المحتوى الرئيسى

فى شرم.. أم فى القاهرة؟

06/12 08:15

يتمنى المرء لو أن أهل الاقتصاد انشغلوا هذه الأيام بشىء مما كان أهل الأدب ينشغلون به زمان، ولايزالون طبعاً.. والفكرة أن نقاد الأعمال الأدبية المحترمين يعرفون نوعاً من الدراسات اسمه «الأدب المقارن»، وهو يقوم على أساس أن ينشغل ناقد أدبى بدراسة رواية لكاتب مصرى، ثم يدرس معها، فى الوقت ذاته، رواية لكاتب إنجليزى ـ مثلاً ـ ويعقد بينهما مقارنة، ليصل من خلالها إلى نوع من الملامح العامة المشتركة بين الأدبين هنا.. وهناك!

وربما تؤدى دراسة من هذا النوع إلى أن يعرف ناقد الأدب، الذى قام بالدراسة، ومن بعده القراء، أين نحن بالضبط مما يجرى فى العالم، ثم، وهذا هو الأهم، أين يتعين علينا أن نكون!

شىء من هذا نتمناه على مستوى الاقتصاد وشركاته، وأغلب الظن أن كثيرين يتمنون لو أنه ـ أى هذا النوع من الدراسات المقارنة ـ قد جرى فى مجال اقتصادنا عموماً!

وعلى وجه التحديد فإن ما نتمناه أن يأتى واحد متخصص من بيننا، ثم يختار شركة تم بيعها فى إطار عملية الخصخصة الشهيرة، ويختار فى الوقت نفسه شركة بيعت فى دولة أخرى فى الإطار ذاته، ويعقد بعد ذلك مقارنة بين الشركتين، من زاوية واحدة، بل وحيدة، وهى العائد الذى عاد على خزانة الدولة من وراء عملية البيع هنا، ثم هناك.

وسوف يكون على هذا الدارس أن يمشى خطوة أخرى، ويعقد مقارنة ثانية من نوع مختلف بين صفقة جرت، وجلبت ربحاً لأحد طرفيها عندنا، وبين صفقة مشابهة فى دولة من الدول التى تجرى فيها مثل هذه الصفقات علانية، وفى ظل القانون وتشريعاته!

فى الحالتين سوف يكون هناك عائد يجب أن يعود على الدولة، وسوف يكون هذا العائد فى صورة ثمن الشركة نفسه، فى المرة الأولى، وفى صورة ضرائب أرباح فى المرة الثانية، وسوف يكتشف الدارس أن حجم العائد هناك مختلف عن حجم العائد هنا، وأن العيب ليس فى الخصخصة، كعملية اقتصادية عالمية، ولا فى أن يربح من يشاء ما يحب من المال.. ففى كل بلاد العالم المتطور هناك خصخصة لشركات تجرى كل يوم، وهناك صفقات ضخمة تنعقد فى كل لحظة، لكن الفارق الذى سوف يتبين من الدراسة أن الشفافية فى البيع متوافرة هناك، وليست متاحة هنا بالشكل الكافى، وأن الأرباح هناك عليها ضرائب بنسبة محددة، ومقدسة، وهى نسبة تذهب إلى الخزانة العامة، تلقائياً، كأنها تعرف طريقها!

وما نرجوه أن ننتبه الآن إلى أن المشكلة لم تكن فى أى وقت فى أن هذه الشركة بيعت، لكن المشكلة هى كيف بيعت، وبأى ثمن، وأين ذهب ثمنها، ولم تكن المشكلة أيضاً فى أن فلاناً ربح مائة مليون.. بالعكس.. فليربح ملياراً، بشرط أن تذهب 200 مليون منها إلى الخزانة العامة، بعدها بساعة!

العيب إذن ليس فى البيع كبيع، ولا فى الأرباح التى يحققها أفراد، مهما كانت قيمتها، وإنما فى عدم وجود تشريعات واضحة تضع شكلاً محدداً، بمعايير معينة، للبيع فى أى لحظة، وأيضاً تلزم الرابح فى كل حالة بأن يأتى بنصيب الدولة إلى خزانتها العامة، دون أن يتلكأ، أو يتمحك، أو يتهرب!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل