المحتوى الرئيسى

اذهبوا فأنتم الطلقاء

06/12 13:04

بقلم: د. علاء الدين عباس

منذ عدة سنوات اتصل بي أخ فاضل، وطلب مني الذهاب للقاء بعض الإخوة الكرام من شباب الإخوان المسلمين بكلية هندسة حلوان، وكان اللقاء في أحد البيوت في منطقة بحلوان اسمها المشروع الأمريكي، وقد استغرقنا وقتًا طويلاً في اللف والدوران والتمويه، وسلكنا دروبًا متعرجةً، ودخلنا من مكان، وخرجنا من آخر؛ حتى نصل المكان المنشود، وقد ضمنا السرية والحيطة والحذر.. وعندما دخلت الحجرة المتواضعة والتي بها الإخوة الشباب وجدتهم ستة من المسئولين عن العمل الإخواني بالكلية.

 

وكانوا في قمة الغضب والانفعال، حيث قاموا بعمل معرض للقدس وبعض الفعاليات الخاصة بالانتفاضة الفلسطينية، إلا أن ضابط أمن الدولة عبد العاطي شعراوي اقتحم المكان، وحطَّم المعرض، وقام باعتداء غاشم على بعض الإخوة؛ ما جعلهم في حالةٍ من الغضب التي رأيتها، وقد انبرى كل واحد منهم يتوعد بالانتقام، فهذا يريد ضربه وإصابته بعاهة مستديمة، تجعله يترك الخدمة، وهذا يفكر في استخدام (مية نار) ليشوهه، ووصل الحد ببعضهم إلى قوله: أنا مستعد أن أقتله و"أروح فيه إعدام".. وكنت أنصت لكلماتهم النارية في وجل وإشفاق، ثم بعد أن أنهوا توعدهم وهدءوا قلت لهم: تريدون قتل عبد العاطي والإجهاز عليه تمامًا..؟ أنا أدلكم على الطريقة المثلى.. أنتم الآن ستة، فليعزم كل واحد منكم ألا تمر السنة قبل أن يضم خمسة من زملائه بدفعهم إلى الصف, فتكونون ثلاثين، فلو حدث هذا فسوف تقتلونه فعلاً.. ثم انبريت في الدرس حول الثبات والصبر ووعد الله بنصر دعوته، وكيف أننا مأجورون إن شاء الله على العمل.. إلى آخر هذه المعاني.. وبعد أن أنهيت اللقاء عدت إلى البيت بعد أن سلكت نفس الطرق المتداخلة من باب السلامة والأمان.

 

في اليوم الثاني اتصل بي ضابط أمن الدولة، وطلب حضوري في الثامنة مساء للضرورة، فذهبت إليه وبمجرد دخولي استقبلني ضاحكًا، وقال: أنا دائمًا بأقول لو وصل الإخوان للحكم فلن ينقذ رقبتي إلا علاء عباس.. وذكر أخًا آخر.. فقلت له: ولماذا..؟ فقال لي: مثلاً أمس ألم تقل" للولاد بتوع هندسة لو عاوزين تموِّتوا عبد العاطي جندوا طلبة كثير في الإخوان"..؟    حاولت أن أتماسك ولا أبدي دهشة من كيفية معرفته بتفاصيل اللقاء والذي اتخذنا فيه كل التدابير الممكنة للحيطة والسرية، وقفزت على الموقف بالهجوم؛ فهو أفضل وسيلة للدفاع.. فقلت له: ولكن ليس كل مرة تسلم الجرة.. نحن الآن نسيطر على إخواننا الشباب، ونطالبهم بالصبر والاحتساب، ولكن قد تصادف مرةً شابًّا متهورًا لا يستجيب لنصائحنا " وتيجي الفأس في الرأس" وساعتها لن ينفعك الكرسي ولا السلطة.. سكت قليلاً، ثم قال بلهجة ما بين الجد والمزاح: قل لي بصدق ماذا ستفعلون فينا لو وصلتم للحكم؟ فأجبته بجدية وأنا أعلم أن ما يقوله ضرب من الخيال (في جيلنا على الأقل): ولا حاجة.. سنقول لكم اذهبوا فأنتم الطلقاء.. ثم أردفت قائلاً: ولكن إلا من دم يا عبد العاطي؛ فهذا لا يملك أحد منا العفو عنه، فهذا حق الله.. فهزَّ رأسه مستغرقًا فيما لا أعلمه، ولكن كنت ما بين الحنق على هذا الاختراق السافر لمجالسنا الخاصة وما بين الحبور لهذا الوعيد الجاد الذي حاولت توصيله للضابط؛ حتى لا يظل سادرًا في غيه ويؤذي شبابنا أكثر.

 

طبعًا أنا أذكر هذه الأحداث الآن، ولا أملك إلا أن أخِرَّ لله ساجدًا شاكرًا على كرمه ومَنِّه، وكيف حوَّلنا من حال إلى حال في ثمانية عشر يومًا..

 

عبد العاطي شعراوي هذا لم يكن مجرد ضابط أمن دولة يقوم بوظيفته، بل وكما كان يصفه أخونا الدكتور أحمد عمر بقوله: هذا داعية أمني (من شدة إخلاصه وتفانيه في إيذاء الإخوة)، وعلى الجانب الآخر كان عندنا بفرع أمن دولة حلوان اللواء رشاد بيرم، وكان يمارس عمله أيضًا ولكنه كان (دماغ) يعني مستوظف؛ ولذلك لم يعمِّر معهم طويلاً، وأنجاه الله من هذه المظالم (وربنا يتوب على الجميع).

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل