المحتوى الرئيسى

المكان والقبض علي واقعية اللحظة قراءة في رواية "أرض الخرابة" لعبد الجواد خفاجي بقلم:محمد صالح البحر

06/12 18:36

المكان والقبض علي واقعية اللحظة قراءة في رواية "أرض الخرابة" لعبد الجواد خفاجي ــــــــــــــــ محمد صالح البحر

فعاليات مؤتمر قنا الأدبي 2011م 5 -

-

--------------------------



المكان والقبض علي واقعية اللحظة



قراءة في رواية "أرض الخرابة" لعبد الجواد خفاجي

ــــــــــــــــ

محمد صالح البحر



ـــــــــــــــ

1

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ



كان لإنتشار مفاهيم النظرية الماركسية في بداية القرن الماضي أثره الواضح والكبير علي الأدب بكل أشكاله، وتلي ذلك التأثير ظهور مفهوم الواقعية في الفن والأدب بكل أشكال تطورها، بدءاً من الواقعية بمعناها العام والذي يشمل مجموع الكتابات التي ترتبط موضوعاتها وأحداثها وشخصياتها بالمجتمع المحيط دون اللجوء إلي عناصر المتخيل والأسطورة، ثم الواقعية الإشتراكية بمعناها المحدد الذي يشمل مجموع الكتابات التي ترتبط بالمجتمع في إطار رؤية محددة ومرسومة سلفاً، وصولاً إلي الواقعية النقدية، ومن ضمن المفاهيم التي أقرتها هذه النظريات عن المكان في القصة والرواية أنه يمثل الكيان الإجتماعي الذي يحتوي علي خلاصة التفاعل بين الإنسان والمجتمع وهو يحمل قدراً من أفكار ووعي الإنسان في هذا المجتمع " وقد طور الماركسيون هذا المفهوم للمكان حتى أصبح نسقاً متماسكاً ومسافة مقاسة بالكلمات وغائرة في الذات الإجتماعية، وبهذا لا يصبح المكان مجرد غطاء خارجي أو شيئاً ثانوياً، بل الوعاء الذي تزداد قيمته كلما كان متداخلاً بالعمل الفني، والنص الذي يحسن استخدام المكان إنما يسجل جزءاً من تاريخية الزمن المعاصر، وبعكسه يكون المكان عند الكاتب مجرداً من معناه الفلسفي والفكري"(1) وإذا كان هذا المفهوم يربط بين المكان والرؤية داخل النص الأدبي إلا أنه لا يعول عليه بشكل أساسي، إذ يظل المكان خارجاً عن النص الأدبي، ويتوقف إبداع الكاتب عند كيفية توظيفه لخدمة الرؤية التي يحددها بشكل مسبق، ويطوع لها كل عناصر النص، لذلك يظل المكان مجرد عنصر من عناصر القصة يحتوي علي أحداثها الخارجية حيناً ويتضافر مع الحدث حيناً آخر، لكنه لا يصل لأن يكون "العنصر المهيمن" داخله، ذلك أن الأفكار المسبقة والرؤية الأحادية للكاتب هي التي تمسك بزمام النص، ويبقي المكان نتاجاً خارجياً يتم استخدامه لخدمة الرؤية، وليس منتجاً للرؤية.

في ظل المفهوم السابق يكون الحديث عن المكان وعن خصوصيته أمراً مقبولاً عند الحديث عن أديب بعينه، أما حين يتعلق الأمر بمجموعة كُتاب ينتمون لمكان واحد فإن هذا الأمر لا يعني بالضرورة وجود مجموعة من الخصائص المشتركة التي يُضفيها هذا المكان علي كتاباتهم، إذ أنه من البديهي أن يكون لكل واحد منهم إحساسه ومفهومه الخاص عن هذا المكان، هذا المفهوم المنبثق من مغايرة المصادر الأساسية لثقافة كل كاتب وانتماءاته الفكرية، وإلا لأصبحت كتابات كل مجموعة من الكتاب في المكان الواحد متشابهة لحد التطابق، ولسمعنا بالضرورة عن مصطلحات من نوعية الأدب السكندري والأدب الجنوبي وأدب الصحراء إلي آخر التعريفات التي تربط الأدب بالمكان الذي يولد عنه، وكل ما يمكن أن يقال عن خصوصية المكان لدي كُتاب النوبة مثلاً هو محض وهم في الأساس، لأن خصوصية الأدب النوبي ــ لو افترضنا ذلك ــ إنما تنبع من واحدية التجربة المتناولة إبداعياً حتى عند الأدباء الأصغر سناً الذين لم يعايشوها، لأن الأصح هو أن يُنتج الأدب مكانه ويهبه خصوصيته، أو علي الأقل يعيد النص القصصي إنتاج المكان بشكل فني يكون قادراً علي إنتاج رؤي جديدة، لا أن يكون الأدب نتاجاً لمكان ما، وإذا كانت الإتجاهات الجديدة في الأدب ترفض أن يكون الأدب نتاجاً لفكر ما مسبق ومحدد سلفاً، فإنه بالضرورة لا يجب أن يكون نتاجاً لمكان مسبق ومحدد بظروفه الإجتماعية والتاريخية والفكرية أيضاً، إنما مثلما يُنتج النص فكره ورؤيته ودلالاته يُنتج أيضاً مكانه، وبذلك تكون الرؤية والمكان داخل النص نتاجاً منه ومحوره الأساسي نظراً لترابطهما الشديد غير المنفصم، من هنا فإنه من غير المقبول القول بخصوصية المكان، لا حين يتعلق الأمر بمجموعة كتاب، ولا حتى حين يتعلق بكاتب واحد، إنما يكون الكلام عن خصوصية المكان الذي يهبه النص للقارئ، ويقدم رؤيته من خلاله.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



2

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



المكان الذي يهبنا إياه عبد الجواد خفاجي في روايته " أرض الخرابة " هو قرية جنوبية، لكنه لا يعطينا كل القرية، بل يرسم ملامحها العامة فقط، ثم يركز نصه علي عدة أماكن هي:



1 ـ أرض الخرابة التى تبدأ بها أحداث الرواية بوجود عبد الفضيل فيها، باحثاً عن أشيائه القديمة الرثة، وتنتهى عندها أيضاً وقد تجمع فيها أهل القرية جميعاً ملتفين فى حضرة الدراويش وهم يحتفلون بمقام سيدى عبد الفضيل الذى بنوه له بعد عثورهم على دليل الولاية المتمثل فى الجريدة الخضراء المدفونة فى أرض الخرابة، وقد إرتبطت هذه الأرض بعبد الفضيل والمبروك وكلاهما أصبح ولياً وصاحب مقام فيها.

2 ـ الترعة التى غرق فيها إسماعيل وحملت أسطورته الخاصة، حيث أخفت جثمانه فلم يستطع أهل القريه جميعها العثور عليه، حتى عبد الفضيل السباح الماهر وصاحب الأسطورة الرئيسية داخل النص.

3 ـ بئر الجامع التى شهدت وقوع إسماعيل بها ونزول المبروك للخروج به من ظلماتها الدامسة، وهو ما أدى إلى مرضه الغريب بالحمى التى أصابته بلوثه عقلية، وجعلته فى أعين الناس مباركاً وولياً يستحق بأن يبنوا له مقاماً، وقد إرتبط هذا المكان بالمبروك.

4 ـ بيت أم إسماعيل والمبروك الذى شهد مرض ولوثة وممات المبروك، وإقامة حفلات الزار له بممارساتها الطقسية التي تنتمي للدراويش، ثم جلوس المبروك أمام باب البيت فى حالة مزرية حتى طفش ذات يوم حاملاً سره معه؛ وقد إرتبط هذا البيت بالمبروك وأم إسماعيل.

5 ـ مقام سيدى أبي العسران الذى يذهب إليه المحتاجون لقضاء حوائجهم وقد إرتبط بالراوى الطفل وبأم إسماعيل.

6 ـ المسطح الذى إرتبط بأحداث المعركة الدامية بين القرانيب و السعادوة، وقد شهدها الراوى الطفل ورصد أحداثها.

7 ـ منزل عبد الفضيل وأم إسماعيل الذى شهد زواجهما، كما شهد دخول الدراويش من بعده كورثه شرعيين يدينون له بالولاية، ويأخذون على عاتقهم مراعاة بناء المقام له فى أرض الخرابة.

8 ـ المسجد الذى كان دليلاً على ولاية عبد الفضيل بعد عودته من الطفشان لمجرد صلاته فيه وتوزيعه الهدايا التي جلبها معه فى ساحته الشرقية.

9 ـ المقام، مقام سيدى عبد الفضيل الذى تقام حوله حفلة الدراويش ابتهاجاً بإكتمال بنائه، لكنهم يسمعون الصوت الزاعق الذى عندما تتكشف الحقيقة يعرفون أنه صوت الهزيمة المدوية على كافة المستويات.

لقد تم اختزال الوطن إلي قرية، واختزال القرية إلي عدة أماكن محددة، ومن خلال هذه الأماكن يقدم لنا الكاتب روايته مقسمة إلى ثمانية فصول، يحمل كل فصل اسم شخصية تدل على مكان، أو اسم مكان يدل على حدث، هكذا تم اختزال القرية فى هذه الأماكن المحددة، فجاء كل فصل بما يشبه القصة القصيرة التى يهيمن المكان على أحداثها وشخصياتها، يسبغ عليهما طبيعته الخاصة ليكسبهما دلالته الجزئية، التي حين تتضافر إلي جوار بعضها تتحقق الدلالة الكلية للنص، بذلك تحققت لكل مكان خصوصيته الكاملة على جسد كل فصل وبالتالى على جسد الرواية كلها، وأصبح العنصر المهيمن الذى يحدد حركة سير بقية العناصر من أحداث وشخصيات ووصف وسرد وحركة تنمو بجسد الرواية وتدفعه للتطور، وتحولت مفردات كل مكان إلى رموز تمتزج فيما بينها لتضفير العلاقات الداخلية للنص، التى تفضى إلى الرؤية وإنتاج الدلالات.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ

3

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــ



إلي هنا ويلح السؤال، ما الحاجة التي تدعونا إلي رسم حدود المكان المُنتج داخل النص؟

إن الإجابة علي هذا السؤال قد تنطوي بشكل من الأشكال علي مفهوم عام لماهية الرواية، لقد حدد " توما الإكويني " ثلاث مزايا اعتبرها لازمة للفن هي " الوحدة والتناغم والوضوح، ويعني بالوحدة هوية الشئ الفني وانفصاله عن بقية الكون، مما يستدعي النظر إليه بمعزل عن متلقيه ومبدعه، بما يحقق توافر الشروط الأساسية اللازمة له أولاً، أما التناغم أو الإنسجام فهو الشرط الثاني الذي حين تقود خطوطه الشكلية خطواتك تدرك أنه قائم علي التوازن بين جزء منه وآخر ضمن حدوده، وأنت تعيه مركباً، والوضوح هو التألق في سكون المتعة الجمالية الصامت المتوهج، إنه العلاقة الجمالية القائمة بين جزء وآخر في الكل "(2) هذه المزايا الثلاث تؤدي إلي توازن الرواية بإعتبارها فناً علي ضوء علاقاتها الداخلية لا الخارجية، وهو الاتجاه الذي تبناه تيار النقد الجديد، الذي يحدد رؤيته للعمل الأدبي بوصفه كياناً مستقلاً في ذاته تعتمد جودته علي نوع العلاقات الداخلية القائمة، أي علي مدي انسجام تلك العلاقات ودرجة تأثيرها، وهو ما يشكل أيضاً اتجاه النقد القائم علي التحليل الذي يكشف الأسباب الكامنة في بنية النص والقبض علي المكان المُنتج داخله، وهو المكان الذي يستطيع أن يحمل رؤية النص إلي المتلقي وتتشكل من خلاله كل الملامح الأخرى.

إن رسم الحدود الخاصة بهذا المكان تتيح لنا الإمساك بالبنية الأساسية للنص بحيث يمثل في النهاية بناءً محكماً ومحدد المعالم وغاية في الإنسجام والدقة، ذلك أن الإمساك بالبنية الأساسية للنص تحقق مجموعة من العناصر الأساسية اللازمة لهذا الفن، مما يتيح له الاحتواء علي المزايا الثلاث السابقة ــ الوحدة والتناغم والوضوح ــ ويحقق له القدر المطلوب من الجودة والتأثير، فهو يتيح لنا ما تطلق عليه النزعة الشكلية الروسية بـ " العنصر المهيمن " وهو " العنصر الذي يحتل البؤرة من العمل الفني، والذي يحكم غيره من العناصر أو المكونات ويحددها ويحورها "(3) بحيث تصبح العناصر الأخرى من حدث وشخصيات ولغة ووصف وسرد وزمان..... إلخ ليست من قبيل القطع الجاهزة التي يحركها الكاتب داخل النص كما يشاء، إنما تصبح هذه العناصر منطلقة من الحدود الهندسية للمكان، وموجهة لخدمة الرؤية المُراد ابرازها من النص، إن جعل المكان هو العنصر المهيمن داخل الرواية يجعلنا نمسك بالعناصر الأساسية اللازمة لها، والتي يمكن أن نحددها في ثلاث عناصر علي ترتيبها كالآتي:

1ــ القبض علي ميكانيكية الزمن وتعدد الشكل الفني.



حيث تتجلي مقدرة الكاتب السردية علي الحركة داخل محيط مكان واحد محدود، في لحظة زمنية محدودة أيضاً ومكثفة، يتم تعميقها عن طريق الايغال الرأسي والتحليل وقليل من البطء الذي لا يعيق التدفق اللغوي وانسيابيته، الأمر الذي من شأنه أن يطلق الطاقة التخييلية للكاتب إلي أقصي إمكانياتها في القدرة علي خلق تكنيكات وأساليب وأشكال قد تكتسب صفة الخصوصية في خلق بناء روائي متميز، كما يمكنه ذلك من استخدام الرمزية بحيث تتحول مفردات المكان إلي رموز، تؤدي جميعها إلي تضافر الرؤية داخل النص وتحدد نظرته للأشياء وعلاقاته الداخلية بها.



يتجلي ذلك في " أرض الخرابة " من خلال تعامل الكاتب مع أماكن الأحداث بإعتبارها أماكن خاصة، فهو لا يعطينا رسماً متكاملاً للقرية بل يوقف رسمه علي مكان الحدث، فيذكر تفاصيله وشخوصه ووقته كما لو كان حدثاً مستقلاً بذاته، له زمنه الخاص ودلالته الخاصة، جزء من كل،لكنه متوازن في بنية النص، وحين تتجمع الأجزاء يحدث التناغم الكلي للأجزاء بحيث نقف أمام نص واحد متكامل، كما يتجلي في تعامل الكاتب مع تقسيمات / فصول الرواية الثمانية علي اعتبار كل قسم / فصل قصة قصيرة، ترتبط بما قبلها وما بعدها، لتشكل حكاية واحدة تُروي بعين طفل نكتشف في النهاية أنه يقف الآن علي مسافة بعيدة منها، يجتر ذاكرته ليخرجها لنا، وهو ينظر إليها بعين مخلتفة تماماً، عين تمتلك الآن لغة تقدر علي الحكم علي الكاية المروية وتحاول تثبيتها حين ينتقد الواقع الحالي بأنه لا يمتلك حكاية تماثلها، وبحيث نقف أمام أكثر من شكل فني ساهم في إقامة البناء الفني الكلي للرواية.



2ــ التأمل وتوظيف الأساليب السردية.



حيث أن القبض علي ميكانيكية الزمن وتتابعه الآلي يؤدي إلي ثباته لإلقاء الضوء علي الشخصية في لحظة خاصة جداً، تقع وبشكل كلي تحت تأثير حالة معينة لتحقيق دلالة معينة وبمعزل عن العالم الخارجي إلا بما يحقق خدمة الرؤية المصاغة وهي واحدة من أهم خصائص الرواية الحديثة، حيث يري جورج لوكاش " أن أديب نزعة الحداثة بعزله الفرد عن العالم الخارجي للواقع الموضوعي يجعله يري الحياة الداخلية للشخصيات بوصفها صيرورة متقلبة لا تقبل التفسير "(4) هذه العزلة الفردية للذات سواء كانت إختياراً أو جبراً تحقق خاصية التأمل والتحليل، وهي إذ تجعل من الحياة الداخلية للشخصية صيرورة متقلبة غير قابلة للتفسير الأحادي المحدد تحقق ثاني أهم خصائص تيار الحداثة وهو التعددية، بمعني تعدد المعني الدلالي للنص دون الوقوف عند معني معين، ذلك أن مجموع الرموز والعلاقات الداخلية المتشابكة لا تنطوي في مجملها علي معرفة خارجية خاصة أو معينة، بمعني أنها لا تنطوي تحت أيديولوجية محددة، إنما تعتمد نسبية معرفية تحاول إكتشاف الذات والأشياء من جديد محاولة اكسابها دلالات جديدة ومغايرة، تُحقق مغايرتها عن طريق خصوصية ذاتها في هذه اللحظة المكانية / الزمانية التي تم القبض عليها، ومن خلال خصوصية فهمها لنفسها وللأشياء والعالم في ذات اللحظة، وبذلك يتحقق ثالث أهم الخصائص وهو مبدأ الذاتية، حيث يمتاز الأدب الحديث بهذا المعني " ما كان يُقصد بالذات ذلك الشئ الباطني الذي يسمي أنا الإنسان ويريد أن يخرج إلي حيز الزمان بصور تختلف عن صورته التي تعيش وتتحرك وتفعل وتؤثر في مجال ما، وإذا مالت الأنا إلي هذا الدرب من الخروج وأصبح لزاماً عليها أن تستخدم العناصر الأربعة التي حصرها الكلاسيكيون قديماً في العاطفة والخيال والمعني واللغة فإنها تكون حينئذ صانعة للأدب "(5) هذه الخصائص الثلاث حينما نحاول العثور عليها في " أرض الخرابة " فإننا نجد عزلة الفرد عن العالم الخارجي للواقع الموضوعي بالنسبة للراوي الآني الذي يجلس وحيداً ومعزولاً يجتر ذاكرته ليحكي لنا من منظور عام، وبرؤية شاملة، الأحداث التي يتذكرها ويحيينها ويعيد ترتيبها في بناء دائري، بدأ بأرض الخرابة وإنتهي فيها، ثُم يعلق عليها في النهاية، ليعطينا رؤية تختلف عن رؤية الحكاية التي يرويها بحسب اختلاف الزمن الذي تقدم، والمكان الذي تغير، والنظرة التي تطورت مع السنين من فترة الطفولة إلي الآن.

أما التعددية المؤسسة علي نسبية المعرفة فتتحقق للراوي الطفل الذي يروي الأحداث من خلال مشاهداته العينية، أو بنقله لأقاويل الشخصيات الأخرى وآرائهم وحكاياتهم بشكل محايد لأنه راصد أولاً، كما في معركة المسطح، وحضرات الدراويش وبناء المقامات لسيدي المبروك وسيدي عبد الفضيل، ثم مشاركاً في بعض الأحداث لأنه جزء لا يتجزأ من الحكاية المروية، فهو صديق لإسماعين الغريق، ومحب لأم إسماعين، ومحتك بعبد الفضيل في أكثر من حدث، وزائر مريض لمقام سيدي أبي العسران.

ثم الذاتية التي تتحقق لبعض الشخصيات التي تؤثر في الأحداث وتدفعها للنمو والتقدم مثل عبد الفضيل وأم إسماعين والشيخ متولي، ثم تتحقق للراوي الآني الذي يقف علي قمة نهاية الرواية ليفرض رؤيته الذاتية للحكاية التي تمت روايتها، وللواقع الآني أيضاً.

إن هذه الخصائص الثلاث " عزلة الفرد والتعددية والذاتية " تتيح للكاتب استخدام كافة أساليب السرد الممكنة درامية وغناءية، وكذلك التنوع في استخدام الضمائر كحيل أسلوبية للنفاذ داخل أعماق الشخصيات لإبرازها وربط العلاقات الداخلية المتشابكة، مما أدي إلي تضافر عناصر الرواية في نسق خاص، خلق الإنسجام والتأثير اللازمين لجعلها رواية جيدة.



3ــ القبض علي واقعية اللحظة الراهنة.



مما لا شك فيه أن ثمة خلافات عدة حول فهم الواقعية تتأرجح بين الانغماس والرفض، أو علي أقل تقدير محاولة الدوران حولها للخلاص من قيودها الأولية التي تفسد العمل الأدبي، وتحيله إلي أدب موجه أحادي النظرة، وتحيل النظر إليه في إطار المفهوم الإجتماعي الذي يجعل منه مجرد انعكاس لصور الحياة في إطار الظروف التاريخية والإجتماعية لحقبة ما، علي أن هذه النظرة للواقعية تتغافل عن الإمكانيات اللامحدودة لها، وأنه بإستطاعتها طرح أساليب كثيرة ومتعددة لخدمة المعرفية الذاتية والإنسانية بشكل عام، فهي كمفهوم أدبي وأداة تعبيرية ومنهج أسلوبي في الكتابة لا تمنع وجود أساليب هروبية أو تغريبية أو ذاتية أو رومانسية أو وجودية ... إلي غير ذلك، فهي حين يتوافر شرط القبض علي اللحظة الآنية تُصهر كل ذلك في ثناياها وتستوعبه، ذلك أن الواقع الإنساني إجتماعياً أو فردياً، خارجياً أو داخلياً، يشتمل في أدق تفاصيل حياته اليومية وسلوكياته المتداولة علي كل هذه الأنماط الفكرية والنزعات الإنسانية السلوكية، لأن اللحظة الآنية المعاشة لا يمكن إلا أن تكون واقعية كي يتحقق لها وجودها ومعاصرتها، مهما كان التوغل في الماضي أو جنوح الخيال لاستشراف المستقبل أو بلغ الميل حد الأفق لاستلهام الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية.

من هنا نستطيع أن نضع تصوراً للواقعية أكثر رحابة وشمولاً بإعتبارها كل ما يعتمل في الوجود الفردي والإنساني من أشياء مادية وميتافيزيقية، حسية متعينة أو مثالية متخيلة، إنها كل الأفكار الأساطير والسلوكيات، كل الحاضر والماضي والقادم مكثفاً في لحظة زمنية معينة، وفي مكان معين.

ويساعدنا علي التمسك بهذا التصور نزعتان أساسيتان أكدتهما الوجودية " نزعة محرقة نحة ضرورة ايجاد النسق والنظام والصفاء والتوحد وفرضها جميعاً علي هذا الواقع اللامبالي والمحايد والمعادي، والنزعة الأخرى هي نزعة الإنطلاق والحرية والإختيار في صياغة القدر الفردي، وفي الإسهام في تشكيل المصير الإجتماعي في نفس الوقت"(6) ويتحقق هذا التصور للواقعية حين يتم القبض علي اللحظة الراهنة من السياق التاريخي للشخصية في مكان متعين، وبذلك تتحقق العناصر الثلاثة الرئيسية اللازمة للإمساك بالبنية الأساسية للنص الذي يجعل من المكان " العنصر المهيمن " الذي يحدد ويحور كافة العناصر الباقية، يطلقها من حدوده الهندسية ويوجهها نحو تشكيل جديد لرؤية تعتمد النسبية المعرفية لا اليقين.



إن " أرض الخرابة " هي رواية مكان بالدرجة الأولي تم الالتفات إليه من خلال التغير الذي طرأ عليه عبر السنين، فتم القبض علي لحظة هذا التغير بواسطة راوي / إطار عاصر المكان منذ النشأة، وخبر أسباب التحولات التي طرأت عليه ليصل إلي هذه اللحظة الآنية التي يتم تثبيتها من أجل رواية تاريخ المكان لتثبيته في الذاكرة الخالدة لتاريخ الإنسانية، هذه القرية التي تركها الإحتلال الإنجليزي مجرد خرابة تحتوي علي أثر وجوده بالمكان، مجرد فردة حذاء وحيدة وبالية لكنها ترمز لمدي الخراب الذي أحدثه بالمكان وتركه عليه، وامتد لناسه علي هيئة جهل أطبق علي العقول، فجاءت الشخصيات لتحمل أفكار المكان الذي أصبح خرابة، بحيث أننا نجد مفهوم الشيخ أو الولي في القرية والذي يكتسبه أي إنسان فقد توازنه العقلي، أو ظهرت عليه دلالات سلوكية من خارج السياق الإجتماعي، لكنها كافية لأن تُبني من أجلها الأضرحة وتقام من حولها حضرات الذِكر، أو تكتسبه أيضاً أية جثة تحدث في مراسم دفنها مصادفات يعجز العقل القروي عن تفسيرها، إضافة إلي القبلية والثأر وقضايا الشرف، وزيارات الأضرحة للتبرك وطلب العون وقضاء الحاجة، وحواديت الجنيات التي تخطف كل إنسان لمجرد غيابه غير المبرر، أو عدم العثور علي جثمانه الغريق في ماء الترعة، حتى الشيخ الإمام، خطيب المسجد، لم يخرج وعيه الديني عن حدود الوعي الجاهل الذي أسبغه المكان / الخرابة علي أهله، فكان أقرب إلي التفسيرات الشعبية التي تلتفح بعباءة الأسطورة لتبرير ما تعجز عن تفسيره، ولأنه إمام فقد كانت كلمته هي القول الفصل الذي تنتهي وتُدحض عنده كل التفسيرات، لقد كان تفسيره لحظة رائعة للقبض علي لحظة الرواية الراهنة، واستخلاص الرؤية الكلية للنص، لقد فسر الشيخ متولي ما حدث من أمر النعش الذي أبت إلا أن يُصلي عليها في أرض الخرابة بأنه " إجتماع للجنازة مع الخرابة، وهذا وحده دليل فساد الزمان والعباد والدنيا بأسرها، وأن القيامة ستقوم، وقبل أن تقوم لابد لحدوثها من أشراط، وإن من أشراط الساعة انقضاض المسلمين علي اليهود وإفنائهم حتى آخر رجل منهم "(7).

بعد هذه النبوءة بدأ الناس في بناء الضريح، وفي ليلة إتمام البناء أقام الدراويش حفلاً بهيجاً، ليفرحوا جميعاً بأسطورتهم الجديدة، أسطورتهم الخاصة التي سوف تغنيهم عن الذهاب إلي الأماكن البعيدة للتبرك بأساطير البلاد الأخرى، والتي سوف تمنحهم اللقايا كل فترة، وبينما هم يهيمون علي وجوههم حول الضريح شبه سكاري، وقد كان الهواء بارداً ومنعشاً من حولهم، وبينما شيخ الدراويش يحوم طائراً في الهواء فوق رؤوسهم ليخرج الأنجاس منهم بعيداً عن المكان، إذا بالصوت الزاعق يدوي في سماء القرية كله، ليصك آذانهم وليرميهم في الأرض خائفين، وحين كانوا يحسبونه قادماً من السماء دليلاً علي كرامات الولي الجديد صاحب الأسطورة الجديدة، كانت الحقيقة تتكشف " وتأكد لنا أن الصوت الذي سمعناه في ليلة الحضرة إنما كان صوت انفجار القنابل التي رمتها طائرات إسرائيلية علي قناطر نجع حمادي التي تربط غرب النيل بشرقه، والتي تبعد عنا قرابة سبعة أميال "(8) هكذا تقبض الرواية علي لحظتها الراهنة، لحظة إنهزام وطن بأكمله في النكسة، والتي كانت القرية جزء لا يتجزأ منه، اللحظة التي تدحض الحقيقة فيها الأسطورة والخرافة والجهل، لا لكي تسقط الأسطورة الإجتماعية وحدها، بل وتسقط معها الأسطورة السياسية المتمثلة في هزيمة صورة الزعيم / الإله / الولي / المقدس جمال عبد الناصر، والذي قيل إن وليهم عبد الفضيل قد نال شرف السلام عليه يداً بيد أثناء أدائه للعمرة في كرامة الغياب التي أهلته للولاية بعد العود الأحمد منها.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أين تكمن الفكرة؟!

لعلها تكمن في مقولة النفري " كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية " هذه العلاقه المتضادة والمتوازية بين اتساع الرؤية وعمقها وبين ضيق الجملة لا يمكن أن تسير إلا بشكل جدلى، هناك علاقه جدلية قائمة بين الضيق والاتساع تنبع أساساً من المقابلة التضادية الحادثة بينهما بشكل أساسى ودائم، ولعل النفرى أراد إقامة علاقة وثيقة بين اللغة والرؤية فى إطار سيطرة فن الشعر على الميراث الثقافى والمعرفى للتاريخ العربى، ذلك أن الرؤية التى تُنتج المعنى هى الغاية التى يتم تسخير كل الوسائل للوصول إليها، فإذا كانت مهمة الفن هى إبراز وتعميق الرؤى الفكرية المتاحة أو البحث فى أحيان دؤوبة عن رؤى جديدة ومغايرة، فإنه يظل مع ذلك لكل فن الحق فى الإحتفاظ بخصائصة النوعية التى تميزة عن غيرة من بقية الفنون.

إذن يظل لكل فن من الفنون الحق فى إقامة هذه العلاقة الجدلية مع الرؤية عن طريق إستخدام أحد العناصر المميزة له، القدرة على التشكيل اللغوى لإقامة الصورة وإعتماد البناء والتجريد بشكل عام وأساسى هى مهمة الشعر، خاصة فى ضوء ما أراده النفرى من إبراز العلاقة بين الرؤية واللغة، أما الرواية التى تعتمد على التجسيد بشكل أساسى فى إقامة بنائها عن طريق الحدث المحتوى على الشخصية والمؤطر بظلال مكانية وزمانية حين نُعدها فناً وليست فقط مجرد نوع أدبى، فإننا نرجع ذلك إلى أن إكتشاف الواقع الآنى، المعاصر، هو مهمتها الوجودية، الكشف عن غموض الواقع وتحولاته الكبرى وتأثيره على الفرد للخوض فى جمالياته المتشعبة، ولأن إكتشاف الواقع يتطلب بشكل أساسى أيضاً وجود المكان المتعين الذى يحقق لهذا الواقع الوجود، ويدمجه بعد ذلك فى تاريخية الزمن، فإنه يمكننا تطبيق هذه العلاقة الجدلية للرؤى فى إطار الرواية على المكان، لتُعدل مقولة النفرى نفسها مكتسبه دلالات أكثر عمقاً وأكثر تعددية، لتصبح " كلما ضاق المكان إتسعت الرؤية " بمعنى أنه كلما تدرجنا فى خصوصية المكان نحو الضيق والتحديد، كلما إقتربنا من النص الروائى الجيد القادر على إبراز رؤيته الجديدة والمغايرة فى إطار من التعددية ونسبية المعرفة، والذى يشتمل بين جنباته على كل المزايا والخصائص الفنية السابقة اللازمة لخلق فن يمتلك قدراً عالياً من التأثير والخصوصية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل