المحتوى الرئيسى

وليد عثمان : ما كانش العشم يا شرف

06/12 20:13

حينما بث خبر استقبال الدكتور عصام  شرف،رئيس الوزراء، ثلاثة من فلاحي مصر، والثورة لم تزل في أيامها الأولى،استبشر أهلنا الفلاحون على امتداد مصر . وبدا من هذا المشهد الذي كانت سيدة إحدى نجماته، بل قيل إن شرف حمل لها ،بتواضعه المعهود حذاءها ورفض أن تجلس في حضرته على الأرض، أن رئيس وزراء مصر الجديد مصمم على أن يمحو أثار ما يمكن أن أصفه بضمير مستريح بأنه أكبر جريمة ارتكبها مبارك في حق مصر.

الجريمة التي لا تغتفر هي استهداف عصب مصر ، وهو الفلاح، في ثلاثيته المقدسة: الأرض والماشية والدار. وفى حين ترك مبارك لنفسه وبطانة سوئه ومن تبعهم بإفساد عنان السطو على مقدرات الوطن، لم يهن عليه أن يبقي على بعض الأمل في غد أخضر وأصر على تجريفه حتى أخر قطرة ماء ترويه أو قطعة طين تحتضن بذرة.

وفي هذا العهد الفاسد ضاعت ، من جملة ما ضاع، ثلاثية الفلاح: الأرض والدار والماشية، وهي، لمن لا يعلم، كانت المعادل للابن والستر والصحة، بل أغلى منها في أوقات كثيرة.

ومن أسف أن الصورة المستبشرة التي رسمها الدكتور شرف باستقباله الفلاحين الثلاثة ورأى فيها الفلاحون بداية لاسترداد ما ضاع لعقود لم تكتمل، بل وانتهت مبكرا بضياع قيمة ثالثة هي الحرية.

تركت الحكومة المجال لـ “طوب الأرض” ليتظاهر، وأحرق من أحرق، ودمر من دمر، ووصل الاحتجاج في أحيان إلى حد مس عصب سيادة الدولة ولم تقدر على أن تتسلح في مواجهته بقانون تجريم الإضرابات والتظاهر.

وضبطت الحكومة أعصابها كثيرا، وقالت مرات إنها لن تستخدم هذا القانون إلا ضد من يعطل عملا أو يستهدف مقدرات منشأة. وفجأة لم تجد الحكومة أمامها لتجرب عليه تطبيق القانون إلا عزلا من بلاغة أفندية السياسة وبلطجة بعض المطالبين بحقوق . وهكذا سقط عمال وفلاحون في قبضة القانون ، لا لأنهم كسروا أو أحرقوا ،إذ كان تظاهرهم أمام مجلس الوزراء وليس في مصنع أو أشركة ، ولكن لأنهم خرجوا مع الخارجين ليصرخوا ويطلقوا آهة كتموهاعقودا.

صبر الفلاحون طويلا وباتوا عراة  ببطون خاوية وأراضيهم التي أفنوا فيها أعمارهم تقترب من الموات وهي تتجرع سماَ ومواشيهم يضربها الهزال ودورهم مهددة بالإزالة ،بينما خيرات مصر تذهب بغير جهد إلى من لايستحق بمباركة من لايملك.

عرف الفلاحون الجوع حين عقمت أرضهم المسمومة بمبيدات يوسف والي ، وأجبروا أن يدفعوا ثمن هذه المبيدات أضعافا مضاعفة ، وسيقوا إلى أقسام شرطة ومحاكم بإيعاز من بنوك التسليف الزراعي وهيئة الأوقاف. لم يعرف الفلاحون مواسم الفرح منذ سنوات طويلة، ولم يعد الحصاد يعني أن يزف افلاح ابنته ولا أن يعين ابنه على الزواج، وصار منتهى الأمل أن يجدوا ققوت يومهم.

وكانت النتيجة أن توزعوا بين البقاءء في مصر وهم أسرى الحسرة على أرضهم وأنفسهم أو وادعها والهجرة .

وحينما استقبل رئيس الوزراء الفلاحين الثلاثة ، توهموا أنها التباشير أو النوار يعود إلى الأرض والدار والماشية ، لكن الصفعة جاءت من قانون الدكتور شرف نفسه .

تصور الفلاحون أنهم حين يحتمون بالرجل الذي أعاد إليهم الأمل سيمن عليه بتحية أو ابتسامة تؤكد أنه عند وعده لهم، لكن الأمل انتهى بهم في “التخشيبة”.

ضاق بنفر من فلاحي مصر قلب العاصمة ومسؤوليها الذي أكرموا وفادتهم بليال موحشة في قبضة الشرطة.

وإذا قدر لهم الخلاص فثقوا أنهم لن يفرحوا بحريتهم ،فحياتهم القاسية تساوي الموت، لكنهم سيودعون  قاهرتكم  مكسوري الخاطر وعلى ألسنتهم جميعا قول واحد: ماكانش العشم ياشرف.

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل