سبيل إلى معرفة اشتقاق لفظها من مادتها.

 

فالبغضاء شدة الكراهية غير مصحوبة بعدو، فهي مضمرة في النفس (3).

 

العداوة والبغضاء بين النصارى بعضهم بعضًا:

وقال تعالى: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)﴾ (4).

 

قال الطبري- رحمه الله- لَمَّا تَرَكَ النَّصَارَى الَّذِينَ أَخَذْتُ مِيثَاقَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِعَهْدِي حَظَّهُمْ مِمَّا عَهِدْتُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِي وَنَهْيِي أَغْرَيْتُ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، وكَانَ إِغْرَاؤُهُ بَيْنَهُمْ بِالأَهْوَاءِ الَّتِي حَدَثَتْ بَيْنَهُمْ (5)، فسلطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضًا، ومعاداة بعضهم بعضًا إلى يوم القيامة، وهذا أمر مشاهد، فإن النصارى لم يزالوا ولا يزالون في بغض وعداوة وشقاق (6).

 

العداوة والبغضاء بين اليهود بعضهم بعضًا:

قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)﴾ (7).

 

فلا يتآلفون، ولا يتناصرون، ولا يتفقون على حالة فيها مصلحتهم، بل لم يزالوا متباغضين في قلوبهم، متعادين بأفعالهم، إلى يوم القيامة (8).

 

ما السر في إسناد الإغراء والإلقاء إِلَى اللهِ تَعَالَى؟

إِسْنَادُ- الإغراء- إِلَى اللهِ تَعَالَى مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ الاخْتِيَارِيَّةِ سَبَبًا وَمُسَبَّبًا؛ لأنه مِنْ مُقْتَضَى سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ، فَهَذَا جَزَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)﴾ (المائدة) عِنْدَمَا يُحَاسِبُهُمْ فِي الآخِرَةِ، يُنَبِّئُهُمُ بِحَقِيقَةِ ضَلالِهِمْ، وَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (9).

 

الفرق بين الإغراء والإلقاء:

قال تعالى في حقِّ النصارى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (المائدة: من الآية 14).

 

حقيقة الإغراء حث أحد على فعل وتحسينه إليه حتى لا يتوانى في تحصيله؛ فاستعير الإغراء لتكوين ملازمة العداوة والبغضاء في نفوسهم أي لزومهما لهم فيما بينهم (10).

 

وقال في حقِّ اليهود: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (المائدة: من الآية 64)
الإِلْقَاءُ: طرح الشيء حيث تلقاه، أي: تراه، ثم صار في التّعارف اسمًا لكلِّ طرح (11)، فالأغراء أشد من الإلقاء.

 

ولذلك هناك فارق بين عداوة اليهود فيما بينهم وعداوة النصارى فيما بينهم، عداوة اليهود فيما جرّه عليهم تحريفهم للتوراة فهي عداوة محددة بتحريف التوراة، أما عداوة المسيحيين فيما جرّه عليهم الإيمان بتحريفات اليهود، فصاروا كاليهود في استحقاقهم العقوبة، أضافوا إلى ذلك تحريفهم الإنجيل، فزادوا على اليهود في نزول العقوبة عليهم؛ لأنهم أخذوا بالمحرّف وحرّفوا ما عندهم فيستحقون العقاب الأولى، هذه العقوبة الأَوْلى نحن نلمسها: نجد اليهود مختلفين لكن قد يتفقون في الظاهر؛ لأن خلافهم في الغالب في قضايا الحياة الدنيا، في الماديات، في المصالح، أما النصارى فيختلفون في المصالح كاليهود، يضاف إلى ذلك أنهم اختلفوا في طبيعة نبيّهم، أي في أصل من الأصول: هل المسيح- عليه السلام- إنسان حلّت فيه روح الله؟ هل هو ابن الله؟ صاروا فرقًا وصاروا في هذا يعتمدون الرهبان والكُهّان، بل أكثر من ذلك صار الكاهن مما هو مدوّن في التوراة يملك الغفران، ولذلك في التوراة يقول: إذا فعل إنسان ذنبًا يأتي إلى الكاهن فيُقدّم قربانًا فيغفر له الكاهن، ولا يقولون: فيغفر له الله، وهذا نص من التوراة. وقلنا نص التوراة يؤمن به اليهودي والمسيحي على حدٍّ سواء، فلما وصلوا إلى هذا الحد عند ذلك استحقوا أن يعاقبوا، هذا الجرم من التحريف ومن التزام التحريف جاء فيه العقوبة، قلنا إن النصارى ينبغي أن تكون عقوبتهم مضاعفة، لذا استعملت معهم كلمة (فأغرينا)، وأصل الكلمة مأخوذة من الغراء الذي هو نوع من الصمغ اللاصق، فأغرينا معناها ألقينا بينهم العداوة وألصقناها بهم فهي لاصقة بهم.

 

إلقاء العداوة والبغضاء عقاب من الله لليهود والنصارى لبغضهم للمسلمين:

ففي هذه الآيات إيماء إلى أن الله عاقبهم- أي اليهود والنصارى- في الدنيا على بغضهم المسلمين بأن ألقى البغضاء بين بعضهم وبعض، فهو جزاء من جنس العمل، وهو تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يهمه أمر عداوتهم له، فإن البغضاء سجيتهم حتى بين أقوامهم، وأن هذا الوصف دائم لهم شأن الأوصاف التي عمي أصحابها عن مداواتها بالتخلق الحسن (12).

 

فإذا كانت العداوة والبغضاء عقابًا لليهود والنصارى على بغضهم للمسلمين، فهي عقاب أيضًا لأي مبغض للعاملين للإسلام.

 

وهذه الآيات تسرية وتسلية لأهل الحق والمصلحين، أنهم لن يصيبهم بغض هؤلاء ولا عداوتهم؛ لأن الله وليهم يخرجهم الظلمات إلى النور، ويعينهم ويؤيدهم وينصرهم، ويخذل عدوهم.

 

ألا فليطمئن أهل الحق لقدر الله، فهم أهل الله، وكتيبة الله، وجند الله، وحزب الله، وقد قال فيهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56)﴾ (المائدة) (13).

 

تساؤل: إن قيل: كيف أُغرِيت بينهم العداوة وهم لم يزالوا إلبًا على المسلمين؟

 

فجوابه: إن العداوة ثابتة بينهم في الدين بانقسامهم فرقًا، وذلك الانقسام يجر إليهم العداوة وخذل بعضهم بعضًا، ثم إن دولهم كانت منقسمة ومتحاربة، ولم تزل كذلك، وإنما تألبوا في الحروب الصليبية على المسلمين، ثم لم يلبثوا أن تخاذلوا وتحاربوا، ولا يزال الأمر بينهم كذلك إلى الآن.

 

وكم ضاعت مساعي الساعين في جمعهم على كلمة واحدة وتأليف اتحاد بينهم، وكان اختلافهم لطفًا بالمسلمين في مختلف عصور التاريخ الإسلامي، على أن اتفاقهم على أمة أخرى لا ينافي تمكن العداوة فيما بينهم، وكفى بذلك عقابًا لهم على نسيانهم ما ذُكِّروا به (14).

 

العداوة والبغضاء المشروعة بين المؤمنين والكافرين:

قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4)﴾ (15).

 

أي: قد شُرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبدًا نتبرأ منكم ونبغضكم، إلى أن تُوحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأنداد والأوثان (16)، فإذا آمنتم بالله وحده، زالت العداوة والبغضاء، وانقلبت مودة وولاية (17).

 

فالكفر موجب للعداوة والبغضاء بين المؤمنين والكافرين.

القرآن يحض المؤمنين على الابتعاد عن مسببات العداوة والبغضاء:

1- اجتناب الخمر والميسر:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ (91)﴾ (18).

 

يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: اتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله، خصوصًا هذه الفواحش المذكورة، وهي الخمر وهي: كل ما خامر العقل أي: غطاه بسكره، والميسر، وهو: جميع المغالبات التي فيها عوض من الجانبين، كالمراهنة ونحوها، والأنصاب التي هي: الأصنام والأنداد ونحوها، مما يُنصب ويُعبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون بها، فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر، وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها.

 

فمنها: أنها رجس، أي: خبث، نجس معنى، وإن لم تكن نجسة حسًّا.

 

والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها.

 

ومنها: أنها من عمل الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، ومن المعلوم أن العدو يُحذر منه، وتُحذر مصايده وأعماله، خصوصًا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم قي البعد عن عمل العدو المبين، والحذر منها، والخوف من الوقوع فيها.

 

ومنها: أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو: الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومعوقة له.

 

ومنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بثها، خصوصًا الخمر والميسر؛ ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء.

 

فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصًا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل.

 

وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء.

 

ومنها: أن هذه الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خُلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى تمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو؟

 

فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها، وتحول بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟ "فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟"، ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضًا بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ(91)﴾ لأن العاقل- إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد- انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ (19).

 

ويحدث في شرب الخمر- أيضًا- من إثارة الخصومات والإقدام على الجرائم، وما يقع في الميسر من التحاسد على القامر، والغيظ والحسرة للخاسر، وما ينشأ عن ذلك من التشائم والسباب والضرب، على أن مجرد حدوث العداوة والبغضاء بين المسلمين مفسدة عظيمة؛ لأن الله أراد أن يكون المؤمنون إخوة إذ لا يستقيم أمر أمة بين أفرادها البغضاء، وفي الحديث: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوان" (20).

 

2- عدم طاعة الذي يمشي بين الناس بالنميمة:

قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10)﴾ (21) أي: كثير الحلف، فإنه لا يكون كذلك إلا وهو كذاب، ولا يكون كذابًا إلا وهو ﴿مَهِينٍ﴾ أي: خسيس النفس، ناقص الهمة، ليس له همة في الخير، بل إرادته في شهوات نفسه الخسيسة.

 

﴿هَمَّازٍ﴾ أي: كثير العيب للناس والطعن فيهم بالغيبة والاستهزاء، وغير ذلك.

 

﴿مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ أي: يمشي بين الناس بالنميمة، وهي: نقل كلام بعض الناس لبعض، لقصد الإفساد بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء (22).

 

وهذه الصفات كما تصدق على الفرد تصدق على المؤسسات والهيئات التي هدفها الإفساد بين المؤمنين بعضهم البعض، وبين المصلحين، وبين عموم الأمة.

 

ألا فليحذر المصلحون من سعي هؤلاء للإيقاع بينهم وبين بعضهم البعض، وبينهم وبين عموم الشعب.

 

والذي يتولى كِبْر هذا: الإعلاميون، ومن سار على نهجهم، واقتفى أثرهم.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل