المحتوى الرئيسى

نطاقات" برنامج واقعي في مواجهة خطر البطالة

06/12 17:18

محمد المختار الفال

برنامج "نطاقات"، الذي سيكون الاطلاع عليه متاحاً للجميع خلال أسابيع، أتوقع أن يثير نقاشات وحوارات كثيرة، وهو يستحقها في نظري، وسيواجه باحتجاج البعض وامتعاض المتضررين ولا يستبعد أن يتحرك المنتفعون من الوضع الراهن لتعطيله

البطالة خطر حقيقي يواجه الدولة والمجتمع.. يدرك مخاطره الجميع ويكاد يعترف الكل بأن المعالجات والأساليب السابقة فشلت في إخراج البلاد من نفقه المظلم الذي يشكل بؤرا تنمو فيها كل أنواع المفاسد والأمراض السلوكية والأخلاقية.. وإذا تأملنا واقعنا الاقتصادي ونمونا السكاني ونسبة القادرين على العمل وأعداد العمالة الوافدة، بكل أنواعها ومهاراتها، ندرك أن إيجاد وظائف لطالبي العمل من أبنائنا وبناتنا أمر طبيعي مع وجود ملايين الوظائف التي تشغلها القوى العاملة الوافدة.. وهذا معناه أن "الخلل" في أساليب العلاج وليس في قدرة البلاد وحجمها الاقتصادي وإمكانياتها المالية وقدرة استيعابها. وملف توطين الوظائف "السعودة" تعاقب عليه وزراء وجندت له الدولة منظومة من القوانين والقرارات ودخلت في "تجاذب" مع القطاع الخاص باعتباره الأقدر على استيعاب الآلاف من أبناء الوطن، ولكن النتيجة كانت دوماً دون المأمول فاضطرت الحكومة إلى فرض القوانين والأنظمة على هذا القطاع، لكن هذه الأنظمة هي الأخرى لم تنجح في التقدم بالحلول إلى الأمام.. وكان القطاع الخاص – دائماً – يشتكي من أنه لم يشترك في دراسة المشكلة ولم يسهم في وضع الحلول المنطقية القابلة للتطبيق، ولهذا لا يستطيع أن يتبنى الحلول المفروضة عليه. و"تمترس" خلف الحجج المعروفة: عدم كفاءة الأيدي العاملة الوطنية ونقص تدريبها وفقدانها أخلاقيات العمل.. وإذا حاصرته القوانين دخل معها في لعبة المراوغة والتحايل على الأنظمة بأساليب لا حصر لها..

هذه الخلفية ضرورية لمن يريد أن يفهم برنامج "نطاقات" لتحفيز المنشآت لتوطين الوظائف الذي يقدمه وزير العمل المهندس عادل فقيه إلى القطاع الخاص. وهي مهمة لتفهم بواعثه باعتباره فكرة مبتكرة يمكنها – إذا تفاعل معها الجميع بروح إيجابية – أن تكون خطوة غير مسبوقة على طريق معالجة البطالة والشروع في خطة وطنية يتراضى عليها المجتمع – بكل هيئاته ومراكز إنتاجه – للخروج من مشكلة البطالة واعتبار زيادة طالبي العمل عنصر قوة يضاف إلى مميزات الاقتصاد السعودي.

الوزير عادل فقيه متحمس لهذا البرنامج- وأعتقد أن الكثيرين ممن فهموا البرنامج يشاركونه التفاؤل- ويسعى إلى إيصال تفاصيله واستيعاب أهدافه إلى أكبر قطاع من أصحاب الأعمال وقادة الرأي وصناعه ولهذا يلتقي منسوبي الغرف التجارية ووسائل الإعلام لشرح البرنامج والإجابة عن التساؤلات وتفسير المبهمات بروح الصبر والإيمان بأهمية مشاركة الجميع دون الزعم بأن البرنامج "عصا سحرية" ستحل المشكلة بين عشية وضحاها بل جل ما يرجوه هو أن يكون البرنامج قادرا على الخروج من "الدائرة المعلقة" التي تدور فيها قضية توظيف المواطنين وإحلالهم محل الوافد – بصورة واقعية – لا تعطل عجلة التنمية ولا تسيء لسمعة المملكة ولا تحرم أبناء وبنات الوطن من حقوقهم المشروعة.. ويعترف الوزير بأن البرنامج ليس من ابتكاره وحده بل هو نتاج عمل شارك فيه باحثون وقانونيون ورجال أعمال وخبراء خلال أكثر من أربع مئة ورشة ولقاء، وهذه "ميزته" فهو نتاج عمل مشترك انطلق من الواقع المعاش، ومن هذا الواقع أخذ النسب التي ستطبق على القطاعات.. وهذه النقطة بالذات "الواقعية" أرى أنها ستكون "مفتاح" تقبل القطاع الخاص لهذا البرنامج لأنه كان واقعياً ولم يصممه موظفون في مكاتب مغلقة، بل وضعه أناس من "السوق" يعرفون حقيقة واقع القطاع الخاص، وكيف يعمل، والمشاكل التي تواجهه، والحلول العملية التي يمكنها أن تكون مقبولة له. وواقعية نظام "نطاقات" جعلته ينظر للمشكلة من زوايا مختلفة ويقترح حلولاً، بعضها يقع في نطاق مسؤوليات وزارة العمل وبعضها من مسؤوليات الدولة بأجهزتها المتعددة ومصادر تشريعها.. والنظام، باختصار، يدور حول "تسهيل إحلال العمالة الوطنية مكان العمالة الوافدة دون الإضرار بدورة الإنتاج ونمو الاقتصاد الوطني"، وهذا مما يدخل في مسؤوليات وزارة العمل وصلاحياتها لكنه لم يغفل الإشارة إلى متطلبات الحلول طويلة المدى التي لا تتم إلا بتحقيق شروط عديدة يأتي في مقدمتها مواءمة مخرجات التعليم لسوق العمل وتبني سياسة توليد الفرص على مستوى الاقتصاد الوطني وخلق قناة نشطة من التنسيق بين الوزارات والجهات المعنية التي يمكنها المساهمة في توفير فرص عمل لطالبيه.. ثم القضية الأساسية التي يتفق عليها الجميع وهي رفع مستويات التأهيل العلمي والتقني والمهاري للشباب الداخلين في سوق العمل. وهذه العناوين تترجم في خطوات عملية مثل: مراجعة الإنفاق الحكومي وربطه بمشروع توطين الوظائف ومراجعة آليات الدعم الحكومي بحيث تعطي القطاعات المعنية بخلق الوظائف الأولوية ويأتي في مقدمتها تلك القطاعات والمنشآت الصغيرة القادرة على فتح الأبواب وخلق فرص العمل ومراجعة سياسات التعليم وتوجيه الإنفاق إلى الكليات والمعاهد التي يحتاج المجتمع إلى مخرجاتها والتطوير المستمر لمناهج التعليم والتدريب والتأهيل.

وبرنامج "نطاقات"، الذي سيكون الاطلاع عليه متاحاً للجميع خلال أسابيع، أتوقع أن يثير نقاشات وحوارات كثيرة، وهو يستحقها في نظري، وسيواجه باحتجاج البعض وامتعاض المتضررين ولا يستبعد أن يتحرك المنتفعون من الوضع الراهن لتعطيله أو التشويش عليه أو اتهامه بمحاربة مصالح شرائح من المجتمع.. كل هذا متوقع لأن البرنامج يناقش مسألة "تضاد المفاهيم والمصالح" أي مناقشة ما يقوله طالبو العمل وما يقوله أرباب العمل.. فمثلاً يناقش تدني الرواتب وسوء بيئات العمل وطول ساعات العمل، كما يناقش حجة أرباب العمل بأن العامل السعودي عالي التكلفة – مقارنة بالوافد – وغير منتظم في العمل وضعيف التأهيل وبالتالي قليل الإنتاجية.. وهذا "التضاد" في المفاهيم والمصالح أوجب على واضعي النظم أن يبحثوا عن "منطقة وسطى" تحقق هدف توطين الوظائف دون أن تعطل الإنتاج أو تحرم القطاع الخاص من الأرباح – الهدف الأساسي لأي مستثمر – وقد جاء النظام باعتباره "تحفيزا" وليس نظاما مفروضا.

بقيت مسألة في غاية الأهمية عالجها النظام – من مبدأ الواقعية – وهي أن القطاع الخاص يفضل العامل الوافد على السعودي لسببين رئيسيين: قلة التكلفة والطاعة أو قل سيطرة رب العمل على الوافد وتحكمه فيه، فجاء النظام ليسلب رب العمل ميزة السيطرة وأعطى العامل الوافد حرية الانتقال من الشركات والمؤسسات التي لم تستوف متطلبات النظام إلى غيرها دون انتظار موافقة الكفيل.. هذه المسألة ستكون لها آثار إيجابية عديدة بعضها متصل بمشروع توطين الوظائف والآخر يرد على ما يقال عن "تقييد" حرية حركة العاملين الوافدين.

أعتقد أن برنامج "نطاقات" فيه ما يدعو للاهتمام والتفاعل من الجميع لأنه يتصدى لقضية وطنية بروح لا تخلو من الابتكار والرغبة في تحقيق مصالح الجميع..

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل