المحتوى الرئيسى

"الاقتصاد السياسي" للإعلام!* بقلم:جواد البشيتي

06/12 18:37

"الاقتصاد السياسي" للإعلام!*

جواد البشيتي

الإعلام كالمجتمع، له "بنيته التحتية (الاقتصادية)"، و"بنيته الفوقية (السياسية والفكرية..)"؛ وكالتاريخ، يستقيم ويصح فهمه، ويتيسر تمييز الحقائق فيه من الأوهام، إذا ما سعينا في تفسيره تفسيراً اقتصادياً، فإنَّ لِمَا يمكن تسميته "الاقتصاد السياسي للإعلام" أهمية قصوى في فهم وتفسير ظواهر حياتنا الإعلامية والصحافية.

الصحافة، وبصفة كونها "سلطة رابعة"، حان لها أن تنعم بمبدأ "فصل السلطات"، وبالاستقلال الاقتصادي عن السلطة التنفيذية، بصفة كونه الأساس الصلب والوطيد لاستقلالها الإعلامي والسياسي والفكري..؛ وإنَّ "الفصل بين التجارة والصحافة" يجب أنْ يُضاف إلى "الفصل بين الدين والدولة"، و"الفصل بين الدين والسياسة"، وإلاَّ لن يبقى من "مساحة الحرِّية" إلاَّ بضعة سنتيمترات مربَّعة في داخل جُمْجُمَة الإنسان!

"الحكومة"، أي كل حكومة، ليست بجمعية خيرية، تعمل لوجه الله تعالى، وتتوفَّر على أعمال البرِّ والإحسان، لا تريد جزاءً أو شكوراً؛ وينبغي لنا، من ثمَّ، ألاَّ نضرب صفحاً عن أمرٍ هو في منزلة البديهية والمسلَّمة، وهو أنَّ الحكومة تتَّخِذ من اشتراكات وزاراتها ومؤسساتها في الصحف، ونشر إعلاناتها فيها، سياسة للسيطرة والإخضاع، تشبه كثيراً سياسة العصا والجزرة، فالعصا هي أن تُسْبِغ على صحيفة نعمة "الاشتراك" و"الإعلان"، والجزرة هي أن تَمْنَع عنها هذه النعمة.

و"القوَّة (الحكومية) الناعمة"، بوجهيها، أي "الاشتراكات" و"الإعلانات"، إنَّما يستعملها، في المقام الأوَّل، ذوو النفوذ في الوزارات والمؤسسات الحكومية، دفاعاً عن "سياسة" ترتضيها وتحبِّذها مصالح شخصية وفئوية ضيِّقة، هي، عادةً، في تعارُض مع مصالح عامة؛ وهُمْ يستعملونها إيجاباً لتأليف قلوب الصحف، وسلباً للعقاب والردع.

ولقد أصبح أمراً في منزلة أركان الدين، ومسلَّمات الإيمان الديني، لا يُجادَل فيه، ولا يُعْتَرض عليه، أنْ تُحْجَب "الحقيقة" عن أبصار وبصائر ذوي المصلحة في إظهارها، أي الشعب، أو تشوَّه وتُمسَخ، على أيدي من كان ينبغي لهم أن يكونوا سعاةً إليها، وحُرَّاساً عليها، بدعوى أنَّ نشرها يمكن أن يلحق بالصحيفة ضرراً اقتصادياً كبيراً، عائداً بالنفع والفائدة، من ثمَّ، على منافسيها من الصحف.

إنَّنا في مجتمعٍ يَشْهَد اتِّساعاً لظاهرة "العائلات التجارية ـ السياسية"، ومزيداً من الاندماج والتداخل بين "عالم الأعمال (البزنيس)" و"عالم السياسة"، حتى أصبح من الصعوبة بمكان تمييز "التجَّار" من "الساسة"، و"التجارة" من "السياسة".

وثمَّة رجال أعمال ومستثمرون أصبح لديهم من تشابك المصالح الاقتصادية والمصالح السياسية ما شدَّد الحاجة لديهم إلى تملُّك أدوات إعلامية كالصحف.

إنَّه نمط من الإعلام، اسْتَحْدثته مصالح وحاجات تلك العائلات، لا يستهدف أصحابه ربحاً، أو معدَّل ربح، كالذي يستهدفونه في مشاريعهم الاقتصادية والتجارية والاستثمارية العادية، فإذا خَسِر فإنَّه لا يخسر إلاَّ ليعود على أصحابه بالربح والنفع والفائدة في "العالم الآخر" حيث كل شيء خير وأبقى.. أي في "عالم السياسة"، أو في "عالم الأعمال ـ السياسة".

وهذا الإعلام، الذي يُسْتَنْبَت في تربة "القطاع الخاص"، ويترعرع ويزدهر في مناخه، يمكن أن يجنح لشيء من الليبرالية، توصُّلاً إلى حيازة واكتساب مزيدٍ من النفوذ الشعبي الإعلامي؛ لكنَّه مهما علا وارتفع وحلَّق بعيداً، في قضايا وأمور ليست بالجوهرية، لن يَخْرُج، في غيرها، أي في القضايا والأمور الجوهرية، عن المدار الذي ينبغي له أن يدور فيه، والذي هو كناية عن المصالح التي خدمةً لها وُجِدَت تلك الأداة الإعلامية.

مِلْكية الصحافة عندنا تطرَّفت في تناقضها، فلم نرَ حتى الآن إلاَّ صحافة "القطاع العام"، أي التي تملكها الدولة، أو صحافة "القطاع الخاص"، أي التي يملكها أفراد؛ وأحسب أنَّ هذا التناقض يُقوَّم على خير وجه بالتأسيس لصحافة مملوكة ملكية جماعية، فالجماعات الحزبية، وغير الحزبية التي يشترك أفرادها في مصالح وحاجات ما، هي التي ينبغي لها أن تتملَّك جرائد، تَعْكِس مصالحها وحاجاتها وقضاياها، وتُعبِّر من خلالها عن وجهات نظرها العامة؛ فإنَّ جريدة تموِّل نفسها بنفسها، وبالمساهمات المالية من أعضاء الجماعة المالكة لها، ومن أنصارها، هي التي يجب أن تكون الاتِّجاه الجديد في تطوُّرنا الإعلامي.

لقد ألِفْنا في المجتمع ظاهرة انفصال الملكية عن العمل، فمن يعمل لا يملك، ومن يملك لا يعمل؛ وارتضينا نحن معشر الصحافيين والإعلاميين أن تكون صحافتنا مؤسسات تقوم على هذا الانفصال، على شروره ومثالبه؛ لكن هل يبقى لدينا من رسالة إذا ما ارتضينا الانفصال الآخر، انفصال إدارة العمل عن العمل نفسه؟!

إدارة العمل في المؤسسة الصحافية ليست كإدارة الشؤون العامة للمجتمع عبر وزراء لا يملكون من الكفاءة أو الأهلية، على كثرة وجوهها وأبعادها، إلاَّ ما حَمَل نيتشه على أن يقول إنَّ البغل يظل بغلاً، ولن يصبح حصاناً، مهما سعيت في تقويته، وإنَّ الحمار لن يطير ولو اسْتَنبْتَّ له ألف جناح.

إنها لظاهرة تُظْهِر موت الصحافة عندنا، رسالةً، ومهنةً، ورجالاً، أن تنفصل إدارة العمل هذا الانفصال الفاسد، المولِّد لمزيد من الفساد، عن العمل، فيُحوَّل العلم والمعرفة والخبرة إلى جندي يأتمر بإمرة ضابط، لا يملك شيئا من هذه وتلك وذلك؛ وكل مؤهلاته هي أن يكون ممراً لكل ما يعيث في الصحافة، ورسالتها واستقلالها وحريتها، فساداً، وأن يكون معتصماً بفضيلة السمع والطاعة، مطلِّقاً "لا" ثلاثا، إلا إذا كانت في "أشهد أن لا إله إلا الله"!

أعطني صحافياً حُرَّاً، فأعطيك صحافة حرة؛ لكن كيف لنا أن نخلق الصحافي الحر، المستقل الإرادة والتفكير، المحصَّن ضد التسليع والنخاسة، ونحن نعطيه من المعاش ما يكفي لجعله في "موات (اجتماعي وإنساني وأخلاقي..)"؛ فراتب الصحافي لا يكفيه استئجار منزل ٍكوخي؛ أمَّا الهوة بين راتبه ورواتب الذين يسوسون عمله فلا يعدلها اتساعا إلاَّ الجنة التي عرضها السماوات والأرض!

ألَمْ يَحِنْ لمن يُحبُّون الصحافة الحرة، وحرية الصحافة، حُبَّاً أفلاطونياً، لا يضر ولا ينفع، أن يُؤنسنوا راتب الصحافي، ويرفعوا فيه منسوب الآدامية، وأن يضيِّقوا، في الوقت نفسه، تلك الفجوة الواسعة (التي ليس من كفاءة تبرِّرها) بينه وبين الرواتب السماوية؟!

صحافتنا كأحزابنا، تدعو إلى الديمقراطية على مدار الساعة، وتلعن وتذم كل معيق، أو عائق، لها؛ أما هي فلقد أسبغ الله عليها نعمة العيش في خارجها، وبمنأى عنها، وضدها، فصحافتنا هي الديمقراطية، في تصحرها وقحطها وجدبها وجفافها، فهُمْ يدبِّرون الأمر من سمائهم إلى أرض الصحافيين، ثم يعرج إليهم، وكأن معشر الصحافيين لا عقل لهم، ولا رأي، ولا مصلحة!

أحد أثرياء روسيا الجُدُد، قرَّر، منذ خمس سنوات، وعلى ما أفادت ورَوَت صحيفة روسية، أن يستثمر نزراً من أمواله "القارونية" حيث الغلبة، على وجه العموم، للخسارة، بمعناها الرأسمالي الضيِّق، أي حيث الرأسمال الموظَّف لا يُسْتعاد ولا ينمو إلاَّ بما يؤكِّد "الفشل" في توظيفه واستثماره.

وهذا الموضع، الذي قرَّر هذا "المغامِر الكبير" استثمار نزر من أمواله فيه، كان "الصحافة (اليومية)"؛ وقد كان له ما أراد (وهل في توصُّله إلى هذا الذي أراد ما يدعو إلى الدهشة والاستغراب؟!) فأسَّس جريدة يومية (سياسية في المقام الأوَّل) مزركشاً إيَّاها بمفردات وعبارات فضِّية وذهبية من قبيل "مستقلة"، و"حُرَّة"، "َتَنْشُد الحقيقة ولا شيء آخر سواها".

وما أنْ صَدَرَ العدد الأوَّل من جريدته اليومية "المستقلة الحُرَّة المُتيَّمة بعشق الحقيقة" حتى تعرَّض لحملة واسعة من الانتقادات القارصة، فبعض منتقديه عابوا عليه سوء خياره الاستثماري، فهذا النوع من الاستثمار ترجح فيه، على وجه العموم، كفَّة الخسارة على كفَّة الربح؛ وبعضهم أخَذَ عليه "أُمِّيته السياسية"، فهو، ذات مرَّة، تحدَّث عن الأخطاء العسكرية القاتلة التي ارتكبها ستالين في أثناء قيادته الجيش الأحمر "في الحرب العالمية الأولى"!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل