المحتوى الرئيسى

التجريب وتوظيف تراث البيئة المحلية / قراءة في المشروع الروائي لعبد الجواد خفاجي دراسة :عبد الحافظ بخيت فعاليات مؤتمر قنا الأدبي 2011م 4 -

06/12 20:38

التجريب وتوظيف تراث البيئة المحلية

قراءة في المشروع الروائي لعبد الجواد خفاجي

دراسة :عبد الحافظ بخيت

يستطيع الباحث أن يكتشف أن تأصيل الرواية العربية اتخذ مسارين: أولهما سعى إلى توظيف تراث البيئة المحلية، وثانيهما توجه إلى توظيف التراث السردي، والملاحظة تثبت أن توظيف البيئة المحلية سبق زمنياً توظيف التراث السردي، فبكّر الأول في الظهور، وتأخر الثاني إلى السبعينات من القرن العشرين، فلقد اتجهت الرواية العربية بعد الفترة الرومانسية إلى تصوير الواقع، فظهرت بوادر الرواية الواقعية على أيدي أعلام بارزين من أمثال نجيب محفوظ في روايتيه "القاهرة الجديدة "و "خان الخليلي"، وحنا مينة في روايته "المصابيح الزرق" وقد التصقت هذه الروايات بالمجتمع وقضاياه، وعبرت عن همومه وتاريخ أناسه، وبدا أن الروائيين بدؤوا يتخصصون بتصوير البيئة التي يعيشون فيها، فعرف نجيب محفوظ بتصويره للحارة المصرية، ووجد حنا مينة في البيئة البحرية مادة خصبة، أقام عليها معمار أكثر من رواية، كرواية "الشراع والعاصفة"، و "حكاية بحار" وغيرهما ولم يقتصر توظيف البيئة المحلية على نجيب محفوظ وحنا مينة، بل امتد حتى شكل ظاهرة ملفتة للانتباه في تاريخ تطور الرواية العربية، فظهر روائيون كثر التصقوا ببيئاتهم المحلية، واستخدموا محتوياتها، ونذكر هناـ على سبيل المثال لا ـالحصرالطيب صالح في روايته "عرس الزين" التي تحمل خصوصية البيئة المحلية السودانية، فكل سطر فيها يفوح برائحة القرية السودانية، بعاداتها وتقاليدها، ومعتقداتها، وقد نقلنا الروائي من لوحة إلى لوحة أخرى، فثمة لوحة العرس، وثمة لوحة الولي .. إن رواية عرس الزين –كما يرى أحد النقاد- رحلة "داخل الذات الإفريقية، وهي رحلة معاكسة للرحلة الخارجية في رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال، وكأن الطيب صالح أجاب من خلال روايتيه أو رحلتيه: الخارجية، والداخلية، عن السؤال الذي يتعلق بالموقف من الصدام بين حضارة أصيلة ومحلية، وأخرى عالمية وغريبة.

لقد تتابعت الروايات العربية ذات الحمولة المحلية، بعد روايات الطيب صالح، ونذكر هنا رواية هاني الراهب "الوباء" ورواية حنا مينة "بقايا صور"، ورواية حنان الشيخ "مسك الغزال"، ورواية فاضل الربيعي "عشاء المأتم"، ورواية يوسف أحمد المحمود "مفترق المطر" وإبراهيم الكوني، واهتمامه الشديد بالتراث المحلي لقبائل الصحراء الليبية الكبرى في جميع رواياته، مما شكل ظاهرة لافتة للنظر، ورواية عبد الحميد بن هدوقة "الجازية والدراويش" لأن كاتبها لم يهتم بتسجيل عادات المجتمع الريفي الجزائري، وتقاليده ومعتقداته فحسب، بل رصد أيضاً الصراع بين القديم والجديد ثم يأتى عبد الجواد خفاجى ليؤسس لمشروع روائى يخرج من البئة المحلية ويخرج عليها أيضا من خلال مجموعة من الرويات تعمقت فى البيئة المحلية الصعيدية هى ( بغل المجلى/ أرض الخرابة/ عودة الفلوص)

وقبل أن نتساءل: هل حقق المشروع الروائى لعبد الجواد خفاجى فى صعيد مصر منجزًا روائيا يمكن أن يشار إليه كجزء من المتن الروائى المصرى أو العربى؟ وذلك لا بد أن نقف على الدوافع والمؤثرات التي كانت وراء توجه عبدالجواد إلى توظيف تراث البيئة المحلية.

الدوافع الخارجية:

حين نتحدث عن ظاهرة توظيف تراث البيئة المحلية عند الكاتب لابد من أن نأخذ بعين الاعتبار تأثير الرواية الأمريكية اللاتينية التي اهتمت بالمكان، فصورت بيئات كانت مجهولة، وغاصت في أعماق التاريخ، حتى وصلت إلى الأساطير والحضارات القديمة، كحضارة "المايا" التي تحدث عنها الروائي ميكيل آنجل أستورياس في روايته "أناس من ذرّ " ولا ينبغي لنا ـ ونحن نتحدث عن الرواية الأمريكية اللاتينية ـ أن ننسى الروائي الكولمبي جابرييل جارسيا ماركيز الذي تبدو رواياته، ولا سيما "مئة عام من العزلة" شديدة الارتباط بالبيئة المحلية، بسبب عودتها إلى حكايات الأجداد وأساطير الأسلاف، والإفادة منها في تشييد عوالمها.

فهل قرأ عبد الجواد هذه الرويات وبخاصة رواية"مئة عام من العزلة"، أو غيرها من الروايات المترجمة؟ اعتقد ذلك وهو المثقف الكبير والناقد الجميل والروائى الجيد، ولكن مجرد القراءة لا يعني التأثير، فنجيب محفوظ ـ على سبيل المثال ـ قرأ روايات ماركيز، ولكنه قرأ أيضاً حكايات ألف ليلة وليلة، وإذا كان ماركيز أثر فى هؤلاء الروائيين، فتأثيره لا يتعدى التحريض على تناول المحلي والغوص في الأساطير والحكايات القديمة، وإذا سلمنا جدلاً أن الروايات التي صدرت بعد ترجمة الرواية الأمريكية اللاتينية إلى اللغة العربية، تأثرت بشكل من الأشكال، في توجهها إلى البيئة المحلية، بروايات ماركيز أو غيره، فإن التناول الفني لابد أنه مختلف .. إن البيئات فى الصعيد تختلف عن غيرها من البيئات الأخرى وهذا ما حدث مع عبد الجواد فهو يخالف ماركيز وغير ه حتى من الروائيين العرب الذين وظفوا بيئاتهم المحلية فى متون روايتهم لأنه انطلق من بيئة ذات ملامح خاصة جداً، وهى البيئة الصعيدة مما دفعه إلى اختيار قوالب سردية خاصة، أيضا تتناسب وطبيعة هذه البئية التى تأثرت جغرافيا بمناخ خاص أفرز شخصيات صعيدية تختلف عن كل الشخصيات الروائية الأخرى، ولأن البئية الصعيدية تتميز بمناخ متطرف لا يعرف التوسط فهو إما حار جاد وإما بارد جدا وجغرافيا أيضا لا تعرف التوسط فهى إما ضخرية جدا أو سهلية جدا من هنا كانت الشخصية الصعيدية تحمل تلك الثنائية ؛ فالصعيدى إما عاطفى جد البكاء أو غاضب حد القتل، وهذه الشخصية بهذا التكوين تفرض على من يتناولها فنيًا فهما خاصًا، وطابعا خاصاً في التناول ولذلك يختلف عبد الجواد فى تناوله الحكائى عن كل الذين كتبوا عن بيئاتهم المحلية

الدوافع الذاتية : ثمة دوافع كثيرة وراء توظيف البيئة المحلية في الرواية العربية، منها:

1 ـ يمكن أن يكون الإخلاص سبباً عاماً دفع الروائي إلى تناول بيئته المحلية.



2 ـ رغبة الروائى في إطلاع الآخرين على البيئة التي ربي فيها.

3 ـالحنين والشوق إلى البيئة المحلية في حالة كون الروائي مبعداً عنها أو بعيداً.

4 ـ البيئة المحلية توفر خامة حكائية جيدة ومثيرة لشهوة المتلقى.

5 ـ رغبة الكاتب في فضح بيئته الغارقة في التخلف ، وليدين هذا التخلف حين يعرضه في شكل فني ولا يمجده

6 ـ يبقى الدافع الأهم إلى توظيف البيئة المحلية هو طرح الهوية الخاصة في سبيل قطع الصلة بالرواية الغربية، والتأسيس لرواية ذات صبغة عربية شكلاً ومحتوى

7 ـ رغبة الروائى فى ظهور البيئة الصعيدة لتحتل مكانتها فى السرد الروائى بين البيئات الأخرى داخليا وخارجيا

8- تمجيد الماضى/ القيمة على حساب الحاضر/ التشتت







المتن الروائى وعلاقته بالبيئة:

تراث البيئة المحلية في روايات عبد الجواد خفاجى

لقد رصد عبد الجواد خفاجى في رواياته المعالم الجغرافية، والحياة الاجتماعية، والروحية في البيئة الصعيدية، وتتميز رواياته عن غيرها من الروايات التي تناولت هذه البيئة باهتمامها بالعودة إلى الماضي السحيق ، والكشف عن أساطيرها ورموزها، ورمالها التي سطّر عليها الأسلاف تعاويذهم، ورقاهم، وتمائمهم السحرية. لقد استمد خفاجى مكونات عوالمه الروائية من البيئة المحلية، وهذه المكونات هي: الصوفية، وعادات القبائل وتقاليدهم، وأساطيرهم، ومعتقداتهم الدينية.

الصوفية: تشكل الصوفية أحد أهم مكونات العالم الروائي لدى عبد الجواد خفاجى، وهي مظهر واقعي يشيع انتشاره في البيئة الصعيدية، بوصفها مجتمعا معزولا تركته الحكومات المتعابقة رهنا للتخلف ولم تمتد إليه يد التطوير وكأنه سقط ـ تاريخيا وتنمويا واقتصاديا ـ سهوا من حسابات الحكومات المصرية المتعاقبة، مما جعله بدائية الحياة ، وكذلك بعدها عن الحياة الصاخبة، ومراكز التجمعات البشرية، تشكل مكاناً خصباً لنمو هذا النمط من النشاط الروحي الذي تمارسه مجموعة من الناس، تقطع صلتها بملذات الحياة الدنيا، وتعود إلى البدائية، من أجل الوصول إلى الاتحاد بالمطلق وكنوع من التعويض النفسى مقابل الإهمال الإنساني من حكومات مصر، بالاضافة الى الموروث التاريخى للحركات الصوفية الذى هو أكثر التصاقا بالصعيد من غيره.

يشير الراوي في رواية "بغل المجلى" إلى مشهد مألوف في هذه البيئة، وهو حفلات السمر الليلية التي يقيمها "الدراويش من أتباع الطرائق الصوفية الذين يطوفون على النجوع، ويهيمون في البرية وفى رواية " أرض الخرابة"، يشير مولد سيدى ابى العسران وما يدور فيه وسيدى المبروم وما يصاحبه من صقوس صوفية بينما تأتى الاشارة على استحياء فى رواية "عودة الفلوص" حين يعلن أبو الدهب السمسار أن الفلوص جاءه فى المنام وطلب منه أن يبنى له مقاماً وسط البلد.

ثمة طريقتان لتوظيف الصوفية في روايات عبد الجواد خفاجى،

أولهما: التوظيف الخارجي، وهو ذو صبغة تعليمية، ويقوم الكاتب في هذه الطريقة بتوظيف تراث البيئة المحلية لإعلام القارئ، وإطلاعه على ما يفترض أنه مجهول بالنسبة إليه، ويتخذ الكاتب في التوظيف الخارجي للصوفية دور المؤرخ، فيسرد دون تدخل أو تغيير.

لقد أوكل خفاجى في رواية "بغل المجلى إلى الراوي المحايد مهمة تقديم معلومات للقارئ عن الصوفية المنتشرة في البيئة الصعيدية، وقام الكاتب بشرح ما يتعلق بالطرائق الصوفية، فى فصل "المقام" من رواية "أرض الخرابة" حيث إصرارهم على أن عبدالفضيل ولياً من أولياء الله، ثم إصرارهم على إحياء ذكرى عبد الفضيل، وما يقومون به من أعمال وطقوس تبدأ بتهيئة المكان وبناء "المقام" وانتهاءً باقامة حلقات الذكر.

أما الطريقة الثانية التي اتبعها الكاتب لتوظيف الصوفية في رواياته، فهي التوظيف العضوي، حيث يذوب النص الموظف في الرواية، ويشكل خلفية لأحداثها، ورؤاها وأفكارها، ومواقف شخوصها. وقد استخدم الكاتب هذا الشكل من توظيف التراث في روايته "أرض الخرابة" التي بناها على مفهوم صوفى يبرر معضلات التفكير عند الناس ومنها اختفاء ام اسماعين الذى ارتبط بمولد سيدى أبى العسران ومنها تهيئة المناخ لمبروك ليصبح قطبًا ومنها طقوس تخليد ذكرى عبد الفضيل ليصبح له مقام وغير ذلك والتوظيف للصوفيه هنا توظيف مقصود من الروائى ليخلق منه معادلاً نفسيا وتفسيريا للظواهر المعقدة التى لا ترقى إليها عقول أبناء هذه البيئة، وهو هنا يكشف عن هذه العقلية كأحد إفرازات التخلف والجهل والفقر والجوع وإهمال الأنظمة الحاكمة لها.

وربما شكلت هذه الرؤية الفكرية التي ترتكز إلى الصوفية في نسيج العمل الروائي أو لعبت دورا مهما فى نسيج العمل الروائى فى روايتى" بغل المجلى وارض الخرابة" وقد تبدو الصوفية المرجعية الفكرية التي تستند إليها الرواية في نقدها لتعلق الإنسان بالمادي الذي شوه ـ من وجهة نظر الرواية ـ الطبيعة الإنسانية، وسبب للإنسان العذاب والشقاء لقد طرحت الرواية الصوفية، بأيديولوجيتها الداعية إلى الانعتاق من أسر المادة والفناء في الذات الإلهية بديلاً لما أصاب الطبيعة الإنسانية من تشويه بسبب ارتباطها بالعرضي والزائل.



العادات والتقاليد والمعتقدات: لا تصور روايات عبد الجواد خفاجى البيئة الصعيدية، بوصفها مكاناً جغرافياً فحسب، بل تعنى بالحياة الاجتماعية والروحية للناس، فتعرض لعاداتهم ومعتقداتهم الموروثة والمقدسة. إن كل شيء في حياتهم مقدس ، بدءاً من اللباس، وانتهاء بطقوس الممارسات اليومية وقد عرض عبدالجواد في رواياته لهذه العادات والمعتقدات والتقاليد، بدافع تعريف القارئ بما يجهله من حياة الشخصية الصعيدية وتراثها، مركزاً اهتمامه على بانوراما البيئة المحلية وما يمور فيها من تطلع آو تخلف او معتقدات أو عادات تتحكم في آلية التفكير ورسم ملامح هذه البيئة، والسلطات التي تتحكم في هذه الشخصية سواء كانت سلطات اجتماعية روحية أم سياسية أو بيئية كالفقر مثلا.

فرواية "بغل المجلي تصور لنا سلطة المعتقد والخرافة ومدى سيطرتها على آليات التحرك الاجتماعي فهي تنقل " عالما خاصا مملوءًا بالقبح والخداع والجريمة ومتميزا بخصوصية الواقع واللحظة التاريخية التي تصورها وليست اللحظة التاريخية التي كتبت فيها الرواية فالرواية تمتد إلى خمسة وعشرين عاما هي جزء من تاريخ هذه البقعة في صعيد مصر التي يكتنفها الغموض الذي يشكل عالماً فسيحاً ومجهولاً كعالم البيئة الصعيدية، لا بد أن يطلق العنان لمخيلة الإنسان، فتتراءى له الأشياء على صورتها الحقيقية، ولعل هذا يكون تفسيراً لظهور الحكايات التي تدور حول القوى الخفية التي يقوى الاعتقاد بها في المجتمعات البدائية. وقد عجت رواية بغل المجلي بالخارق واللامنطقي في سيرة هذا البغل الذي صار مقدسا وصاحب سلطة، مما يدل على مدى تغلغل هذه المعتقدات في وعي أبناء هذه البيئة، فالقوى الخارقة موجودة في كل مكان فيها، ولها قدرات خارقة ليست للبشر، ويجب على الإنسان ـ كي بأمن إيذاءها ـ أن يتحصن بالتعاويذ والرقى، والحجب أو يخضع لسلطانها وكذلك استطاع الكاتب أن يضمر من خلالها تاريخ مصر في عصر الأتراك وذلك بذكاء فني حين يتعرض لتاريخ أسرة العمدة "أبو دراع" التي نجحت في أن يحصل أحد أفرادها على لقب "بك" وفى هذا انفتاح لفضاء الرواية على لحظة تاريخية واسعة المدى وفيه ذكاء فني من الكاتب في تحقيق الدهشة الكامنة في الربط بين التاريخ المركزي والتاريخ الهامشي، ومن تقنيات الحداثة في هذه الرواية الإشارة إلى تكرار الزمن ونمطية الحياة في هذه البقعة من صعيد مصر وهذا التصوير يجعل الكاتب صاحب رؤية واضحة وموقف فكرى ملتزم فيه بقضايا مجتمعة مما جعل روايته بانورامية شاملة، وموقفة يكشف عن انتماء حقيقي انه انتماء يستمد من البؤس والعجز ومنطق الخرافة والدجل قوة، وأيمانا وصلابة من أجل مستقبل مشرق لأهله وأبناء جلدته، فلا غرو إذن أن يهدى روايته إلى كل أبناء الصعيد الذين تطحن القبلية عظام حياتهم، وللأسف فان الحياة خلف ظهورهم، فيسخر من واقعهم الإنساني الكسول عن الخروج من هذه الشرنقة القاتلة إلى عوالم أرحب تظهر فيها إنسانية الإنسان الصادقة وتتضح فيها شفافية العلاقات الإنسانية وتطرح من داخلها منطق الخرافة والأسطورة المفروضة عليها ليحل محلها منطق العلم والوعي والتقدم.

وإن الإنسان الذي يعيش في مجتمع بدائي يغيب عنه العلم والمعرفة، لا بد أن يفسر ظواهر الطبيعة تفسيراً خرافياً، ولا بد أيضاً أن يسند إلى القوى الخارقة مهمة القيام بأفعال كثيرة، وقد ألمحت روايات بغل المجلى وأرض الخرابة وعودة الفلوص" إلى ما رسخ في المخيلة الشعبية للبيئة الصعيدية من تمتع القوى الخفية بقدرات خارقة؛ فحين عجز أهل القرية في العثور على جثة "اسمعين" الذى غرق فسروا ذلك بأن الجنية هى التى خطفته، وبدأت المخيلة الشعبية في سرد القصص حول هذه الجنية التي تخرج فى الظلام وتبرق لمن يمر حتى يراها، وأمعنوا في وصف مخالبها الطويلة التي تشبه المسلات وغير ذلك.

توظيف الأساطير: أدى اهتمام خفاجى بالمعتقدات الشعبية للبيئة الصعيدية إلى توظيف الأساطير، بوصفها تحتل مكانة بارزة في الماضي السحيق لمجتمع الصعيد من جهة، ولتأثيرها بعمق في وعي الناس من جهة أخرى، ولعل الدافع إلى توظيف الأساطير في رواياته هو اهتمام الكاتب بتصوير المجتمع بنظامه القبلي الذي يشبه النظام البدائي، بوصفه تربة خصبة لنمو الأساطير، ولما لمسه من سطوة الأسطورة على حياة الناس وطرق تفكيرهم.

ويلاحظ الباحث وجود مستويين لتوظيف الأسطورة في روايات عبد الجواد خفاجى، أولهما رصد الأسطورة من خلال تشكلها من جديد في وعي الجماعة، وذلك من خلال الكشف عن مدى تأثيرها في الحاضر الذي يبدو مشدوداً، وبقوة إلى الماضي السحيق الذي ينظر إليه أهل الصعيد نظرة تقديس.

تشير رواية "عودة الفلوص" الى أسطورة المخلَّص أو إله الخير المتمثل في "الفلوص" طوق النجاة الذى إذا عاد إلى القرية فان الخير سوف يعم على الجميع وتحل مشاكلهم ذلك الرجل المبروك الذى استأثرت به القاهرة ليجعل الخير فيها فهو أمل الجميع حيث يذكر الراوى "وقد استأرت به القاهرة مؤخرا وهو الان في معية الأكابر من رجالات الدولة والحكومة جميعهم يتباركون به وهم يصعدون إلى المناصب العليا بسره الباتع ربما أن القاهرة لولا الفلوص لأجدبت فيها الحياة"

والمستوى الثانى هو تمجيد الأسطورة باعتبارها معادلا للوعى التاريخى وللذاكرة الجمعية، وقد عبر الراوى بوضوح في رواية " أرض الخرابة" عن هذا الوعى بقوله: "على الاقل كان لدينا ما نرويه لكم .. على الاقل كانت لنا ذاكرة تستدعى تاريخها.. على الأقل كانت لنا أساطيرنا التي تزاحم حياتنا ومعتقداتنا.. كان لدينا الكثير مما ليس لديكم أيها الأبناء"

توظيف المكان التراثي

لا بد للباحث، وهو يتحدث عن المكان في الرواية، أن يأخذ بعين الاعتبار ما يتعلق بهذا المصطلح، من أمرين أصبحا ملازمين له، وهما: غموضه، وأهميته في العمل الروائي.

وقد تفاوت النقاد والباحثون فيما بينهم في فهمهم للمكان، فبعضهم نظر إليه على أنه المكان الجغرافي، وبعضهم نظر إليه على أنه فضاء الصفحة، وبعضهم نظر إليه من زاوية المدلول الثقافي، وبعضهم نظر إليه من زاوية المنظور البلاغي، بالإضافة إلى خلط النقاد بين المكان والفضاء.

وتأتى أهمية المكان في الرواية من كونه العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه لتداخله مع المكونات الروائية الأخرى، كالشخصيات، والأحداث، والزمن التي يتحدد وجودها بوجود المكان.

ويكتسب المكان التراثي مشروعية وجوده في الرواية من أنه لا يوجد مكان خاص بالرواية، فكل الأماكن صالحة لأن تكون مكاناً نصياً، أي مكاناً خاضعاً لطبيعة الفن الروائي.

إن ما ينطبق على المكان الروائي بشكل عام ينطبق على المكان التراثي، فثمة ثلاثة أدوار يمكن للمكان التراثي أن يقوم بها، فإما أن يكون مجرد إطار تزييني للأحداث فقط، وإما أن يمهد للأحداث، وإما أن يساهم في إنتاج المعنى داخل عالم الرواية، ونجد الدور التزييني والدور التمهيدي في الرواية التقليدية، حيث ضعف البناء الفني، وحيث الاهتمام بالحدث على حساب المكونات الروائية الأخرى، وإخضاع كل ما في الرواية للحدث الذي يؤطره المكان التراثي، ويمهد له، ويشيع هذا النمط من المكان التراثي في الرواية التقليدية، ولا سيما الرواية ذات الحمولة التاريخية التي استخدمت المكان التراثي مسرحاً للأحداث، فأدارت الأحداث في أماكن تراثية شكلت الإطار المكاني لها، أما الدور الثالث، وهو مساهمة المكان التراثي في إنتاج المعنى داخل عالم الرواية، فنجده في الرواية المعاصرة، حيث التماسك الفني الناتج من تضافر المكونات الروائية وتعاضدها.

إن المكان في الرواية المعاصرة لم يعد مجرد إطار تزييني للأحداث، أو تمهيداً لها، بل هو عنصر أساسي، يتداخل مع العناصر الأخرى، ويشارك في إنتاج المعنى

وعلى هذا الأساس طرح الروائيون المكان التراثي في عالم الرواية، فأصبح المكان التراثي قضية أساسية، يطرح من خلالها الروائي جملة من الأسئلة، والمشكلات التي تتعلق براهن الإنسان، والحاضر المعيش.

لم يكتف الروائيون بتصوير المكان القديم ذي البعد التاريخي، كالحمّامات والقلاع والبيوت القديمة، بل صوروا أيضاً المكان التراثي المصنوع، إذا صح التعبير، أي الأثاث القديم الموجود في المكان الجديد.

أ - سرد تاريخ المكان القديم: إذا لم يكن للمكان القديم تاريخ رسمي مكتوب فإن المعلومات المتوافرة عنه ستعوزها الدقة، وستكون ناقصة، وسيكتنف الغموض تاريخ المكان القديم .. إن المعلومات التي يقدمها الراوي عن " الخرابة"، في رواية "ارض الخرابة" قليلة جداً، وتنقصها الدقة، فهي مستقاة من أقوال الناس، ورواياتهم ومشاهدات الراوى نفسه لكنها مكان فاعل ربط الماضى بالحاضر فهى تشير إلى وجود الإنجليز فى هذه البقعة وربما سميت بالخرابة بعد أن هجرها الإنجليز ، وهى مكان له حمولا تاريخية كاشفة ومضيئة لخصائص البيئة الصعيدية ومؤكده على سيطرة الخرافة والأسطورة على هذه البئية ، ومنها يبدأ تاريخ هذه البئية وإليها ينتهى وهى تشير إلى ربط هذه البقعة من صعيد مصر بالاحدث العالمية كالاحتلال الإجليزي لمصر كما أنها شكلت فضاءً روائيا جميلا أتاح للسارد مساحة كبيرة لتحريك الأحداث وتطوعيها لخدمة العمل الروائي، ففيها تم العثور على فردة الحذاء الأولى لعبد الفضيل، ذلك الحذاء الغريب الذي كانت له دلالة فاعلة في الكشف عن شخصية عبد الفضل، وفيها ـ أي الخرابة ـ تم دفن عبد الفضيل وفيها كانت تتم الخصوبة حيث كانت تمارس كلبة الفضيل الجنس وفيها تم العثور على فردة الحذاء الأخرى ومنها تطور تاريخ هذه البقعة وتشكلت ملامح هذه البيئة، فقد حملت الخرابة تطورات العصر وفوران التاريخ وهي نفسها التى أصبحت الآن مساكن شعبية.

وفى رواية عودة الفلوص يأتي المزلقان الذي يبدأ عنده التاريخ وينتهي أيضا، فالمزلقان يؤرخ لحياة هذه المنطقة التي تبدأ من شخصية "العتقي" الفاعلة في تحريك الأحداث وهو المنطقة التي عندها بدأ تاريخ الفلوص وانتهى، ومنها بدأ تاريخ القرية بما يحمل من تحولات فاعلة.

ولقد تعددت علاقة الشخصية الروائية بالمكان عند عبد الجواد خفاجى فهى

علاقة نفعية" حيث "الخُُصّ" فى رواية بغل المجلى المحتوى الفاعل لتقديس البغل. والكوبرى هو الحد الفاصلب بيين عهدين والمحطة فى رواية "عودة الفلوص" مصدر الرزق من عتالة حقائب المسافرين، ومقام سيدى أبى العسران لقضاء الحاجات والمصالح وعودة الغائب.

ثمة علاقة حميمية بالمكان؛ فدوار العمدة هو ملاذ الفلوص ، ومصدرالدفء الإنساني والجمال فى رواية "عودة الفلوص" والقصر هو مملكة "المجلى" فى رواية "بغل المجلي" وبيت عبد الفضيل هو مركز الحياة وفاعليتها بالنسبة لعبد الفضل في رواية "أرض الخرابة".

ولقد وظف عبد الجواد المكان بشكل عام فى رواياته للكشف عن ثنائية الحضارة القديمة في مقابل الحضارة الحديثة أو التاريخ القديم بما يحمل من عبق ووحدة في مقابل الجديد بما يحمل من تفكك وانهيار وانتهازية .. إنه هنا يكشف عن روح الإنسانية في القديم وما تحمل من صفاء وتعاون وتماسك تجلت في الجانب الأخلاقي حيث يقول الراوي في رواية أرض الخرابة: " والحقيقة وكما ترون إن كل شيء قد تبدل أو ربما الحياة برمتها قد مسخت فأنتم ترون "حي البساتين" كما تسميه الحكومة أو "أرض الخرابة" كما يسميه الناس لاشيء فيه ولا أثر لما ذكرته لكم .. لا أثر حقيقة لتلك الحياة التي استدعتها ذاكرتي لكم وقد أضحت المنطقة التي كانت براحا حول الحرابة تعج بالبشر والكراكيب وأكداس القمامة وعمارات الإسكان الشعبي ومياه المجارى الطافحة واللافتات المتهرئة للمرشحين التي تهفهف فوق الرؤوس .. هذا ما تباهى به حكومتكم أيها الأبناء"

فهو يعرض لثنائية تجمع بين القديم والجديد، فالمكان الروائي عنده يمتد على مساحة واسعة تجمع بين القديم الذي بدأ ينحسر والجديد الذي راح يزحف، تدعمه الآلات المعاصرة التي لا تعرف شفراتها الفولاذية الحادة الرحمة.

ويؤرخ عبد الجواد أيضا في المقتبس السابق لانهيار القديم، ونهوض الجديد، فثمة حضارة حديثة تنهض على أنقاض حضارة قديمة، وثمة مكان قديم يكاد يندثر، وتكاد معالمه تزول، تحت وطأة الآلات المعاصرة. إنها معركة يواجه فيها القديم مصيره أمام عدو لا يرحم، هو المجتمع الاستهلاكي المبني على التافه والمزيف والنفعي والعبثي.

ويبدو أن الإنسان هو الخاسر الوحيد في هذه المعركة، فانتصار الجديد والاستهلاكي والعبثي والنفعي إنما هو "استلابنا أمام التقنية الغربية، أو أمام أنفسنا، إنه فقد لطفولتنا، لبراءتنا، لأصالتنا التي تذوب رويداً رويداً أمام مد الزيف وسلطة الأقنعة. ولا بد لنا هنا أن نتساءل عن موقف الكاتب تجاه ما يحدث، وإلى أي طرف ينتصر؟ أينتصر للقديم أم للحديث؟ ينحاز عبد الجواد خفاجى، بشكل صريح للقديم، ويدعو للعودة إليه، والتمسك به، ويهاجم بالمقابل المكان الجديد، ويظهر قبحه ومساوئه وعيوبه، وتأثيره السلبي في حياة الناس. إن القديم في أدب خفاجى هو الجميل دائماً، رغم تآكله، أما الجديد فهو القبيح دائماً، رغم جدته وحداثته.

ولما كان القديم ينتمي إلى لحظة تاريخية مضت، في حين أن المكان الجديد ينتمي إلى الحاضر، فإن الصراع بين المكان القديم والمكان الجديد يصبح صراعاً بين الماضي والحاضر، بين الماضي الذي يمثل الأصالة والجمال والألفة والمحبة .. والحاضر الذي يمثل الزائف والتافه والاستهلاكي والنفعي.. إنها ثنائية الماضي/ الحاضر لا تأتي عرضاً في روايات عبد الجواد خفاجى، بل تشكل الأساس الذي ينهض عليه العالم الروائى عنده، فثمة دائماً الماضي والحاضر، والشخصيات الخيرة والشخصيات الشريرة، المستغِّل والمستغَّل، والغني والفقير، والأصيل والزائف ..إنه من خلال المشروع الروائى يرصد عالماً تنهار فيه قيم الخير والجمال والحق أمام قوى الشر والقبح والظلم، ويدرك أن الوقت لما يحن لانتصار قوى الخير، لذا يكون مصير أبطال رواياته الموت أو الاختفاء.

ومن هنا أراني أمام مشروع روائي رَصد بعناية حياة جزء مهم من جغرافيا مصر وهو الصعيد رصدا تاريخيا ربما يبدأ من نهاية الحكم العثمانى وينتهى عند عصر السادات ، خلال هذه الفترة استطاع خفاجي أن يرصد تلك الحياة الإنسانية لهذه البقعة وما يمور فيها من أحداث صانعة لتاريخ هذه البقعة وكاشفة عن معالم شخصيتها فيما يشبه ثلاثية نجيب محفوظ وإن كان التناول الفني مختلفا، وهنا نأتي إلى دور الفن في التاصيل للتاريخي والإنساني لهذه البقعة.

لقد نحج عبد الجواد خفاجى في أن يقدم لنا فنا روائيا يسهم في تأصيل الشكل الروائى الحديث من خلال مشروع روائي خطط له الكاتب بشكل جيد في ذاكرته معتمدا على التطور الزمنى والتاريخى لصعيد مصر رابطا في ذلك بين الأحداث العامة وبين هذا الصعيد منتصرا لشخصيته القديمة ساخرا من الدور الحكومي المتعنت لمحو تاريخ هذا الصعيد وإهماله له، كاشفا عن الوضع السياسي العام في مصر والأنظمة الحكومية الفاسدة التي تعتبر الصعيد مزرعة مصر الطويلة، أو ذيل الخارطة الطويل، منبها إلى أننا نملك القدرة على مجابهة هذا الفساد وأننا قادرون على صنع مستقبلنا ساخراً أيضا من ذلك الركود المميت في صلب الشخصية الصعيدية وعدم تفعيلها لما تملك من خصائص إنسانية واجتماعية تؤهلها لأن تعلب دورا تاريخيا في النهوض بهذا المجتمع.

جماليات المتن السردى

والجميل في الأمر إن عبد الجواد خفاجي يعي تماما طبيعة فنه الروائي ويعي تماماً كيفية توجيه الخطاب الروائي بشكل مرحلي معتمدا على تشابك الفضاء الزماني مع المكاني فى خلق مشروع روائي امتد على مساحة ثلاث روايات تبدو وكانها رواية واحدة وهى روايات "بغل المجلى" التى ترصد حقية معينة كانت الخرافة تسيطر عليها بشكل عام ونشكل السلطة الحقيقية في بناء الشخصية ومن ثم جاءت الشخصيات الروائية في هذه الرواية وسنانة والحياة الاجتماعية لا مركزية لها وإنما تقع تحت سلطة الجهل وتوقف التاريخ وركود الجغرافيا فالمجلي استطاع أن يخلق سلطة موازية تتحكم في بؤرة الحياة وتصبح محورا لها من خلال ذلك البغل الذي يشبه عجل "أبيس" ومن ثم ظلت هذه الحياة مغلقة لا علاقة لها بالتاريخ العام فلم يأت ذكر للوسائط الثقافية المختلفة كالجرائد والراديو ووغيرهما بما يشير إلى العزلة.

ولذلك اعتمد الكاتب في هذه الرواية على استخدام الأسلوب المشهدي في توظيف الثقافة الشعبية توظيفا ساخرا لحل شفرة اللغز الوجودي الذي يكتنف أبناء هذه البقعة من الصعيد ويكشف عن زيف الوعي الاجتماعي في استجابة الرواية لأطروحات الحداثة الجديدة في فن الرواية من خلال البحث عن ما هو إنساني مشبع بالمحلية وعن ما هو فني يحوِّل اليومي والمألوف إلى نص منفتح يشعر القارئ منذ صفحاته الأولى .. إن الكاتب يعتمد الأسلوب المشهدي المتماسك لإبراز التراكيب الاجتماعية والنفسية لشرائح مختلفة من الشخصيات ويعتمد هذا الأسلوب على الجمع بين ما هو شفاهي وبين ما هو فن روائي. ونسوق في ذلك مثلا يوضح الأسلوبية المشهدية في هذه الرواية في مشاهد مثل حكاية المجلي مع المحجوب والعمدة أبودراع و "أبوالبطاح" وكذلك مشهد الحضرة الزكية و"اللحظة الفارقة" كلها مشاهد تعتمد على البنى اللاواعية للتركيب الاجتماعي لقرية "الطرابشة" ليس باعتبارها فضاءً ضيقاً في صعيد مصر ولكن باعتبارها فضاء واسعًا لحركة الأحداث والشخوص ووعاءً للأفعال اليومية لكل قرى مصر أو لكل قرية في هذا الكون يحكمها مثل هذا المنطق السحرى .

استطاع الكاتب أن يشكل شخصياته في الرواية بطريقة فنية جديدة إذ لا يفصح عن الشخصية إلا من خلال دورها الحقيقي والمحدد لها بوضوح في الرواية ولا يقدم الكاتب شخصياته من وجه نظر تسجيلية او بطريقة وصفية سردية حيث تتخلق الشخصية من خلال دورها في بناء الحدث وإدارة الحوار تارة ، وتارة أخرى بالحديث مع النفس أو استخدام المونولوج الداخلي، ولهذا تخلو هذه الرواية من الشخصية المحورية والشخصية الثانوية فكل شخصيات الرواية أبطال دفعهم إلى البطولة المطلقة فن التعاقب بين الأصوات، ولذلك فإننا نجد في هذه الرواية أكثر من راو فهناك الراوي الكلى والعليم وهو نسخة من المؤلف يتولى السرد لكل كبيرة وصغيرة ويظهر ذلك في فصل "ما تيسر من تاريخ البغل" حيث يصف في إسهاب تاريخ "فرسة الريس تركي" والصراع حولها بينه وبين عبد النبي الذي اشتراها منه، ويلتقط التفاصيل من هنا وهناك ويعتلى منطق الحدث ويدرك ما يدور بخلد الناس ويصل إلى كل المشاهد حتى عبر جدران المنازل.

ثمة ملاحظة أخرى هى أن الراوي في هذه الرواية كان لصيقا بأحداثها مشاركا فيه مؤكدا على هذه الأحداث وكأنه يراها من زاوية اليقين وإن اتسمت هذه الراوية بالفردية ؛ فأفعال الشخصيات فيها سلطوية تخلو من روح الجماعة وانتهازية؛ فعبد النبي والمجلي والعمدة وأبو البطاح وسكينة والدراويش كل منهم يلعب دورًا فرديا لأن طبيعة المرحلة في ذلك الوقت تفرض هذا الدور من أجل التعايش والصراع في الفراغ الإنساني الذي يفتقر إلى مشروعية الحياة أو وجود مشروع قومي محدد الملامح.

وفى رواية "أرض الخرابة" يضعنا الكاتب أمام أنماط من الشخصيات ذات الحس الجماعي تتعاون من أجل خلق حياة مؤثرة ولذلك تكثر في الرواية الأحداث الجماعية فغرق إسماعيل يكشف عن طبيعة الروح الجمعية التي دفعت الجميع للتعاون من أجل العثور على جثته ، وموت عبد الفضيل استدعاء لروح الفريق، وكذلك مولد سيدى أبى العسران علامة للتجمع الروحي والإنساني وغياب أم اسماعين كاشف عن الهم المشترك الكامن في الشخصية الصعيدية الجمعية واشتراكها في ذاكرة واحدة تجاه الأحداث.

إن الشخصيات هنا أكثر وعيا وأكثر اقترابا من الزمن الحديث تقف على مشارف حياة جديدة مغايرة حتى أن الراوى نفسه هنا يخرج علينا في نهاية الرواية واعظا ملمحا لحياة جديدة سوف تحل محل الحياة القديمة مستشرفا المستقبل من خلال قراءته لتطورت التاريخي والجغرافي؛ فالمقدس هنا يطفوا على المدنس الذي كان شائعا في رواية "بغل المجلي" والوعي العام للشخصيات أكثر تطورا من رواية "بغل المجلى" والرواي هنا أيضا لصيق بالحدث شاهد عليه وجزء منه وهذه الرواية يمكن أن تكون الرواية الوسطى والحد الفاصل بين اليقين المطلق والشك المطلق أيضا، حتى أن الراوي ـ في نهاية الرواية ـ بدا وكأنه يمهد للجزء القادم من استكمال هذه المشروع الروائي أو بما يشبه حسن التخلص في الشعر العربي القديم، فليس صدفة أن يأتي في نهاية الرواية قول الراوى

"إن كل ما نأسف له الآن أننا أدركناكم جيلا بلا تاريخ وبلا ذاكرة وبلا أسطورة، لقد كنا أفضل حالا منكم أيها الأبناء وإن كنا مثلكم في خطوة سابقة نسير نحو هذا الفراغ الذي تتدافعون إليه الآن تدافعًا أسطوريًا بلا معنى .. المؤسف أن نراكم هكذا قطعانا عاطلة تتسكع بازياء غريبة وقصات شعر أغرب ولهجات رقيع ومؤخرات مصرورة لا حكومة معنية بتعطلكم ولا مصنع ولا مؤسسة ولا حتى الغيطان أنتم صالحون لها"

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل