المحتوى الرئيسى

مصر.. والعالم

06/12 21:01

بقلم: د. عصام العريان

وقف الخلق ينظرون جميعًا            كيف أبني قواعد المجد وحدي

وبناة الأهرام في سالف الد          دهر كفوني الكلام عند التحدي

 

كان لذكر الأهرام في شعر حافظ إبراهيم، شاعر النيل، دلالة مهمة، فالأهرام رمز تاريخي يدل على عمق إيمان المصريين منذ فجر التاريخ بالدار الآخرة، ويوم الدينونة والوقوف بين يدي الخالق الواحد سبحانه، حتى الفراعنة أنفسهم الذين رفعهم الشعب إلى مصافِّ الآلهة أعدوا عدتهم لهذا اليوم أكثر من غيرهم، فحنطوا الجثامين، وخزنوا الأغذية، وسجلوا كشف حسابهم على حوائط قبورهم بأعمالهم الطيبة، وتناسوا أخطاءهم وخطاياهم.

 

والأهرام نفسها تدل على قدرة المصريين على العمل الجاد والشاق المرهق لسنوات طويلة في مشاريع حتى ولو كانت سخرة لصالح الفرعون، فما بالنا بمشاريع قومية حقيقية لصالح الشعب.

 

العالم كله، اليوم، يترقب ويراقب ويتدخل، ويحاول أن تكون له كلمة في مستقبل مصر والعالم العربي والإسلامي.

 

ليس اهتمام العالم بهذه المنطق جديدًا، بل هو قديم قدم التاريخ؛ لما لها من أهمية إستراتيجية عرفت مصر موجات الاحتلال؛ حتى لم تبق أمة من الأمم لم تطأ أقدام جيوشها هذه الأرض؛ الفرس، واليونانيين، والرومان، والهكسوس، والنوبيين، والليبيين، والأتراك العثمانيين، والإنجليز، والفرنسيين.. وأخيرًا الأمريكيون.

 

لم يرحب أهل مصر إلا بالعرب الفاتحين الذين استقر بهم المقام، وتشربت عقول وقلوب المصريين برسالة الإسلام التي حملها قرابة 12 ألف عربي، ازداد عددهم بعد عقود إلى قرابة 25 ألف جندي.

 

طبع المصريون الإسلام بنكهتهم، حافظوا على عقيدته، واحتضنوا لغة القرآن، وحملوا رسالته إلى إفريقيا، ودافعوا عن بيضة الإسلام ضد جحافل التتار بقيادة قطز، فصدوها وردوها على أعقابها، وأحدثوا بذلك تحولاً تاريخيًّا عندما دخل التتار في دين الإسلام، واستطاعوا- بقيادة صلاح الدين الأيوبي- أن ينهوا الوجود الفرنجي الذي تسريل بالصليب وهو منه براء، واستمر في فلسطين والشاطئ المتوسط لمدة تقارب قرنين من الزمان، ودخل صلاح الدين يوم الإسراء والمعراج في عام 583هـ المسجد الأقصى مستردًّا بيت المقدس الذي كان منذ عام قبلها في بركة دماء الأبرياء بسيوف الفرنجة (حوالي 70 ألف شهيد).

 

بقيت بقية من أهل البلاد على دينهم وعقيدتهم، لم يمسسهم سوء، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم التي تعد من أقدم كنائس العالم، وتميزوا بإيمانهم الأرثوذكسي، وحاربوا ضد قانون الإيمان الروماني الملكاني؛ الذي حاول الاحتلال الروماني فرضه عليهم، وقدموا مئات الشهداء لتثبيت إيمانهم، ولا يزالون رغم كل محاولات الحوار المسيحي- المسيحي.

 

ووفد على مصر من علماء الإسلام والقادة الإسلاميين كثيرون، رفض الشعب مَن رفض منهم، وقبل مَن قبل منهم.

 

استقر الإمام الشافعي، محمد بن إدريس، في مصر بعد أن ولد في غزة، وتعلم في مكة، وتتلمذ على مالك في المدينة، وزار العراق ليستقر بعد فترة مجاورًا لابن حنبل، ولتلاميذ أبي حنيفة النعمان، احتفى به المصريون واحتضنوا مذهبه الجديد في مصر فازدهر واستقر.

 

ووصل إلى مصر العبيديون المنتسبون إلى السيدة فاطمة الزهراء من إفريقيا (تونس)، وحكموا مصر في ظروف خطيرة أثناء الوجود الفرنجي في بلاد الشام والتهديد المغولي التتري في فارس وما وراء النهر، وانهيار الخلافة، وانفراط عقد الأمة الإسلامية.

 

وفرض العبيديون مذهبهم، وأسسوا مسجدهم الأزهر، ومن الأهمية أن يعرف القارئ أن مذهب العبيديين ليس هو مذهب أغلبية الشيعة (الإثني عشرية الجعفرية) وليس مذهب الزيدية، ومثله كمثل النصيرية ((العلويون في سوريا)، الذين يعتبرهم غالب مراجع الشيعة الإثني عشرية خارجين عن الملة وليس فقط عن المذهب الشيعي.

 

تحمَّل المصريون حكم العبيدبين مدة تقارب المائتي عام، ورفضوا في داخلهم مذهبهم الباطني، وعندما تحرروا من حكمهم بقدوم صلاح الدين الأيوبي الذي أسس الدولة الأيوبية فلم يتبق من حكم العبيديين إلا مظاهر الاحتفال بالمولد، وذكريات الحاكم بأمر الله، والأهم هو بقاء الأزهر جامعة شامخة للعلوم الإسلامية، تدرس المذاهب الأربعة السنية، واحتضنت بعد ذلك المذهب الإثني عشري الجعفري والزيدي.

 

اليوم نستطيع أن نقول بعد استقراء هذا التاريخ الطويل: إن أثمن ما حرص المصريون على الحفاظ عليه والدفاع عنه هو استقلالهم الديني والحضاري والفكري والسياسي والاقتصادي والروحي.

 

أثر المصريون في محيطهم، بل في غزاتهم، حتى سافر الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة ليقدم فروض الطاعة لآمون، ويُعد نفسه ابن الآلهة، وانتسب "مينو" خليفة كليبر ونابليون إلى الإسلام زورًا، وحاول كرومر التقرب إلى أئمة الإسلام، وأخيرًا لبس فرانك ريتشاردوني الطاقية الخضراء وجلس وسط أبناء الطرق الصوفية في ساحة مسجد السيد البدوي بطنطا.

 

وتأثر المصريون بغزاتهم وظهر ذلك في عطائهم الحضاري وثقافتهم الشعبية، تراه في الإسكندرية عاصمة المتوسط الكوزموبوليتانية، والقاهرة تحتضن حضارة مصر بعصورها جميعًا: فرعونية، ورومانية، وقبطية، وإسلامية قديمة، ووسيطة مملوكية، وحديثة معاصرة.

 

وتراه في كل ما تبقى من أمثال وحكم شعبية، بل في أسماء القرية نفسها، وتراه في تقاليد وثقافة المصريين واحتفالاتهم، من شمِّ النسيم إلى وفاء النيل إلى عاشوراء إلى مولد الرسول والاحتفالات بالعذراء وعيد الجهاد وانتصار أكتوبر الموافق للعاشر من رمضان، ورغم كل التأثر والتأثير يبقى الاستقلال هو عنوان جهاد المصريين طوال تاريخهم الطويل.

 

واليوم نقول للعالم كله الذي يترقب ويراقب ويتدخل ويحاول أن يعرقل مسيرة التحول الديموقراطي: آن أوان احترام آراء ملايين المصريين الذين ثاروا ضد النظام السابق وهتفوا لتغييره؛ ليس من أجل لقمة عيش (وهي حق مشروع)، وليس من أجل وقف انتهاك حقوقهم، فهذا النظام أهدر كرامة مصر نفسها وليس فقط كرامة المصريين، ورهن استقلال البلاد بسبب مشروع التوريث، ووصفه أعداء مصر الألداء بأنه كنز إستراتيجي يحقق لهم كل ما يريدون، حتى باع لهم ثروة مصر من الغاز بثمن بخس، وساهم معهم في حصار وتجويع وقتل وتشريد شعب فلسطين بأكمله.

 

نظام بدأ مع مقولة: إن 99% من أوراق المنطقة في يد أمريكا، ورهن القرار المصري مقابل المعونة (السنوية)، وسار في مركب الدول الإقليمية التي سبقته إلى الحظيرة، وأصبح رئيسه يتلقى الرواتب من شيوخ وأمراء وملوك في ذلة وصغار، ويصمت على إهانة أبناء بلده في تلك البلاد.. نقول للعالم: نحن لا نراكم كتلة صماء، ولا تجمعًا واحدًا، بل ندرك حجم التنوع فيما بينكم.

 

نقول لشعوب العالم من اليابان، وألمانيا، وروسيا، وبولندا، وأمريكا، وأوروبا: تعالوا لزيارة مصر، نريد في الموسم القادم أن يتضاعف عدد السياح إلى بلادنا، ولا يجب أن نكتفي بالزوار العرب.. لدينا الآن معلم سياحي جديد هو ميدان التحرير، وعلى شركات السياحة المصرية، اليوم، أن تقدم برنامجًا متميزًا يبدأ بمصر ولا تكون محطة في برامج الآخرين.

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل