المحتوى الرئيسى

الحرية والمسئولية في الفقه الإسلامي

06/12 11:02

أ.د. محمد كمال إمام

سوف يتسع مفهومنا للفقه الاسلامي في هذا البحث ليستوعب مواقف الفقهاء وآراء الأصوليين وأحكام المذاهب الفقهية. على أن ينحصر جهدنا في المواقف والآراء والأحكام التي تتعلق بفكرة الحرية وأساس المسئولية.

ولا ينبغي الاعتقاد أن الفقهاء كانوا بعيدين عن الجدل الدائر في عصرهم حول حرية الارادة، ولم تكن مواقفهم مجرد حوار عقلي تجريدي بل كان له أثره في آرائهم الأصولية ودوره فيما قالوا به من أحكام فقهية (1)، ونحن حين ندرس المواقف والآراء والأحكام لدى هؤلاء الأعلام دون أن نفصل بينها، إنما نهدف إلى التصوير الأمين لموقف الفقهاء من مسألتي الحرية والمسئولية وسوف نعالج موضوعنا في مبحثين:

المبحث الأول: مواقف الفقهاء من حرية الارادة.

المبحث الثاني: أحكام المذاهب وأساس المسئولية (2).

المبحث الاول: مواقف الفقهاء من حرية الارادة

المطلب الأول: الإمام أبو حنيفة ومشكلة الحرية

لا شك أن القضية كانت مثارة في عصر "أبي حنيفة" وخاصة أن ابن النديم نسب له كتاب "الرد على القدرية" ويرى "البغدادي" في "أصول الدين" و "بروكلمان" في "تاريخ الأدب العربي" أن الرد على القدرية هو نفسه كتاب "الفقه الاكبر" "لأبي حنيفة النعمان"، ولا يعنينا كثيراً عرض الخلاف الذي دار بين الباحثين حول صحة نسب عدد من المؤلفات الكلامية الى أبي حنيفة (فرغل 230_233) و (النشار 1/257_259) و (أبو زهرة: أبو حنيفة 166_168) والإمام الأعظم كان يسعى لأن يلتزم موقفاً في هذه القضية فقد "حكى" "ابن بطال" في شرح البخاري عن "أبي حنيفة" أنه قال لقيت "عطاء بن رياح" بمكة فسألته عن شيء فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة قال: من أهل القرية الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً؟ قلت نعم قال: من أي الأصناف أنت؟ قلت ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر ولا يكفر أحداً بذنب فقال "عطاء" عرفت فالزم (الشاطبي: الاعتصام 1/60).

وقد أحس الإمام الأعظم بخطورة المسألة ولكم تمنى ألا يخوض الناس فيها فقال: "هذه مسألة استصعبت على الناس فأني يطيقونها! هذه مسألة مقفلة قد ضل مفتاحها فإن وجد مفتاحها علم ما فيها. ولم يفتح إلا بمخبر من الله يأتي بما عنده ويأتي ببينة وبرهان" (النشار/268).

وقد أرغم القدريون الإمام الأعظم على الدخول في هذه المسألة ولقد قال لقوم جاءوا يناقشونه في القدر "أما علمتم أن الناظر في القدر كالناظر في شعاع الشمس. كلما ازداد نظراً ازداد حيرة، ولكنهم لا يقفون معه عند هذا الحد بل يحملونه على أن يتكلم في التوفيق بين القضاء والعدل كيف يقضي الله الأمور كلها. ويجري على مقتضى قدره وقضائه، ويحاسب الناس على ما يجيء على أيديهم من عمل، فيقولون له "هل يسع أحد من المخلوقين أن يجري في ملك الله ما لم يقض. قال لا، إلا أن القضاء على وجهين منه أمر، والآخر قدرة. فأما القدرة فإنه لا يقضى عليهم ويقدر لهم الكفر ولم يأمر به. بل نهى عنه. والأمر أمران أمر الكينونة، إذا أمر شيئاً كان، وهو على غير أمر الوحي". وهذا _كما يقول فضيلة الشيخ "أبو زهرة" _ تقسيم حسن محكم من أبي حنيفة فهو يفصل القضاء عن القدر فيجعل القضاء ما حكم الله به مما جاء في الوحي الالهي، والقدر ما تجري به قدرته، وقدر على الخلق من أمور في الأزل. ويقسم الأمر إلى قسمين أمر تكون وإيجاد، وأمر تكليف وإيجاب. والأول تسير الأعمال على مقتضاه والثاني يسير الجزاء في الآخرة على أساسه ولكن هنا مسألة: وهي أتقع الطاعة والعصيان بمشيئة العبد أم بمشيئة الرب، فإن كان العصيان بمشيئة العبد فهل أراده الرب، وهل تتخالف الارادة والأمر. هذه هي المعضلة؟ يجب أبو حنيفة عن هذه المسألة إجابة مشتقة من طاقة المعرفة الانسانية المشاهدة ومن أوصاف الجلال والكمال التي تليق بذات الله. وكمال قدرته وشمول علمه. فيقول: "وإني أقول قولا متوسطا، لا جبر ولا تفويض ولا تسليط والله تعالى لا يكلف العباد بما لا يطيقون. ولا أراد منهم مالا يعلمون ولا عاقبهم بما لم يعملوا ولا سألهم عما لم يعملوا ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم والله يعلم بما نحن فيه" (أبو زهرة: ابو حنيفة 178) هذا ما يقوله الإمام الأعظم في هذه المعضلة في حديث له مع "يوسف بن خالد السمتي" عندما أقبل عليه من البصرة يسأله في القدر وهو موقف يكشف رأي الإمام من حرية الإرادة فهو يعطي للإرادة الانسانية حريتها لأنه هو الأمر المحسوس وغيره ليس بملموس. وهو يعطي الله ما يليق به (أبو زهرة: ابو حنيفة 178) ولكن هل معنى ذلك أن الإمام الاعظم ينتمي إلى رأي الأشعري ويقول بالكسب؟ هكذا يرى الدكتور علي سامي النشار وهذا ما نخالفه فيه تماماً.

فالأشعري يثبت للإنسان قدرة غير حقيقية أو هي مجازية لأنها قدرة غير مؤثرة "والإمام أبو حنيفة" يثبت للعبد قدرة على الفعل حقيقية كما يثبت له اختياراً وما فهمناه من مقالة الإمام الأعظم وموقفه من القدرة شرحه الإمام الغزالي حيث قال "إن أبا حنيفة وأصحابه قال إحداث الاستطاعة في العبد فعل الله واستعمال الاستطاعة المحدثة فعل العبد حقيقة لا مجازاً" (الغزالي: الأربعين 8).

ويقول أبو حنيفة "إن الاستطاعة التي يعمل بها العبد المعصية هي بعينها تصلح لأن يعمل بها الطاعة وهو معاقب في صرف الاستطاعة التي أحدثها الله فيه وأمره أن يستعملها في الطاعة دون المعصية (3) وعلق الشيخ الكوثري على ذلك قائلاً: "وصدق الاستطاعة هو مدار التكليف وقد جعله الله بيد العبد المكلف فلا جبر عنده".

ومع ذلك فإن الإمام الأعظم _في رأينا _ يقترب من رأي الأشعري في زمان القدرة أو الاستطاعة فهي عنده كما عند "الأشعري" تكون مع الفعل لا قبله ولا بعده.

وعلى الرغم من هذا الموقف الواضح للإمام أبي حنيفة فقد قيل عنه إنه جبري حيث يذهب الدكتور يحيى هاشم فرغل بعد تحليل آراء أبي حنيفة في مشكلة أفعال العباد إلى أنه لا يقدم تفسيراً يخرج به من الجبر (فرغل 244).

ونحن نرى أن القول بجبرية أبي حنيفة لا تجد ما يسندها من فكر الإمام وفقهه بل كلاهما يبعد الإمام الأعظم عن الجبر ودعوى جبرية الإمام الأعظم قديمة بل قيل أيضا إنه جهمي ولم يكن أبو حنيفة جهميا يؤمن بالجبر كما حاولت المصادر الشيعية المختلفة أن تثبته. ولقد وقع "الخطيب البغدادي" في هذا الخطأ حين أورد أخباراً كاذبة عن أبي حنيفة تحاول وصمه بالجهمية (4).

والحق أن الإمام الأعظم انتهى إلى أن للانسان قدرة واستطاعة هما أساس المسئولية يقول "أبو الليث السمرقندي": إن أبا حنيفة توسط بين القدرية والجبرية إذ جعل الخلق فعل الله وهو إحداث الاستطاعة في العبد، واستعمال الطاعة المحدثة فعل العبد حقيقة لا مجاز (5) وموقف الإمام أبي حنيفة من أفعال العباد ليس ذهنياً فحسب بل لقد انعكس على أصوله الفقهية _كما سنرى بعد قليل _ وعلى أحكامه الفقهية كما سنبين عند عرضنا لمواقع المسئولية الجنائية في الفقه الإسلامي. والذين قالوا بجبرية الإمام الأعظم أو أنه يأخذ بنظرية الكسب عند "الأشعري" لم يربطوا فكر الرجل بأصول الفقه عنده ولا بما انتهى إليه مذهبه من أحكام فقهية.

المطلب الثاني: مالك بن أنس وحرية الارادة

شهد الإمام مالك عصراً كثرت فيه الانحرافات الفكرية واضطربت فيه الاتجاهات السياسية، ولم يكن _وهو الحريص على الالتزام بالكتاب والسنّة _ بمستطيع على البعد كلية عن كل هذه التيارات، فبعضها أصابه في نفسه فكانت محنته التي يرويها المؤرخون، وبعضها فرض عليه الخوض في مشكلات وآراء لم يكن راغباً الدخول فيها.

وكما يقول الاستاذ أمين الخولي بحق "فإننا نستطيع الاطمئنان إلى أن "مالكا" لم يتمرس بشيء يذكر من المعرفة الفلسفية بالمعنى الخاص (الخولي 310) لكننا لا نمتنع مع ذلك عن تتبع رأيه في مسألة أفعال العباد".

لقد نُسبت إلى الإمام مالك مؤلفات كلامية متعددة. والحديث في علم الكلام يتصل مباشرة بالمسئولية وخلق الأفعال. فقد ذكروا أن "لمالك" رسالة إلى ابن وهب أحد أصحابه _في القدر والرد على القدرية وهي رسالة مفقودة كمخطوط ولم يعرض لمحتوياتها أحد (الخولي 400، 410) وهذه الرسالة أيا كان الشأن في صحة نسبتها إلى الإمام مالك فهي تشير إلى أن له موقفاً من القدرية القائلين بحرية الانسان مطلقاً ويلاحظ على موقف الإمام مالك ما يلي:

1_ غضبه على القائلين بالقدر لأنه يفتح باباً للخلاف في الأمة ينبغي سده وقد روى عنه أنه قال: "ابن سيرين" أفضل عندنا من "الحسن" _يقصد الحسن البصري _ فقيل له يا عبد الله بأي شيء؟ فقال: إن الحسن زيّفه القدر (الخولي 293) بل هو يقول برد شهادة القدرية وأهل الأهواء (البغدادي: الفرق 156).

2_ ان الإمام "مالكاً" كان شديد التمسك بالقرآن والسنة يوصد باب الرأي يؤدي إلى الجدل ويعتبره بدعة. فعندما طُلب منه الرأي في مسألة الاستواء وقد اختلف حولها المشبهة والمعتزلة قال "الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" (النشار 273).

فالإمام مالك كان يتخذ الواقع العملي دليله إلى الفقه فلا فروض ولا جدل وهي نزعة عملية توشك أن تجعل "مالكاً" من أصحاب فلسفة الذرائع أو "البراجماتزم" كما يقول الأستاذ أمين الخولي (الخولي 315) و (النشار 273) وإن كان قوله ليس صحيحاً بإطلاق، "وقد كان مالك يؤمن بالقدر خيره وشره ويؤمن بأن الانسان حر مختار وهو مسؤول عما يفعل إن خيراً وإن شراً ويكتفي بذلك من غير أن يتعرض لكون أفعال الانسان مخلوقة له بقدرة أودعها الله أو غير مقدورة له. وقد قال في ذلك: "ما رأيت أحداً من أهل القدر إلا كان أهل سخافة وطيش وضعة".

ويستشهد بكلام لعمر بن عبد العزيز وهو قوله "لو أراد الله ألا يُعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطايا" (أبو زهرة: المحاضرات 227) وهكذا سار الإمام مالك على السنة في دراسته للعقيدة كما سار عليها في دراسته للفقه، فكان يدعو الناس إلى أخذ العقيدة من كتاب الله وسنة رسوله (ص)، لا من حكم العقل المجرد. وإن لم يكن في الشرع، لا في أصوله ولا في فروعه، شيء يخالف العقل، ويرى الاستاذ الدكتور النشار أن الإمام "مالكاً" بمذهبه قد مهد لظهور "أبي الحسن الأشعري" وقد اعتنق المالكية فيما بعد المذهب الأشعري ودافعوا عنه أشد دفاع.

ونحن نرى أن الموقف المالكي وإن مهد للأشعري إلا أنه لا يمكن وصف المالكية بأنهم أشاعرة. فهناك خلافات متعددة على الرغم من اتفاق موقف المالكية الأصولي من التكليف بما لا يطاق مع الأشاعرة.

المالكية والتكليف بما لا يطاق:

كما قلنا فإن التكليف بما لا يطاق كموضوع أصولي يتعلق بالجبر والاختيار والتحسين والتقبيح كمسائل أساسية في علم الكلام.

يفرق المالكية _ومعهم أيضا جمهور الفقهاء _ بين نوعين من الخطاب:

1_ خطاب التكليف. واشترطوا فيه القدرة والعلم، القدرة لقوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) والعلم لقوله تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فالتكليف مع عدم القدرة تكليف بمحال. والتكليف مع عدم العلم تكليف بغير الوسع. ولإجماع الأمة على أن من وطيء امرأة يظنها زوجته أو شرب خمراً يظنه خلا لا يأثم لعدم العلم وكذلك العاجز غير مكلف إطلاقاً" (القرافي 79).

2_ خطاب الوضع: وهو لم يأمر الله به ولا أناط به أفعال العباد فلا يشترط العلم والقدرة في أكثر خطاب الوضع ومثال ذلك أن الانسان إذا مات له قريب دخلت التركة في ملكه وإن لم يعلم ولا ذلك بقدرته (القرافي 80).

وفي مسألة التكليف بما لا يطاق يميل المالكي إلى اختيار الرأي العملي فهم لا يدخلون في جدل حول المستحيل بذاته أو المستحيل بغيره وإنما يقولون إن شرط التكليف القدرة على المكلف به. فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعاً وإن جاز عقلا (الشاطبي: الموافقات 2/107) خلافا للحنفية والمعتزلة القائلين بالمنع عقلاً أيضاً.

ويقول "الشاطبي" إذا ظهر من الشارع في بادىء الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة العبد، فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه أو لواحقه أو قرائنه فقول الله تعالى (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" وقوله في الحديث "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل" وقوله "ولا تمت وأنت ظالم" وما كان نحو ذلك ليس المطلوب منه إلا ما يدخل تحت القدرة وهو الإسلام وترك الظلم والكف عن القتل والتسليم لأمر الله وكذلك سائر ما كان من هذا القبيل (الشاطبي: الموافقات 2/108).

وهذا الموقف المالكي ليس فكريا محضا ووفقا للقول بالتكليف بما لا يطاق نفياً أو اثباتاً اختلف الأصوليون في مسئولية السكران والمجنون.

المطلب الثالث: الشافعي وحرية الارادة

ليس من شك في أن المدرسة الشافعية هي أكثر المدارس الفقهية اشتغالا بالفكر الفلسفي، وكان من أعلامها فقهاء وفلاسفة في آن واحد ويكفي أن نذكر الشافعي نفسه فإن "الرسالة " التي ألفها في أصول الفقه ليست مجرد شهادة ميلاد لهذا فحسب، ولكنها كشف عن مستوى العقلية الفلسفية التي بلغها الإمام "الشافعي" وليس هذا بغريب خاصة إذا علمنا أن أصول الفقه هي إحدى شعب الفلسفة الإسلامية التي اتسع مفهومها ليشمل الفلسفة المشائية وعلم الكلام والتصوف وأصول الفقه (عبد الرازق 27) ولاشك أن "الشافعي" قد وجّه الدراسات الفقهية وجهة جديدة.

ولقد كان "الشافعي" على دراية كبيرة بعلم الكلام وله فيه مناظرات مشهورة مع القدرية والمجبرة وغيرهم. وقد وقف الشافعي بالمرصاد "لبشر المريس" وهو فقيه مشهور وناظره مناظرة عنيفة عندما أعلن أنه قدري (النشار 277).

وبما كان هذا هو السبب الذي جعل اصحاب الإمام الأعظم يرمونه بالاعتزال(7) ، على الرغم من أن "الشافعي" كان ينفر من المعتزلة ومناهجهم في التفكير والبحث بل هو كما يقول "البغدادي" في "الفرق بين الفرق" يرفض قبول شهادة المعتزلة باعتبارهم من أهل الأهواء والبدع. بل هو يفرض عقوبة على من يخوض مثل خوضهم ويتكلم في العقائد على طريقهم.

وليس معنى ذلك أن "الشافعي" ليس له رأي فيما خاض فيه المتكلمون من مسائل كرؤية الله يوم القيامة ومسألة القدر، ومسألة الصفات بل كان للشافعي رأي يتفق مع منهاجه في الفقه وهو الأخذ بكل ما جاء به القرآن وما جاءت به السنة غير باحث في الأدلة التي يسوقها المتكلمون إلا بالمقدار الذي يؤيد النصوص. فكان مثلا يعتقد أن الإيمان يزيد وينقص لظواهر نصوص القرآن والأحاديث النبوية (ابو زهرة: المحاضرات 271).

وموقف الإمام "الشافعي" أقرب إلى موقف الإمام مالك فهو يثبت للإنسان حرية واستطاعة في الواقع العملي هما دعامتا المسئولية والعقاب ولا يُعنى "الشافعي" نفسه كثيراً بتحليل هذا الاختيار أو هذه الحرية، فيكفيه دليل الشعور يُحس به الفرق بين الفعل الاضطراري والفعل الاختياري وحسبه الشرع الذي يقرر مسئولية الانسان عن فعله وقدرته عليه.

وقد عالج فلاسفة المذهب الشافعي قضية الحرية على نحو يؤكد ارتباطهم الشديد بالفكر "الأشعري" ودفاعهم عنه إلا في القليل من المسائل، فإمام الحرمين "ابو المعالي الجويني" يدافع عن الأشاعرة وخاصة عن نظرية الكسب التي قال بها "الأشعري" إلا أنه يرى أن القدرة غير المؤثرة عاجزة ويؤكد بعد ذلك أن العبد مكتسب لأفعاله _أي قادر على فعلها _ وإن لم تكن قدرته مؤثرة في المقدور (الجويني: اللمع 107) وهذا يعني أن الجويني يدافع عن نظرية الكسب بكل أركانها(7).

وحجة الإسلام "الغزالي" وهو شافعي في الفقه الإسلامي أشعري في العقيدة، نجد الحرية عنده تمثل علاقة بين الانسان وغيره من الأشياء وليست قدرة حقيقية على الفعل منحها الانسان، فهو يفسر الحرية في إطار فهمه الخاص لمبدأ السببية وعلى أنها إطراد وليست ضرورة متفقاً في ذلك مع رأي "دافيد هيوم" في السببية.

أما "سيف الدين الآمدي" فإنه في كتاب "غاية المرام في علم الكلام" (ط القاهرة 1971 ص 214_223) يصرح بأن خلق الأفعال موضع غمرة ومحل اشكال. ويصرح أيضا بسلامة الموقف الأشعري العام ويناقش المعتزلة في كل آرائهم حول خلق الأفعال والارادة وينتهي إلى تعريف للكسب يوحي بأن الآمدي يجد حرجاً في القول بالقدرة غير المؤثرة ويرى أنها تحول دون فهم حقيقي للتكاليف ومسئولية الانسان.

الشافعية والتكليف بما لا يطاق:

إذا كان موقف فلاسفة المذهب الشافعي من حرية الارادة غير واضح في تعارضه مع المذهب الأشعري _على الأقل في بعض تفصيلاته _ فهم في أصول الفقه في مسألة التكليف بما لا يطاق صرّحوا بمخالفة مذهبهم الفقهي للفلسفة الأشعرية:

موقف الجويني:

موقف الجويني من التكليف بما لا يطاق يخالف المذهب الأشعري تماماً، فهو يقول "لقد نقل الرواة عن الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه أنه كان يجوز تكليف مالا يطاق ثم نقلوا عنه اختلافا في وقوع ما جوّزه من ذلك وهذا سوء معرفة بمذهب الرجل فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة على خلاف الاستطاعة وهذا يتقرر من وجهين:

أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل والأمر بالفعل يتوجه على المكلف قبل وقوعه وهو إذا ذاك غير مستطيع ولا يدفع، ذلك قول القائل إن الأمر بالفعل نهي عن أضداده، والمأمور بالفعل قبل الفعل وإن لم يكن قادراً على الفعل فهو قادر على ضد من أضداده أو ملابس له فإننا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون نهياً عن أضداده وأيضاً فإن القدرة إن قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل. والفعل مقصود مأمور به وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه. فهذا أحد الوجهين والثاني: أن فعل العبد عنده واقع بقدرة الله تعالى والعبد مطالب بما هو فعل ربه.. فإذا قيل فما الصحيح عندكم في التكليف بما لا يطاق قلنا إن أريد بالتكليف طلب الفعل فهو فيما لا يطاق محال من العالم باستحالة وقوع الطلب وإن أريد به ورود الصيغة وليس المراد به طلباً كقوله تعالى: (كونوا قردة خاسئين) فهذا غير ممتنع" (الجويني: البرهان 1/102) ويرد الجويني على الذين يرون أن التكليف بما علم الله تعالى أنه لا يكون تكليف بمحال ومع ذلك فإن التكليف بخلاف المعلوم جائز فكأنه تكليف بمحال، يقول إنما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدور عليه في نفسه وليس امتناعه للعلم بأنه لا يقع، ولكن كان لا يقع مع إمكانه في نفسه فالعلم يتعلق به على ما هو عليه وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره ولا يوجبه بل يتبعه النفي والاثبات ولو كان العلم يؤثر في المعلوم لما تعلق العلم بالقديم سبحانه وتعالى(9). هذا موقف إمام الحرمين من التكليف بما لا يطاق في كتابه "البرهان" (10).

موقف الإمام الغزالي:

يقول الغزالي "ذهب شيخنا أبو الحسن رحمه الله إلى جواز التكليف بما لا يطاق مستدلاً بقوله تعالى (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) ولا وجه للابتهال لو لم يتصور ذلك في البال.

واستدل: بأن "أبا جهل" كلف تصديق الرسول (ص) بعد أن أتى على لسان الرسول أنه لا يصدق في أصل تكليفه فحاصل تكليفه أن يصدقه في أنه لا يصدقه وهذا بمذهب شيخنا أبي الحسن.. والمختار عندنا استحالة تكليف مالا يطاق. نعم ترد صيغة الأمر للتعجيز كقوله تعالى (كونوا قردةً خاسئين) والانباء والقدرة كقوله تعالى (كن فيكون) ولم ترد للخطاب والطب وهذا كقوله تعالى (حتى يلج الجمل في سمّ الخياط) معناه: الابعاد لا ما يفهم من صيغة التعليق فإنه يستحيل أن يطلب من المكلف ما لا يطاق.

والدليل على استحالته: أن الأمر يتعلق بمطلوب كالعلم يتعلق بمعلوم والجمع بين القيام والقعود غير معقول فلا يكون مطلوباً ويستحيل طلبه إذ لا يعقل في نفسه (الغزالي: المنخول 23 و 24) فالغزالي في هذا الرأي يفرق بين المستحيل لذاته والمستحيل لغيره ويرى أن المستحيل لذاته لا يجوز التكليف به.

أما المستحيل بغيره فإنه يجوز، وهو في هذا يوافق ما انتهى إليه معتزلة بغداد ويخالف "الأشعري" ومن تبعه من أمثال "الرازي" و "ابن السبكي" وغيره ويقرر "الغزالي" على نحو ما رأينا عند "الجويني" أن المقدور في ذاته جائز الوقوع لا تتغير حقيقته بالعلم (الغزالي: المتخول 28) والحق أن "الغزالي" في موقفه من التكليف بما لا يطاق يفصح عن رأيه من حرية الارادة فهو يقول "إن للقدرة الحادثة تعلقاً بالمقدور والاستطاعة وإن قارنت الفعل فلم يكلف في الشرع إلا ما يتمكن منه قطعاً وذلك بين في مصادر الشرع وموارده ووعده ووعيده. إذ لا معنى لتخصيص فعل فاعل عن آخر بعقاب أو ثواب مع تساوي الكل في العجز وعنه وهذا مستحيل (الغزالي: المتخول 26_27).

و "الغزالي" يعني بذلك أنه اذا كانت القدرة الحادثة عند العبد لا تأثير لها أبداً يكون العباد جميعاً متساوين في العجز في كل الأفعال فلا معنى حينئذ لوصف فعل بأنه طاعة وآخر بأنه معصية إذ لا يوصف بذلك إلا إذا كان مقدوراً للعبد بقدرة أثرت فيه.

والغزالي هنا يخالف الأشعري في قوله إن القدرة الحادثة لا تأثير لها في المقدور أبداً.

ويستند الغزالي على أصله في عدم جواز التكليف بما لا يطاق للقول بأن السكران لا يكلف لأن شرط الخطاب فهمه وهو مضمن به والسكران لا يفهم فإن قيل له إفهم كان تكليف ما لا يطاق.. وكذا الناسي الذاهل حكمه حكم السكران في التكاليف (الغزالي: المتخول 28_29).

المطلب الرابع: أحمد بن حنبل وحرية الإرادة

لقد تعرض الإمام "أحمد بن حنبل" لمحنة شديدة إثر موقفه من بعض القضايا الكلامية في عصره ونظريته الكلامية بكل ما يراه فيها من أراء، وما أثبته المؤرخون له من مواقف ينبغي أن تعرض باعتبارها رد فعل من فقيه متمسك بالكتاب والسنة إزاء الانحرافات السياسية والفكرية التي سادت في عصره.

وقد بين لنا الإمام "أحمد" عقيدته الكلامية في رسالته "الرد على الزنادقة والجهمية" فيما شكّوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله(11) وقد عرض الباحثون في الفلسفة (النشار 278_294) والدارسون للفقه (ابو زهرة: محاضرات 343_349) آراء الإمام أحمد الكلامية وما يعنينا منها هو موقفه من حرية الارادة.

ولم يصرح الإمام أحمد بموقفه في حرية الارادة حتى قيل إنه يرى في سبق القضاء التفسير الوحيد لأفعال البشر وللأحداث التي تلم بهم (باتون 261) وهو قول يقترب من نسبة الجبر إلى الإمام أحمد. ولا شك أن ابن حنبل يؤثر بوضوح النقل على العقل ويقاطع من يخوضون في أمور لم تعرف لدى السلف. وله في هذا الشأن مواقف مشهورة مع "المحاسبي" الذي ردد شيئاً مما قال به المعتزلة. كان يؤمن بالقدر خيره وشره وأن ما يفعله الإنسان بقدرة الله وإرادته فلا يقع في ملكه إلا ما يريد ولا يصدر عن العبد شيء لم يهيئه الله له _لذلك كان حرباً على القدرية ولا يقر الصلاة معهم (مدكور 126) ونحن لا نعتقد أن ذلك هو الموقف الفقهي للامام "احمد" فهو مع تقريره وجوب الإيمان بالقضاء والقدر لا ينفي التكليف والاختيار في الطاعة كما يقول الشيخ ابو زهرة (ابو زهرة: محاضرات 345) إلا أن موقف الإمام من المعتزلة والقدرية ينبغي أن يفهم في إطاره الزمني وظروفه التاريخية. ونحن نستطيع أن نفهم الموقف الحنبلي بدقة أكثر لو تأملنا موقف الإمام "ابن تيمية" وتلميذه "ابن قيم الجوزية" في قضية حرية الإرادة.

رأي ابن تيمية:

لقد كان أمام "ابن تيمية" مذاهب ثلاثة: الجبرية والمعتزلة والاشاعرة ورأي أنهم جميعاً محل نقد فانتهى إلى رأي يوفّق فيه بين خلق الله لكل شيء وبين الارادة الفاعلة للإنسان والتي هي أساس الثواب والعقاب والمسئولية والجزاء.

يقول ابن تيميه "ومما ينبغي أن يُعلم أن مذهب سلف الأمة مع قوله تعالى (الله خالق كل شيء) وقوله (إن الانسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً) ونحو ذلك فمذهبهم أن العبد فاعل حقيقة وله مشيئة وقدرة" (ابن تيمية: المسائل 142) وهو مع اثباته قدرة للانسان يؤكد أن الله خالق كل شيء ومن بين ما خلق قدرة العبد واختياره. فهو هنا يثبت للعبد قدرة على الفعل والترك فلا يبطل التكليف كما فعل الجبرية، وهو يثبت شمول الخلق الالهي حتى لا يقال إنه يحدث في ملك الله ما لا يريده على نحو ما ينتهي إليه رأي المعتزلة.

رأي ابن القيم:

أما "ابن القيم" فإنه بعد أن يعرض للآراء المختلفة في خلق الأفعال يقول "والصواب أن قال: تقع الحركة بقدرة العبد وإرادته التي جعلها الله فيه. فالله سبحانه إذا أراد فعل العبد خلق القدرة والداعي إلى فعله فيضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة السبب الى سببه ويضاف إلى قدرة الخالق إضافة المخلوق الى الخالق (ابن القيم: شفاء 146) ويوضح ابن القيم رأيه فيقول "اعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل والعبد فاعل منفعل. وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه، فالجبرية شهدت كونه منفعلا يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل. وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار ولم يجعلوه فاعلاً إلا على سبيل المجاز فقام وقعد عندهم بمنزلة مرض ومات ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محض، والقدرية شهدت كونه فاعلاً غير منفعل في فعله. وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء، وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه ومهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به فأثبتوا نطق العبد حقيقة وإنطاق الله له حقيقة وأثبتوا ضحك العبد وبكاءه وإضحاك الله وإبطاءه (وأنه أضحك وأبكى).. ومتعلق الأمر والثواب الفعل لا الإفعال" (ابن القيم: شفاء 134، 135 والفرقان 151،152).

ولسنا نبغي الدراسة الانتقادية لموقف الفقيهين وإنما نقرر أن موقف "ابن تيميه" وهو شيخ الحنابلة في القرن الثامن الهجري _وموقف تلميذه "ابن القيم يكشفان أهمية حرية الارادة وضرورة إثباتها بل إن "إبن تيمية" يتفق مع المعتزلة في أن الاستطاعة سابقه على الفعل وليست مقارنة له كما يقول الأشعري وهي مناط التكليف ومن لا قدرة له لا تكليف عليه وهي أيضاً مصاحبة للفعل وبها يتم التنفيذ فالاستطاعة عنده أمر ذاتي وعليها يقوم الاختيار وحرية الارادة (ابن تيمية: التعارض 2/60،61 ومدكور 127).

الحنابلة والتكليف بما لا يطاق:

ما هو وجه الحقيقة في موقف الحنابلة؟

إن إبن الجوزي _وهو عمدة في المذهب الحنبلي _ يقول في تفسير قوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) الوسع هو الطاقة قال ابن عباس وقتادة ومعناه لا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته كتكليف الزمن السعي والأعمى النظر فأما ما يستحيل من المكلف لا لفقد الآلات فيجوز كتكليف الكافر الذي سبق في العلم القديم أنه لا يؤمن فالآية محمولة على القول الأول ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) فلو كان تكليف ما لا يطاق ممتنعا كان السؤال عبثا" (ابن الجوزي 346).

ويفسر ابن قدامة الحنبلي قوله تعالى (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) أي ما يشق ويثقل فالآية عنده ليست دليلا على جواز التكليف بما لا يطاق (ابن قدامه 26،27،29).

ولتحديد موقف الحنابلة نتأمل بعض فروعهم في هذه المسألة وهي تكليف السكران والمكره والمغمى عليه فالحنابلة يرون أن السكران مكلف وكذلك المكره والمغمى عليه وقد سئل الإمام أحمد عن المجنون يفيق: يقضي ما فاته من صوم. فقال المجنون غير المغمى عليه فقيل له لأن المجنون رفع عنه القلم قال نعم قال القاضي فأسقط القضاء عن المجنون وجعل العلة رفع القلم فاقتضى انه غير مرفوع عن المغمى عليه (آل تيمية 35،37 وقارن ابن اللحمام 39) فعلة عدم تكليف المجنون والصبي عند الحنابلة هي النص على رفع القلم _أي المسئولية عنهم وليس عدم جواز التكليف بما لا يطاق. خاصة وأن المذاهب التي لا ترى تكليف السكران تبنيه على أنه لا يفهم فإن قيل له افهم كان تكليف ما لا يطاق (الغزالي: المتخول 28).

والذي نراه _بعد تأمل كتب الأصول والقواعد عند الحنابلة _ أنهم لا يقولون بجواز التكليف بالمحال مطلقا ولكنهم جوزوا المستحيل لغيره، وهم بذلك يبتعدون عن "الأشعري" على خلاف ما ذكره أبويعلي الفرّاء.

المطلب الخامس: مواقف بعض الفقهاء الآخرين

أولا: موقف ابن حزم الظاهري:

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل