المحتوى الرئيسى

قراءة في الفصل 16 من الدستور المغربي على ضوء مشروع التعديلات الدستورية بقلم : الخمالي بدرالدين

06/12 18:36

قراءة في الفصل 16 من الدستور المغربي على ضوء مشروع التعديلات الدستورية

( على المواطنين جميعهم أن يساهموا في الدفاع عن الوطن )

بقلم : الخمالي بدرالدين

ينص الفصل 16 من الدستور المغربي (1)على مبدأ أساس في تقرير صفة المواطنة والانتماء ألا وهو واجب الدفاع عن الوطن ، الذي يعتبر حسب العديد من فقهاء القانون الدستوري بنداً أساسيا في الالتزام الأخلاقي و السياسي الذي يربط المواطن ببلده ، ورغم أنه يحيل في أحايين كثيرة على مسألة التطوع في الجندية و الخدمة العسكرية ، التي تعتبر واجبا على كل مواطن مغربي راشد متى تعرضت الوحدة الترابية للبلاد لاعتداء خارجي ، أو متى تعرض الوطن لتهديد من قوة معينة ضد إحدى مكوناته ورموزه وأسس استقلاله ، إلا أن الأبعاد التي يمثلها أعمق بكثير ، باعتبار أنه يحيلنا على فلسفة عامة للمواطنية الحقة ، تكرست في الدولة الديمقراطية بفعل وجود عقد سياسي ، حدد بمقتضاه حقوق وواجبات الفرد التي يمارس من خلال بنيتها القانونية دوره إلى جانب مؤسسة الدولة في حماية الأسس التي قام عليها الوطن في مستوياته الثلاثة ، الإقليم و الشعب و السلطة السياسية .

بعد أن تخلى فيها المواطن بصفته الفردية عن ممارسة القوة في تدبير الأمن وحماية الوطن لفائدة الدولة ، التي تمارس مهام ضبط و تدبير واحتكار وسائل القوة واستعمالها باعتبارها احدى عناصر سيادتها (2)

كما أننا نجد فكرة الدفاع عن الوطن حاضرة بقوة في مختلف النظريات السياسية المعاصرة ، باعتبارها غريزة إنسانية أصيلة تطورت تاريخيا في نسق عملية الاجتماع الإنساني ، و صراع الهويات و الاختلاف و نضوج الوعي الجمعي بالانتماء إلى الأمة و الوطن .

و كذلك كإحدى تمظهرات علاقة الارتباط الحميمية بين الإنسان و الأرض التي ولد و تربى عليها ، وصولا إلى مفهوم الدولة و المؤسسات حيث تقنن معها المبدأ وصار خاضعا لضوابط قانونية و إجرائية .

وقد اتفق فقهاء القانون الدستوري على اعتبار واجب الدفاع عن الوطن مبدأ مقدسا ، أقرته أغلب التشريعات الدستورية المعاصرة ونصت عليه في نصوصها بتلك الصفة ، كما نجد للمبدأ تأصيلا شرعيا نابعا من روح الشريعة الإسلامية ، التي اعتبرت الدفاع عن الوطن واجبا إيمانيا وقد ذهب بعض الفقهاء المغاربة إلى اعتبار الوطنية شعور رباني ، وبالتالي يوجب على كل مسلم مكلف القيام بأعبائه وأداء حقه الشرعي المقرر بنصوص الكتاب و السنة.

لذلك نحى الدستور المغربي في جميع نسخه منذ سنة 2196 إلى التأكيد على مبدأ وجوب الدفاع عن الوطن، بحيث تم تقريره في دستور سنة 1996، في الفصل 16 الذي ينص أنه ( على المواطنين جميعهم أن يساهموا في الدفاع عن الوطن )

وجعل المواطنين جميعا شركاء ومساهمين في القيام به بلا استثناء ، ورغم أن الصيغة كانت عامة في التنصيص على المبدأ ، إلا أنها لم تتضمن صيغة الوجوب كما لم تسبغ عليه صفة القداسة كما هو الحال ببعض التشريعات الدستورية المقارنة ، كالدستور التونسي في فصله الخامس عشر الذي نص… ( على كل مواطن واجب حماية البلاد، والمحافظة على استقلالها وسيادتها وعلى سلامة التراب الوطني ، والدفاع عن حوزة الوطن واجب مقدس على كل مواطن ) (3) كما نص الدستور المصري في مادتيه 58 و 60 على ما يلي ( الدفاع عن الوطن وأرضه واجب مقدس، والتجنيد إجباري وفقا للقانون .) و ( الحفاظ على الوحدة الوطنية وصيانة أسرار الدولة واجب على المواطن .)

مما يفهم منه أن القاعدة الدستورية المغربية تركت المجال مفتوحا للنصوص القانونية لتنظم بمقتضيات خاصة كيفية تطبيق المبدأ ، وهو ما نجده كذلك عند التنصيص على مبادئ دستورية أخرى كالمساواة و الحرية ، وممارسة الحقوق ، حيث تختلف تطبيقاتها العملية حسب المجال التشريعي المقصود بنصوص القانون

وفي حالة مبدأ الدفاع عن الوطن بشكل عام، تنقسم مجالات تطبيقه إلى قسمين: نظامية وغير نظامية.

أما النظامية فهي التي تخضع لإدارة الدولة و تسييرها وتنظيمها، وتحدد بمقتضى مراسيم وقوانين معينة كيفية ممارسة هذا المبدأ، تصدرها السلطة التشريعية و الهيئة المشرفة على تدبير مرفق الدفاع الوطني من منطلق اختصاصاتها التنظيمية.

ورغم أن الدفاع في هذه الحالة غالبا ما يحيلنا إلى الطبيعة العسكرية للمفهوم في سياق ممارسة الدولة له وتدبيرها لشؤونه خاصة في بعده الدولي ، إلا أن له تطبيقات سلمية عدة سنستحضرها من خلال مقاربتنا هاته.

فحسب التشريع المغربي يقصد بأجهزة الدفاع الوطني :الجيش الملكي بجميع تشكيلاته و قوات الدرك الملكي ، والقوات المساعدة ، وهو المقصود بالمجال العسكري الخاضع للملك بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ، ومهمتها الدفاع عن الوحدة الترابية المملكة في حدودها الحقة ، وتأمين سلامة أراضيها ورد أي اعتداء عنها بمقتضى الفصل 30 من الدستور الذي ينص على أن ( الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية ، وله حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية كما له أن يفوض لغيره ممارسة هذا الحق. ) و الفصل التاسع عشر الذي ينص على أن الملك ( وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة)

و هذا المجال يساهم فيه المواطنون بالانخراط في سلك الجندية التي يحدد القانون طبيعتها إما إجبارية أو اختيارية وشروطها كذلك، و هو ما يصطلح عليه قانونيا بالخدمة العسكرية حيث نص المرسوم الملكي رقم 66.137 بتاريخ 20 صفر 1386 ( 9 يونيه 1966 ) ـ الجريدة الرسمية عدد 2798 بتاريخ 15/06/1966 الصفحة 1131 في ديباجته على أهداف الخدمة العسكرية كما يلي ( إن الاهتمام الذي كان ولا يزال رائدنا في التدرج بأفراد شعبنا إلى مدارج الرقي وجعلهم شاعرين بالمسؤوليات التي يجب أن يضطلعوا بها بوصفهم مواطنين أحرارا في وطن مستقل إن هذا الاهتمام لهو الذي يدعونا إلى قطع مرحلة جديدة في مجال التطور والرقي .

و لذا فإننا نرمي بفرض الخدمة العسكرية في مدة معينة وفي أحوال محددة إلى:

أولا ـ تكوين المواطن المغربي تكوينا أساسيا يستطيع معه أن يقوم بواجب الدفاع عن حوزة وطنه في جميع الظروف وبصورة فعالة.

ثانيا ـ تكوين هذا المواطن تكوينا فنيا ومهنيا من شأنه رفع مستواه الاجتماعي وتأهيله إلى المساهمة في النمو الاقتصادي للبلاد.

وعلاوة على هذا فإننا نقصد من وراء الخدمة العسكرية أن نقوي في أفراد شعبنا المفروضة عليهم هذه الخدمة روح الامتثال ومزايا الإخلاص والإيثار والتضحية في سبيل القضايا التي تتجاوز المصالح الفردية إلى المصالح العليا للأمة.. (4)

كما ينظمها القانون رقم 99 ـ 4 من ظهير 194 ـ 99 ـ 1 بتاريخ 1999 ـ 08 ـ 25 ، حيث ينص الفصل 14 منه على التالي ( إن المدعوين للخدمة العسكرية ، الذين لم يمتثلوا بدون سبب لمضمون استدعاء أو أمر بالالتحاق فرديا كان أو عموميا ، يعتبرون من العاصيين وبذلك يعاقبون طبقا للفصل 141 من ظهير 6 ربيع الثاني 1376 ( 10 نونبر1956 ) بمثابة قانون القضاء العسكري . (5)

ثم هناك أجهزة الدفاع الوطني ذات الصفة المدنية كقوات الشرطة و المطافئ وغيرها والتي من مهامها تأمين السلم الداخلي و الحفاظ على الوحدة الوطنية ، ومحاربة كل مظاهر الجريمة أو الإخلال بالنظام العام و الانخراط في صفوفها يحدد كذلك بشروط وضوابط.

أما المجال الغير النظامي ـ موضوع هذه المقاربة ـ فهو أوسع وأشمل ، وهو يتعدد في أشكال تعاطي المواطنين له ، مابين العمل السلمي و العمل المسلح وللاشارة فتطبيقات مبدأ الدفاع عن الوطن من طرف المواطنين في شكله المباشر يختلف باختلاف ظروف الحرب و السلم و هذا ما أشار إليه ميثاق الأمم المتحدة في الفصل 51 حين أقر حق الشعوب في الدفاع عن أنفسها وصيانة استقلالها جماعات وفرادى

( ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة"...)(6)

وهو ما يحيلنا على عدة تجارب تاريخية انتظم فيها المواطنون في صفوف حركات المقاومة المسلحة للدفاع عن الوحدة الترابية المغربية ضد الاعتداءات الأجنبية ، وخاصة حركة المقاومة المغربية ضد الاستعمارين الاسباني و الفرنسي ، أو عن طريق النضال السلمي كما جسدته ملحمة المسيرة الخضراء سنة 1975 التي حطمت الحدود الوهمية التي أقامها الاستعمار الاسباني بين شمال المغرب وجنوبه .

فعلى هذا الأساس فالدفاع عن الوطن يعني تسخير جميع الإمكانات العسكرية والسياسية و الدبلوماسية والثقافية ، وتوظيف جميع الطاقات لخدمة سيادة الوطن ورقيه واستقلاله والحفاظ على وحدة أراضيه وشعبه واستقرار أمنه وسلامة إقليمه من طرف المواطنين فرادى أو جماعات ، إما بشكل رسمي من خلال المساهمة في تدبير المؤسسات العامة و الهيئات الوطنية ، أو بشكل غير رسمي من خلال المجهود الوطني لمختلف مكونات الشعب وشرائحه و هيئاته الجمعوية و السياسية (7)

إلا أن طرق وآليات الدفاع عن الوطن في حالة السلم كذلك متعددة ومتنوعة ، في ظل الدولة الديمقراطية التي تشارك فيها الهيئات السياسية و المدنية في تفعيل المبدأ وتحقيق غايته إلى جانب الدولة التي تتولى تدبير مرفق الدفاع الوطني و السياسة الخارجية ، وهو ما يصطلح عليه اليوم على المستوى الخارجي بالدبلوماسية الموازية وعلى المستوى الداخلي بالتعبئة المتواصلة و التربية على منظومة القيم الوطنية التي تشكل خط الدفاع الأول في عملية الحفاظ على الهوية وحماية الثوابت الوطنية .

لذلك سنتناول الموضوع من خلال ثلاثة مباحث رئيسية كالتالي:

المبحث الأول: مفهوم الدفاع عن الوطن

المبحث الثاني : مبدأ الدفاع عن الوطن آليات وسبل تفعيله

المبحث الثالث: الدفاع عن الوطن من خلال منظومة الثوابت الدستورية

المبحث الأول: مفهوم الدفاع عن الوطن

يستقي مفهوم الدفاع عن الوطن معانيه الأصيلة ، في المرجعية القانونية المغربية من مصدرين اثنين ، أولهما الدين الإسلامي باعتباره دين الدولة الرسمي حسب الصياغة الدستورية ، الذي وضع التصور الشرعي لمفهوم الوطن ، ومقاصد الدفاع عنه من خلال القرآن و السنة النبوية الشريفة ، أما المصدر الثاني فهو القانون الوضعي ، أي مجمل الاتفاقيات الدولية التي أبرمها المغرب أو صادق عليها ، بالإضافة إلى قواعد القانون الدولي كما هي مقررة من خلال ميثاق الأمم المتحدة و العرف الدولي في حالات الحرب و السلم .

أولا : مفهوم الدفاع عن الوطن في الشريعة الإسلامية

الوطن في اللغة هو البلد أي مكان ميلاد الشخص وموئل أهله وعشيرته ، وهو مكان سكناه وإقامته الدائمة ، و أصله من وطن أي مبارك الإبل وجمعه أوطان ، إلا أن هذه الكلمة لم ترد في القرآن الكريم بصيغتها هاته ، في حين وردت كلمة البلد للدلالة على موطن الميلاد والإقامة و السكنى في أكثر من موضع ، وقد أقسم الله عز وجل بالبلد ـ أي مكة ـ في سورة البلد تكريما للبيت الحرام ولمكة موطن الرسول عليه الصلاة والسلام ومكان مولده حيث قال تعالى { لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) ووالد وما ولد(3) }، كما ورد في سورة إبراهيم { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ( 35 ) } وقال تعالى في سورة البقرة آية 26 على لسان سيدنا إبراهيم الخليل { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير }

وعلى أن الموطن هو مكان السكنى والإقامة في قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) سورة إبراهيم آية 37

وقد وردت كلمة موطن بصفة الجمع أي مواطن ، مرة واحدة في القرآن الكريم في سورة التوبة في قوله تعالى ( ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة ) آية 26 ، وجاءت هنا بمعنى مواضع وأماكن ، لذلك فكلمة وطن بصفتها التي نستعملها اليوم في اللغة تعد مستحدثة، حيث لم ترد بصيغتها تلك في نصوص القرآن والسنة

وقد ذهب عدد من الفقهاء على اعتبار الوطن ، أساسا لتطبيق أحكام الشريعة فيما يخص الشؤون العامة ، وقسموا الوطن إلى دار الإسلام ودار الكفر ، باعتبار أن وضع المسلم القانوني يختلف حسب طبيعة السلطة الحاكمة ومرجعيتها الدينية ، واستخلصوا من ذلك أحكاما وفتاوى لكل حالة من حالات إقامة المسلم وموطن سكناه ، ومن ذلك أحكام خاصة بالمعاملات و العبادات ، فيذهب الامام مالك مثلا إلى أن المسلم المقيم في أرض لا تطبق فيها الشريعة الإسلامية له أحكام خاصة مع ضمان إقامته للعبادات في أمن وأمان ، وأحكام الإقامة بين غير المسلمين في الوطن الأصلي و التعامل معهم كانت موضوع كتابات إسلامية عدة بل نشأ عنها فقه خاص سمي بفقه الأقليات المسلمة في الدول الغير إسلامية ، يعتبر من رواده اليوم كل من الدكتور أحمد شلبيك و سليمان توبولياك و غيرهم…

لذلك فالوطن في الفهم الإسلامي مرتبط بصفة أساسية بالعقيدة ، وبالتالي فالدفاع عنه هو دفاع عن الدين بالأساس ، فيذهب مثلا الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني أحد رواد الحركة الوطنية المغربية الأوائل (12)إلى أن الوطنية في قلب الإنسان المسلم هي وطنية ربانية ، تعتمد في أصولها على الفطرة الكونية التي تربط الإنسان بالأرض ، وعلى نصرة القيم الأخلاقية الإسلامية الحنيفة ، التي تضمن تحقيق العدل والمساواة وعبادة الله وحده ونصرة عقيدته على أرضه ، مصداقا لقوله تعالى (إِنَّ الأَْرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) الآية 128 ـ سورة الأعراف

وعلى هذا المفهوم بنت الحركة الوطنية بقيادة الأستاذ المكي الناصري و المختار السوسي ومحمد بلعربي العلوي وشيخ الإسلام أبي شعيب الدكالي و الأستاذ علال الفاسي فهمهم لمعاني الوطنية و الدفاع عن الوطن في وجه الاحتلال الفرنسي ومشاريعه الهدامة التي كانت تهدف إلى شق صف الأمة المغربية وضرب هويتها و ووحدتها الوطنية والترابية . (13)


ثانيا : مفهوم الدفاع عن الوطن في القانون الوضعي

لقد أقرت جميع التشريعات الوضعية مبدأ الدفاع عن الوطن ، كواجب مقدس على كل مواطن ، كامل المواطنة ، لأنه يضمن استمراريته ووحدته وضمان حمايته ضد كل عدوان خارجي .

وقد أرجع البعض أصوله إلى القانون الطبيعي خاصة عند الحديث عن الاجتماع الإنساني، و أشكال التنظيم السابقة للظهور على مفهوم الدولة، حيث ارتبط وجود الإنسان بشكل وثيق بوسائل العيش، مما كان يدفع به في أحايين كثيرة نحو الهجرة والبحث عن الموارد ، فكان الوطن يختزل في الدفاع عن الاسرة أو القبيلة ، ومجالها الحيوي الذي تمارس في نطاقه أنشطتها الاقتصادية ، لأنها شكلت وحدة مستقلة في سياق الحفاظ على وجودها ، ترتبط حتما بالأرض ، باعتبارها موطن المرعى و الماء و المأكل .

إلا أنه مع نزوع الإنسان نحو الاستقرار و بروز الأشكال السياسية للاجتماع، وتطور العلاقات بين الشعوب و الأمم، في إطار الصراع حول مصادر الثروات، أصبح الوطن مركزيا في تحديد الانتماء و الهوية، و التميز عن الأخر وأصبح الإطار الترابي الذي يوجد عليه شعب معين ، هو الأساس لضمان تمثيليته على المستوى الدولي ، في عالم أصبحت فيه الأمم كائنات سياسية ، وقوتها الحربية هي الأداة الأساسية لتحصين الهوية و الحضارة و القيم أو لنشرها في بقاع أخرى كما كان حال الإمبراطوريات و الممالك في العصور الوسيطة وهذا ما يشير إليه رائد مدرسة الواقعية السياسية هانس مورجنطاو (14) في تأصيله لتاريخ العلاقات الدولية.

فالشعب مصدر قوة الدولة الأساسي ، إذ لا توجد دولة بدون شعب يتمتع بقيم التعايش و يتقاسم هوية ومصيرا موحداً والشعب هو مصدر التشريع كذلك كما يرى عدد من الفلاسفة كجون جاك روسو ، و مونتسكيو و طوماس هوبز ، وهذا الشعب لا يمكن أن ينعم بالأمن إلا إذا توفر على وسائل الدفاع والقوة التي تضمن عدم اعتداء الأجنبي عليه ، كما تضمن له رد ذلك الاعتداء في حالة حصوله(15)

لذلك تكرس المبدأ على المستوى القانوني، لتنظيم مسألة مشاركة المواطن في الدفاع عن أرضه، مع بروز مفهوم الدولة، ذات الحدود الجغرافية المحددة و المقننة باتفاقيات دولية ، ليكون عنوانا على الضمانة الفاعلة في تحصين الاستقلال السياسي والترابي ، في إطار تكامل بين العناصر المكونة للدولة والتي لا تستقيم إلا بوجودها (16)

فمنذ اتفاقية ويستفاليا لسنة 1648 ، التي وضعت المعايير الأساسية لمفهوم الدولة السيادية ، ذات الحدود المعترف بها دوليا ، و الواقع الدولي يشهد تجذير مبدأ السيادة و حق الدول في الدفاع عن استقلالها ، عبر الاتفاقيات و المعاهدات الدولية ، كما وضع من خلال جدلية الحرب و السلم قواعد دولية واضحة وملزمة للدول التي تصادق عليها ، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى كمعاهدة فرساي لسنة 1919 ، و اتفاقية إحداث عصبة الأمم التي قامت بناءاً على مبادئ ويلسون الأربعة عشر التي كان من أهمها أن تقوم العلاقات الدولية على مواثيق سلام عامة، وتكون المعاهدات الدولية علنية وغير سرية، وبعد الحرب العالمية الثانية، معاهدة سان فرانسيسكو لسنة 1945 ، التي أحدثت بموجبها منظمة الأمم المتحدة ، بهدف المحافظة على السلم وتوسيع التعاون الدولي ،وتدعيم مبدأ وحدة الدول و سيادتها ، وهذا ما نص عليه قرار محكمة العدل الدولية رقم 1514 بتاريخ 15 دجنبر 1960 حيث يقول ( إن كل محاولة يقصد منها التحطيم الجزئي أو الكلي للوحدة الترابية لبلد ما تتعارض مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة) (17)

كما ساهمت حركات التحرر الوطني من خلال كفاحها المرير ضد الاستعمار و الامبريالية إلى استعادة عدد من الشعوب لاستقلالها السياسي ، و بناء دول تتمتع بالسيادة وتمارس حقها في الدفاع عن أنفسها في ظل الشرعية القانونية الدولية ، وقامت بتكريسها لا حقا في مرحلة الاستقلال بمتون دساتيرها وقوانينها الداخلية وهو ما نجده بوضوح كذلك في ديباجة الدستور المغربي التي تنص على أن ( المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، لغتها الرسمية هي اللغة العربية، وهي جزء من المغرب العربي الكبير. ) كما تعبر عن انتماء المغرب القاري و التزامه الدولي في خدمة السلم و الأمن العالميين ( وبصفتها دولة إفريقية، فإنها تجعل من بين أهدافها تحقيق الوحدة الإفريقية.

وإدراكا منها لضرورة إدراج عملها في إطار المنظمات الدولية، فإن المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في هذه المنظمات، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا ، كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم )

المبحث الثاني : مبدأ الدفاع عن الوطن ـ آليات وسبل تفعيله

تعتبر إدارة مرفق الدفاع الوطني من الاختصاصات السيادية للدولة التي لا تستطيع تفويضها بأي حال من الأحوال لأي جهة أو طرف ، مهما كانت صفته ، إلا أن الأفراد والجماعات السياسية والمدنية يمكنهم في إطار ، تفعيل أدوارهم إلى جانب مؤسسة الدولة في الحفاظ على الهوية الحضارية و الوحدة الوطنية ، وترسيخ قيم الديمقراطية و المشاركة في تدبير الشأن العام سواء من داخل الهيئات التمثيلية كالبرلمان و المجالس المحلية والجهوية أو من خارجها كالمنظمات الأهلية و الشبابية والجمعيات ، القيام بجميع التدابير و الخطوات التي من شأنها تحصين الوحدة الوطنية و الدفاع عن الوطن سواء من خلال العمل السياسي و الاجتماعي و الثقافي الذي له تأثيرات عميقة في رص الصفوف والتعبئة الداخلية ، والتوعية ونشر ثقافة حب الوطن ، وكذلك على المستوى الدولي بتحقيق التواصل و التعاون مع جميع الأطراف الإقليمية و الدولية و المنظمات الغير حكومية ، الحريصة على سيادة الآمن و السلم الدوليين و احترام الوحدة الترابية للدول .

أولا : دور الأفراد في الدفاع عن الوطن

لا يقتصر دور الأفراد في الدفاع عن الوطن على الانضمام إلى سلك الجندية ، التي تعتبر قطعا من أهم تجليات مبدأ الدفاع عن الوطن على المستوى الفردي ، حيث أنه إلى جانب ذلك يضطلع المواطن المدني في سياق ممارسته لمهام المواطنية ، بواجبات عدة اتجاه وطنه في مقابل الحقوق التي يتمتع بها .

حيث أن المواطنة الحقيقية تجعل من الفرد مسؤولا عن مجتمعه ، وعن محيطه ، و عن سلوكه إزاء غيره ، في احترام للقانون ومقتضياته، كما تجعل منه في إطار ممارسته لحقوقه المدنية ممثلا لبلده ووطنه ، مدافعا عن رموزه وثوابته التي تمثل خصوصيته الحضارية و طابعه المتميز بين باقي دول العالم ، لأنه يحمل جنسيته ويمثل قيمه وحضارته ، كما أنه يمثل واجهة للوطن من خلال فعله الثقافي و الرياضي و الفني ، يطبع بعطائه نموذج القوة الخلاقة التي تكتنفها أمته خاصة في الملتقيات الدولية التي قد يشارك فيها سواء بصفة فردية أو بشكل رسمي ، مما يعني أن المواطن يحمل رسالة أعمق ومسؤولية أكبر في الدفاع عن وطنه في حالة السلم ، وهذا الأمر انتبه له الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد حيث جعلوا من التباري الرياضي عنوانا للتآلف و التواصل الإنساني في إطار الألعاب الاولمبية ، التي يتبارى فيها مواطنو المدن اليونانية لإثبات الهوية و الانتماء في شكل حضاري وراقي .

كما أنه من خلال الممارسة السياسية يصبح المواطن أداة رقابية للسياسات العمومية بواسطة الديمقراطية الانتخابية، و النشاط النقابي، فالدفاع عن الوطن يكمن في تحصين مكتسباته الديمقراطية و المؤسساتية ، وتطوير قدرتها بشكل يخدم البلاد و المواطنين ، ويرعى حقوقهم ، ذلك لأن أهم لبنة في البناء المؤسساتي لدولة معينة هو الفرد ، الذي كلما كان قادرا على تنفيذ اختياراته السياسية بشكل ديمقراطي ، كلما تحصن الوطن داخليا وتقوت أركانه ، وأمنه وسلمه الاجتماعي وسلامته .

وفي هذا يذهب الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو إلى اعتبار أن العقد الاجتماعي الذي يجمع بين السلطة السياسية و المواطن في إطار دولة الحق و القانون يفرض عليه التزامات و واجبات ، لا محيص له عن القيام بها في مقابل استفادته من منظومة الحقوق و الحريات التي يمارسها فوق الإطار الترابي للدولة التي ينتمي إليها .

و بالتالي فواجب الفرد في الدفاع عن الوطن، لا ينبع من إكراه الدولة له على القيام بهذا الأمر ولكن من منطلق، تصوره و التزامه الأخلاقي اتجاه وطنه و فهمه الطبيعي لمسألة الانتماء ولقيمة الحرية ، و معاني القيام بالممارسة المواطنة النابعة من إرادته السليمة في التفاعل مع محيطه و الفعل الواعي في الحقل السياسي و الاجتماعي.

وفي النموذج المغربي الذي تبنى الخيار الديمقراطي في تدبير الشأن العمومي فإن المواطن يحتل مكانة عظمى في سياق معالجة القضايا الوطنية الكبرى بدأً بتأهيل المجالين السياسي و الاجتماعي الذي يعتمد بشكل أساسي على العنصر البشري و على ديناميته في تخليق الحياة العامة ، التي هي أولى خطوط الدفاع عن الوطن ، ومن خلال إشراك المواطن في الدفاع عن قضية الوحدة الترابية المغربية ، كما تم في المسيرة الخضراء التاريخية التي تعبأت لها صفوف الجماهير الشعبية المغربية ، من أجل كسر الحدود الوهمية التي أقامها المستعمر.

وكذلك عبر مشاركته الايجابية في التعريف بالقضية وعدالتها و تعبئة المواطنين عبر جميع الوسائط الحديثة للتواصل وتسخيرها للدفاع عن مغربية الصحراء ، وكمثال على ذلك الإعلام ، الانترنت ، العمل التطوعي الخ ...

و عبر فتح مجالات وقنوات للحوار مع الآخر، و إقناعه بسلامة المواقف الوطنية، انطلاقا من منطق علمي و تاريخي ووثائقي، وهنا يصبح المواطن المثقف الواعي عنصر إضافة خلاقة و عاملاً رابحاً في سبيل نصرة قضايا الوطن العادلة.

ثانيا: دور الهيئات السياسية و منظمات المجتمع المدني في الدفاع عن الوطن

من خلال دورها في تأطير المواطنين الذي ينص عليه الفصل الثالث من دستور سنة 1996 ( الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم. ) تقوم الهيئات السياسية ومنظمات المجتمع المدني بدور محوري في الدفاع عن الوطن و قيم المواطنة ، و خاصة الأحزاب السياسية لما لها من مركزية في الحقل السياسي و تدبير الشأن العام ، وهذا ما يؤكده الإطار القانوني المنظم لعملها وأدوارها ، حيث تنص المادة الثانية من قانون رقم 36.04 لسنة 2006 المنظم للأحزاب السياسية على أن ( تساهم الأحزاب السياسية في تنظيم المواطنين وتمثيلهم ، وهي بهذه الصفة تساهم في نشر التربية السياسية ومشاركة المواطنين في الحياة العامة وتأهيل نخب قادرة على تحمل المسؤوليات العمومية وتنشيط الحقل السياسي .) (18)وباعتبارها كذلك فإن دورها في الدفاع عن الوطن و ثوابته جد مهم ، لما لها من قدرة على التعبئة و التأطير و التربية السياسية على قيم المواطنة عبر تنظيماتها الشبابية والنسائية وأجهزتها الإعلامية وأطرها على المستوى القطري أو على مستوى علاقاتها الدولية بالأحزاب التي تتشاطر معها نفس المذهب السياسي ، كما هو الشأن على سبيل المثال بالنسبة للأحزاب الاشتراكية ، و اللبرالية من خلال تمثيلياتها في الأمميات ، والمؤتمرات الدولية ، وفي هذا الصدد يجدر بنا الإشارة إلى أن التجربة المغربية على هذا المستوى أثمرت نتائج إيجابية في تعاطي عدد من الأحزاب في الدول الأجنبية مع قضية الوحدة الترابية المغربية في مواقفها سواء عند توليها المسؤولية الحكومية في بلدانها أو من موقعها كقوى معارضة و الأمثلة عديدة في القارة الإفريقية و أمريكا اللاتينية .

ونفس الأمر بالنسبة للنقابات التي من دورها تأطير الطبقة الشغيلة و تمثيلها ، وهي طبقة لها ثقلها على المستوى الاجتماعي و السياسي باعتبارها روح الاقتصاد الوطني و عصبه ، التي لا ينهض إلا بها .

بالإضافة إلى الجمعيات و المنظمات الأهلية والمدنية التي تتوفر على إمكانات هائلة للعب دور فعال في الدبلوماسية الموازية تبعا للنشاط الذي تزاوله سواء كان ثقافيا أو فنيا أو رياضيا أو بيئيا وحسب الفئات التي تستهدفها كالشباب و النساء و المهاجرين مثلا... بل إن هناك منظمات قد تكرس نشاطها بالإجمال للدفاع عن القضايا الوطنية والتعريف بها داخليا، كما على المستوى الخارجي كما هو الحال بالنسبة للمنظمة المغربية للمواطنة و الدفاع عن الوحدة الترابية و منظمة الصحراء المغربية وغيرها.

كما أنه في زمن عولمة المعلومة ، فإن الإعلام بجميع مجالاته السمعية البصرية و المكتوبة بالإضافة إلى القنوات الفضائية و الانترنت أصبحت تلعب دورا كبيراً في ترويج المذاهب و الأفكار و الإيديولوجيات ، لذلك فإن استعمالها في سبيل الدفاع عن الوطن أضحى عنصراً استراتيجيا في خضم الصراع مع كل ما من شأنه المس بسلامة الوطن و استقراره ، ووحدة أراضيه . (19)

ولعل تجربة كديم إيزيك في نونبر 2010 ، التي شنت خلالها وسائل الإعلام الاسبانية و الجزائرية ، حملة مغرضة ملئى بالتلفيق و التشويه وتحريف الحقائق ، تفيد بما ليس فيه مجال للشك ، عن مدى حاجة المغرب إلى وسائل إعلام متطورة ومن طينة عالمية ، قادرة على مواجهة مثل تلك الحملات و الرد عليها ، وهذا يستدعي بالفعل تقوية المشهد الإعلامي وتحريره ، وفسح المجال أمام حرية الصحافة ، لكي تتمكن من أداء دورها ورسالتها كما ينبغي لها في رفعة الوطن وتقدمه .


المبحث الثالث: الدفاع عن الوطن من خلال منظومة الثوابت الدستورية

انطلاقا مما عرفه المغرب بعد استقلاله سنة 1956 من أحداث مهمة على المستوى الدولي والإقليمي ، مست مشروعه لاستكمال وحدته الترابية نتيجة لتوجه عدد من الأطراف التي سعت بكامل طاقتها من أجل معاكسة مطالب المغرب السيادية في الصحراء المغربية و تحرير السليبتين سبتة و مليلية والجزر الجعفرية ، فقد طور المغرب منظومة مهمة من الآليات القانونية و العملية سواء على المستوى الرسمي أو الموازي عبر عدد من الفاعلين في سياق مقاربته لقضية الوحدة الترابية و الدفاع عن الوطن .

و ايمانا منه بانسداد أفق الحل العسكري في هذا الأمر ، لما سيكون له من أبعاد خطيرة على أمن و استقرار المنطقة وشعوبها ، فقد اختار المغرب عدة حلول سلمية كبدائل إيجابية لوضع حل نهائي ودائم للنزاع ، وتسوية كل الإشكالات على أسس قانونية يحكمها التفاوض و التشاركية في التدبير مع الأطراف المعنية تحت إشراف الأمم المتحدة ، بدأً بحل الاستفتاء ، و مروراً بالتفاوض الجدي والمسؤول ، وانتهاءاً بمقترح أو مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب مؤخراً في إطار السيادة و الوحدة الترابية المغربية .

ولقد بنى المغرب مشاريعه في الدفاع عن الوطن و تسوية النزاع حول قضية وحدته الترابية ، على أسس دستورية متينة وحجج تاريخية وقانونية رصينة ، لا يمكن للباحث عن الموضوعية إلا أن يقف أمامها موقف الاقتناع و الاحترام ، لما لها من حجية في إثبات أحقية المغرب وعدالة قضيته ، مع العلم أن النزاع كان نتيجة لظروف دولية وإقليمية ، وصراعات إيديولوجية كبرى ، ومصالح اقتصادية وإستراتيجية للقوى الاستعمارية .

ومن بين تلك الثوابت التي استند عليها المغرب في الدفاع عن وحدته ، وجود رباط البيعة بين الشعب ومؤسسة إمارة المؤمنين التي يمثلها الملك باعتباره أمير المؤمنين كما ينص على ذلك الفصل 19 من الدستور، وهذا المعطى كان حاسما ، في إثبات سيادة المغرب على صحراءه التي كانت محتلة من قبل المستعمر الاسباني ، لوجود رباط بيعة مؤكدة بين سكان قبائل الصحراء و سلاطين الدولة العلوية ،وعلى أساسها طلب من محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري لسنة 1975 ، الذي نفى أن تكون الصحراء أرضا خلاء ، وأثبت صحة الوثائق المغربية التي تفيد بوجود روابط البيعة القائمة على الإسلام .

لذلك فإمارة المؤمنين عامل قوي في وحدة الشعب المغربي وفي الدفاع عن وحدته الترابية، لما شكلته عبر التاريخ من عنصر ناظم بين أقاليم المملكة و فئاتها و استقرارها الروحي و العقدي.

لذلك مافتئ الخطاب الملكي يؤكد عليها باعتبارها ضمانة لحوزة الوطن واستقلاله ، وهذا ما جاء به خطاب 9 مارس ، الذي جعلها ثابتا دستوريا محضا ، في سياق حديثه عن الإصلاحات الدستورية ، بجانب الدين الإسلامي ، و الخيار الديمقراطي الذي يشرك المواطنين في إدارة المجال العمومي الوطني و المحلي عبر الآلية الانتخابية ، في إطار بنية إدارية و ترابية حديثة ، تصب كلها بلا شك في خدمة الوحدة الترابية للمملكة .

كما أن مشروع دسترة الجهوية الموسعة ، جاء ليجذر التجربة الديمقراطية المحلية التي تهدف بالأساس إلى إبراز الخصوصيات الجهوية لمناطق المملكة ، و الاستثمار في الإمكانات البشرية المحلية ، التي تعد عضد مشاريع التنمية و ومرتكزها ، و تأهيل بنيتها وتحديثها بما يتجاوب مع متطلبات الواقع الاقتصادي الوطني و الدولي ، الذي يسعى إلى القضاء على التفاوت و المركزية في الإنتاج و التدبير ، وينحى نحو التكامل و التضامن و الوحدة ، وهذا ما نجده حقيقة في الأهداف المسطرة في مشروع إحداث الجهات.

وهذا ما جاء في ديباجة تقرير لجنة الجهوية الموسعة التي نصت على ( يتطلع هذا المشروع إلى بلورة الإرادة الملكية السامية الرامية لتمكين المغرب من جهوية متقدمة ، ديمقراطية الجوهر مكرّسة للتنمية المستدامة والمندمجة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا و بيئيا، تكون مدخلا لإصلاح عميق لهياكل الدولة من خلال السير الحثيث المتدرج على درب اللامركزية واللاتمركز الفعليين النافذين، والديمقراطية المعمقة، والتحديث الاجتماعي والسياسي والإداري للبلاد، و الحكامة الجيدة..)

كما نصت على أن الجهوية المتقدمة ترمي إلى تحقيق المقاصد التالية :

ـ تعزيز روح المبادرة وتحرير الطاقات الخلاقة لدى المواطنين والمواطنات ولدى منتخبيهم و الحد من المثبّطات والعراقيل البيروقراطية ومعالجة سلبياتها

ـ نهج سياسة القرب وتضافر الجهود بين القطاعات وأخذ البعد الترابي بعين الاعتبار في السياسات العمومية وفي تدخلات الدولة والجماعات الترابية ، بغية الرفع من نجاعة الفعل العمومي

ـ تعزيز المناخ الديمقراطي وتوسيع نطاق الممارسة التشاركية بما يواتي الحكامة الجيدة ويغذي روح المسؤولية ويعمم إلزامية تقديم الحساب من طرف المصالح الإدارية وموظفي الدولة والمنتخبين على جميع المستويات.

لذلك فإن تطبيق هذا المشروع من شأنه أن يرسخ قيم المواطنة ، ويعرب عن جدية الإرادة السياسية المغربية في مقترحها للحكم الذاتي لتكامله مع توجه عام يسلكه المغرب في دمقرطة تدبير الشأن العام مع الحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه ، حيث جاء في أهداف التقرير التأكيد على وحدة المغرب حين نص على ( أن الدولة المغربية، وهي تدخل درب الجهوية المتقدمة، تبقى متمسكة، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك الممثل الأسمى للأمة، بكامل سيادتها وبوحدة ترابها الوطني وبوحدتها السياسية والتشريعية والقضائية، فلا محيد بأي وجه من الوجوه عن ممارسة الدولة لجميع الوظائف التي هي حصريا من اختصاصها، كما هو الحال في كل الدول الموحدة)

وهو ما عبر عنه الخطاب الملكي ، باعتبار أن الجهوية تنص على أولوية إشراك المواطنين المغاربة في تدبير شؤون الجهة ، وخاصة سكان الاقاليم الجنوبية ، التي هي موضوع نزاع إلى حد الساعة ، وذلك بإيجاد حل دائم وديمقراطي ، يكرسه المغرب بكل شجاعة في دستوره الجديد ، حيث جاء في الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011) ...ويظل هدفنا الأسمى إرساء دعائم جهوية مغربية ، بكافة مناطق المملكة، وفي صدارتها أقاليم الصحراء المغربية ، جهوية قائمة على حكامة جيدة ، تكفل توزيعا منصفا وجديدا، ليس فقط للاختصاصات ، وإنما أيضا للإمكانات بين المركز والجهات. (

وبالتالي فالجهوية بهذا المفهوم تصب في اتجاه تدعيم خيار الوحدة الترابية ، تحت بند التكامل و التضامن بين الجهات ، وجعل الخصوصية الجهوية رافدا من روافد تأهيل الفرد و البنيات التحتية المحلية من أجل الصالح العام الوطني الاقتصادي و الاجتماعي .

خاتمة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل