المحتوى الرئيسى

دروس غير مُستفادة

06/12 08:15

كان يوماً عادياً من أيام الجمعة، لا يميزه شىء عن أى يوم مماثل، لولا أنه قرأ إعلانا فى إحدى الصحف عن جهاز يتوق أن يشتريه. اتصل بصاحبه ليعرف السعر والمواصفات فبدا له الأمر مُغريا بالشراء. سأل عن العنوان فعرف أنه فى مدينة قريبة من مدينته لم يزرها من قبل. تردد قليلا ثم عقد العزم على الذهاب.

واحد من أيام الجمعة الطويلة التى لا يعرف فيها ماذا يصنع بنفسه، وبالتالى لن يخسر شيئا بالذهاب. حين نزل إلى الطريق خامره إحساس أنه مرّ بهذا الموقف من قبل لكن الشعور لم يدم إلا ثانية واحدة بعدها نسيه تماما.

اختار أن يذهب بالقطار، يتملل فى مقعده، يُغير وضع ساقيه، يقوم ويجلس. يندم على قرار السفر، ثم يقول لنفسه إنها فرصة لمشاهدة مكان آخر ثم العودة بلا إبطاء. وهب أنه مكث فى بيته ما الذى كان سيفعله والحر يشيع السأم والضجر، ويشجع على الكسل وقلة الحركة، ويُطبق على الأنفاس!.

حينما هبط من القطار عاوده الشعور الخاطف بأنه مر بهذا الموقف من قبل. المدينة مثل أى مدينة مصرية أخرى. نفس المنازل الكئيبة والمتاجر المتشابهة. نفس الوجوه والزحام، حتى الملابس المعلقة على حبال الغسيل كانت متشابهة.

العنوان مُحدد بدقة، كل ما عليه أن يسير فى الشارع ثم يعبر الميدان الواسع، لكن انتظر.. كيف تقول إنك لم تزر هذه المدينة من قبل والمبانى مألوفة جدا!. مثلا هناك محل عصير قصب قادم عن قريب. يا إلهى! المحل موجود فعلا! هل عشت حياة أخرى فى هذا المكان؟!

كان الآن يعبر الميدان الواسع وهو مشتت التفكير، الشمس تُلهب رأسه، والهواء اللزج يطبق على أنفاسه، وجهه ينطق بالضجر، قدماه متثاقلتان، وغرابة الموقف تتزايد كل لحظة.

وفجأة سطعت الحقيقة فى ذهنه، لقد جاء هنا بالفعل، وكان شارد الذهن حين عبر الميدان نفسه، لذلك لم يفطن إلى السيارة القادمة بسرعة، فدهمته وقطعت ساقيه. يذكر الآن كل شىء بوضوح كامل. حين أدرك أنه فقد ساقيه إلى الأبد، وشاهد حياة العجز القادمة بكل تفاصيلها المخيفة، لحظتها صرخت روحه صرخة هائلة، قالت: «يا رب أرجع الزمن إلى الوراء!،

اجعل هذا الموقف كأن لم يكن وأعدك بأننى فى المقابل سأشكر نعمتك، وأعرف روعة أن أسير على ساقين، أعدك يا إلهى إذا أعدت الزمن إلى الوراء بأننى لن أتذمر بعدها أبدا».

وقف فى منتصف الميدان مرتبكا، تحسس ساقيه فى لهفة، الآن يدرك أن المعجزة قد حدثت بالفعل ورجع الزمان إلى الوراء كما تمنى، لكن المشكلة أنه لم يف بالوعد، ظل ضجرا متململا يشكو من كل شىء، ما العمل الآن؟ هل من شىء ينقذ الموقف بسرعة؟

كان هذا آخر ما فكر فيه والموقف يتكرر من جديد: السيارة تدهمه، وصوت فرامل مفاجئة يصحبها صوت عظام يتهشم، وألم هائل يشعر به لا يمكن وصفه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل