المحتوى الرئيسى

باسل رمسيس : بلد الطبقة الوسطي.. عن الرقابة، الثورة، والدولة الدينية

06/12 19:24

أين هي حركة الاحتجاج، أو حتي الاعتراض، علي اعتقال فلاحي القصر العيني؟ لنترك هذا التساؤل مؤقتا، ولنعد إليه في نهاية المقال.

قبل يومين، في أحد المهرجانات السينمائية بإسبانيا، وخلال حوار مع مخرجة صينية شهيرة، تعيش بالخارج، ولا تستطيع زيارة بلادها لأسباب سياسية، سألتني عن مهرجان القاهرة السينمائي. أجبتها بأنه قد تم إلغاؤه هذا العام بحجج مالية، وأخري تتعلق بالأمن. كان ردها: (شئ مؤسف، كنت أود أن يدعوني، حتي أتمكن من عمل زيارة سياحية لمصر). فاجأني الرد الصريح، برغم معرفتي السابقة بأن “الفسحة السياحية”، وليس السينما، هي السبب الأساسي لأغلب مدعوي هذا المهرجان، والمهرجانات الشبيهة، لتلبية الدعوة. وجدتني أقول لها: (أنني سعيد بأن الشعب المصري لن يمول رحلاتكم السياحية. لست ضد إلغاء هذا المهرجان، كمهرجان نخبوي وللنجوم. نحن بحاجة لأن يشاهد المصريون أفلامكم بتنوعها، دون دعوتكم للسجادة الحمراء).

في نفس هذا المهرجان الإسباني، ولوجود مخرج مصري متميز، لم أنس تعليق المخرجة الصينية، إنما فتح حوار قصير بيني وبينه، حول الرقابة أيضا.

قصة الرقابة والمهرجانات ليست إشكالية تخص السينمائيين وحدهم، بل تخص بالأساس كل المواطنين المصريين. في حالة المهرجانات تخصهم لأنها تتعلق بكيفية صرف أموال المصريين. وفي حالة الرقابة فهي تخص الجميع، لأنها تتعلق بحق المواطنين في أن يكون لهم الكلمة الأخيرة، حول رغبتهم من عدمها، في وجود الرقيب/الوصي بينهم وبين المبدع السينمائي.

حكي لي هذا المخرج المصري عن اللجنة التي شكلها وزير الثقافة، “في الحكومة الثورية”، لإدارة المركز القومي للسينما. لجنة تضم عددا من المبدعين السينمائيين، ولم يمثل بها أي من عمال السينما، من فنيي الإضاءة وغيرهم. برغم احترامي البالغ لكل أعضاء هذه الإدارة الجديدة، إلا أن السؤال الذي عاودني من جديد، هو: لماذا لا يعقد مؤتمر سينمائي واسع، ودوري الانعقاد، يضم جميع المنتمين لمهنة صناعة السينما، سواء انتموا للنقابة أم لا، من أكثرهم أهمية وشهرة، وصولا للعمال والفنيين المنسيين علي الدوام، تكون مهمته انتخاب هذا النوع من اللجان، ووضع السياسات المتعلقة بالسينما؟ ألسنا في لحظة ثورية؟ إن لم يتم اتخاذ هذا النوع من الخطوات الآن، فمتي يكون وقتها؟ أليست حكومة شرف التي تضم الدكتور عماد أبو غازي هي الحكومة المكلفة من ميدان التحرير بأن تدير أولى خطوات الديمقراطية؟ لماذا يحددون هم أعضاء اللجان؟

عند القراءة السطحية للأخبار، يبدو كأن وزير الثقافة قد بدأ في تجاهل السينمائيين، ألغي مهرجانهم دون سؤالهم. لم يسألهم إن كانوا يريدون تحويل المهرجان من مهرجان نخبوي إلي مهرجان شعبي، يتيح للمواطنين المصريين الفقراء بأن يشاهدوا أفلاما من كل بلدان العالم. يبدو كذلك أنه يتجاهل اقتراحات هامة تتعلق بدور وزارته وأموالها في علاج مشاكل مجتمعية جوهرية، من ضمنها الاحتقان الطائفي. علي سبيل المثال، يستطيع القارئ مراجعة مقال الدكتور أحمد الخميسي، في موقع البديل يوم ١١ مايو، بعنوان: (رسالة إلي د. عماد أبو غازي… عن كنيسة إمبابة وحكاية الثور والبقرة). الذي تضمن اقتراحات واضحة لوزارة الثقافة لحل المشكلة الطائفية بعد أحداث إمبابة. علي حسب علمي لم تتخذ الوزارة أية خطوات جادة للحوار حول هذه المقترحات.

مع احترامي وتقديري للدكتور أبو غازي، فأنني أعتقد أن لا أحد يعوِّل علي وزارته الكثير، أو علي الحكومة بأكملها، فهم لا يديرون شيئا. وإن كان هناك من يجب محاسبته وسؤاله هو من يحكم، أو من يدير، أي السيد العسكري، الذي يراقبنا ولا يسمعنا، وقام بإنقاذنا من المخطط المهول لتقسيم مصر لثلاثة دويلات!!!

هذا عن المهرجانات، ماذا عن الرقابة؟ أفزعني ما حكاه الصديق المخرج السينمائي، حول أن هذه اللجنة تحاول أن تجعل من ضمن مهامها الرقابة السينمائية أيضا، حسب ما قاله، أن يكون المركز القومي للسينما هو الجهة الجديدة المسؤولة عن الرقابة. مبرر هذا التصور هو أن تكون الرقابة في يد السينمائيين، وليس في يد السلطة، قبل أن تتحول مصر إلي دولة دينية!!!

هي إذا هدية مجانية جديدة!!! مثقفو الطبقة الوسطي، السينمائيين في هذه الحالة، يتصورون أن المعركة قد حسمت، أن القادم هو البعبع الديني، وبما إننا لن نتمكن من إلغاء جهاز الرقابة، وإطلاق حرية الإبداع والتواصل مع جمهورنا، فإن أقصي طموحاتنا هي أن نمتلك نحن الرقابة!!! أن نكون الرقيب والمبدع!!!

مرة أخري نكتفي بقليلنا، بدلا من أن نرفض كل أنواع الوصاية، وأن نتحرك باتجاه نموذج للديمقراطية، أكثر شفافية وشعبية – مثلما أشرت في مسألة مؤتمر السينمائيين – فإننا نمنح الهدايا المجانية، ونسجد أمام البعبع الديني. متناسين مرة أخري بأننا – كمثقفي الطبقة الوسطي – لم نقم بقيادة هذه الثورة، بالرغم من أن بعضنا حاول ويحاول ركوبها. بينما من يدفعون ثمنها، وشكلوا وقودها الأساسي هم العمال والفقراء المصريون، أصحاب كل المبادرات الشجاعة والحاسمة في المعركة ضد مبارك ونظامه. هم من قطعوا الطرق، احتلوا الشوارع، قاموا بالإضرابات، واحتلوا مواقع العمل، دون أن ينتظروا القيادة “الملهمة” التي ستحدد لهم الخطوة القادمة.

عودة للسؤال المطروح في بداية المقال: أين هي حركة الاحتجاج ضد القبض علي فلاحي القصر العيني؟ حتي وإن كانت علي صفحات “الفيس بووك” فقط، مثلما تم بعد ١١ فبراير في لحظات مشابهة؟ الاحتجاج انحصر في نطاقات ضيقة. ربما لأنهم لا ينتمون إلي مثقفي المدن من الطبقة الوسطي؟

يوم ٣ فبراير، بعد موقعة الجمل، وفي ميدان التحرير، قلت أمام أحد الشباب، أن هذه الثورة ستنجح لأن الملايين من الفقراء انتموا إليها. أجابني بحسم وبحدة: (دي مش ثورة فقرا، إحنا عايزين بس الديمقراطية). لم أجبه لأنني لم أعرف الإجابه. الآن، بعد شهور، أعتقد بأن الإجابة قد وضحت. هل كانت ستنجح ثورتنا إن كان مثقفو المدن من الطبقة الوسطي هم من قادوها؟ نعرف بأن ثورتنا لم تحقق نجاحا باهرا، بالطبع أنجزت بعض أهدافها، وتنتظر مرحلتها الثانية، فهل يقود هذه المرحلة القادمة المثقفون المترددون، أم فقراء ريفنا وعمال ومهمشو المدن؟

عنوان المقال الأصلي كان (دي بلد طبقة وسطي صحيح)، إلا أن هذا العنوان، بسبب الوزن والتشابه، كان سيحيل القارئ إلي “شتيمة” شهيرة تتردد في الشوارع المصرية منذ عقود. غيرت العنوان، لأنني قد قررت مؤخرا أن أكون أكثر أدبا في مقالات البديل، وبالذات مع أعزائي أعضاء المجلس العسكري، الذي قام بالثورة!!!

basel@dayraarts.com

مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل