المحتوى الرئيسى

الطريق إلى سيدي بوزيد - 2

06/12 14:32

نواف القديمي

امتدت لحظات انتظاري في المحطة قرابة الساعة.. في أثنائها تجولت على دكاكينٍ تبيع حلوياتٍ تشتهر بها القيروان، وأخرى تبيع منتجات شعبيّة.. ثم أخذتُ أتجول بين الحافلات.. أشاهد الناس وأستمع لأحاديثهم، وقد بدا لي واضحاً أنه كلما نزلتَ جنوباً في تونس، زاد الفقر، وقلّ التعليم، وبدت سِحنات الوجوه أكثر سُمرة وكدحاً، حتى أنك تكاد تستطيع أن تُميّز سُكان الجنوب عن الشمال.

وتحركت الحافلة باتجاه سيدي بوزيد بعد أن اكتملت في الساعة الحادية عشرة صباحاً.. وبدا الطريق ضيّقاً وزِراعيّاً في غالبه.. ويمر بوسط عدة قرى.. ويمتد لقرابة المائة وخمسين كيلومتراً باتجاه الجنوب.. وفيه نقطع عدة كيلومترات من الطُرق الترابية.. ولأن المزارع كانت تُحيطنا عن اليمين والشمال في بداية الطريق، توقّف سائق الحافلة مرتين كي يشتري هو وبعض الركّاب بعض الفواكه والخضراوات من هذه المزارع.. ولكن كلّما توغلت الحافلة في الطريق أكثر تضاءل منسوب الاخضرار في المُحيط، وازدادت ملامح الصحراء.

وصلتُ إلى سيدي بوزيد قبل الواحدة ظهراً.. وكان بانتظاري الأستاذ محمد طاهر.. وهو رجلٌ في أواخر الثلاثينيّات من عُمره.. ومن أعضاء حزب النهضة الإسلامي.. وقد قضى من شبابه أربعة أعوامٍ في السجن ابتداءً من 1991م بسبب نشاطه مع الحركة الطلاّبية بالجامعة التونسيّة.

بعد ركوبي مع طاهر وترحيبه الودود بي، التفتَ إليّ وقال: ما الذي تريد أن تعرفه في سيدي بوزيد؟.. قلت له مُبتسماً: أتيتُ كي أسمع القصة من أصحابها، وعلى أرضها، دون أن تُلوثها وسائط العولمة، ودون أن تَفقِد روحها وهي تتنقّل في مسارب الأثير الفضائي.

جامع الرحمة
سيدي بوزيد هو اسم لمُحافظة بالوسط التونسي.. تتوسطها مدينة سيدي بوزيد الصغيرة.. ويبلغ عدد سكّان المدينة قرابة الخمسين ألفاً.. غالبهم يعمل بالزراعة أو التجارة.. وغالب سكان المدينة ينتسبون لقبيلة (بني هلال) التي تسكن عشائرها بعدد من مدن الوسط التونسي.. ومحمد البوعزيزي ينتمي لعشيرة (الحورشان) من بني هلال.. وتُعتبر سيدي بوزيد من المُدن حديثة النشأة في تونس.. فهي لم تتأسس سوى قبل خمسين عاماً أو أزيد قليلاً.. وقد أُطلق عليها هذا الاسم لكونها تأسست بأرض تضم مقاماً لوليٍ اسمه (سيدي بوزيد).

مع طاهر اتجهنا أولاً لصلاة الظهر في جامع الرحمة.. هذا الجامع الكبير في هذه المدينة الصغيرة هو الذي شهد الشرارة الأولى للقصة.. فعلى بوابته الغربيّة كانت تقف عربة محمد البوعزيزي (محمد هو اسم الشهرة، واسمه في الأوراق الرسميّة طارق) ليبيع الخُضار يوم 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010م .. وبعد الصلاة أتته (فادية حمدي) المشرفة في البلدية (مشرفو البلديات يُسمون في تونس بـ "أعوان التراتيب") ومعها رجل أمن، وصادرت الخُضار، وتعاملت معه بقسوة، وتفوّهت بألفاظ نابية، ويُقال إنها قامت بصفعه أيضاً.

عندها غضب محمد البوعزيزي.. وذهب إلى (قصر البلديّة) ليرفع شكوى على عون التراتيب (فادية) التي أهانته وصادرت خُضاره.. ولكن البلديّة لم تُنصفه ولم تلتفت لشكواه.. عندها اتجه البوعزيزي إلى مقر (الولاية) ليقابل مُحافظ المدينة.. ولكن المُحافظ لم يقبل بلقائه ابتداءً، فضلاً عن أن يستمع لشكواه.. بل قام موظفو الولاية بطرده وشتمه بألفاظ نابية.. وحينئذٍ ذهب محمد وأحضر إناءً يحوي بنزينا.. ووقف على باب الولاية.. وسكب البنزين على جسده.. ثمّ أحرق نفسه.. هذه هي الخطوط العريضة للقصة كما نُشرت في كل الصحف والمواقع.

* * * *

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل

مقر الولاية حيث أحرق
محمد البوعزيزي نفسه أمام البوابة (الجزيرة نت)