المحتوى الرئيسى

إجابات مشروعة (2)

06/12 08:15

أما تطبيق الحدود فخوفا من أفتى فيما لا علم لى به، وحتى أحسم الفكرة بينى وبين نفسى هرباً من دفاع أعمى عنها أو هجوم جاهل عليها، عدت إلى شيخى الجليل صلاح الدين التيجانى الذى قال: لا يوجد شىء فى الإسلام اسمه «تطبق حاجة وتسيب حاجة»، فلا يصح أن أطبق حدود الله و«أسيب الناس مش لاقية تاكل»، ولنا عبرة فى سيدنا عمر بن الخطاب الذى رفض إقامة حد السرقة فى وقت المجاعة إقامة مجتمع عادل متكافل هى الأساس.

وقال: الحدود نظام راقى يحتاج تطبيقه إلى مجتمع أكثر رقياً ضميره يقظ، عندما شرع الله الحدود كانت الناس وقتها «ضميرها صاحى» فكانوا يسعون بأنفسهم لإقامتها عليهم، مثل أبولبابة الذى تخلف عن الجهاد مع الرسول فربط نفسه إلى شجرة لفترة طويلة وأقسم ألا يحل وثاقه أحد سوى النبى نفسه عند عودته، شرعت الحدود فى زمن كانت الناس تسعى فيه للاعتراف بخطئها، وحتى عندما تعترف بخطئك يلزم الشرع القاضى أن يراجعك أكثر من مرة ويمنحك الفرصة لتنفى أولا..

مثلما ذهب «ماعز بن مالك» إلى سيدنا النبى وطالبه بإقامة حد الزنى عليه فراجعه النبى عدة مرات «لعلك هممت أو لعلك قبلت إلى آخره»، لكن ضمير الرجل المتيقظ جعله يتمسك باعترافه، حتى عندما انصرف كان سيدنا النبى متماديا فى أن يكون رحيما فسأل أصحابه إن كان هذا الرجل سليم العقل، الشرع أيضا يجعلك لا تطارد رجلاً تقيم عليه الحد إذا هرب منك ساعة التنفيذ مثلما فعل أحد الرجال أمام الرسول فطارده عمر بن الخطاب حتى أمسك به فقال له النبى فيما معناه «لو كنت تركته لكان أفضل لك»، حتى فى جريمة القتل يتم إحضار أولياء الدم (أهل القتيل) ويسألونهم العفو فإذا كانوا من طلاب الآخرة عفوا عنه فعفا الله عنهم فى الآخرة، وإذا كانوا من طلاب الدنيا عرضت عليهم الدية، والدية باهظة يتكفل بدفعها أهل القاتل لأنهم لم يحسنوا تربيته، وأولياء الدم لابد أن يكون عددهم عشرة أشخاص فإذا رفض تسعة منهم العفو ووافق عليه واحد فقط كان العفو مستحقاً، كان ضمير الأمة متيقظاً فكان الشرط الأول من إقامة الحدود متحققا (قل لى مَنْ الآن سيعترف بجريمته، ومن سيتمسك باعترافه إذا راجعته مثل الرجل الذى زنى ولم يشهد عليه أحد؟).

يقول شيخى صلاح الدين التيجانى: الحدود فى ظاهرها قسوة لردع المجتمع ولكن فى باطنها الرحمة، فهى مليئة بضوابط كثيرة تبين لنا كيف أن الله يحافظ على النفوس حتى لو أجرمت أو قتلت مثل العفو ومراجعة المعترف وعدم مطاردة من يفكر فى الهرب أثناء تنفيذ الحد، وصرامة الاحتكام لأعداد محددة من الشهود فى أى جريمة وإقامة الحد عليهم إذا ثبت عدم صدقهم، كانت الحدود ملائمة لمجتمع يقظ الضمير يسعى بنفسه لتطهير ذنوبه ولا يحاول أن يفلت من العقوبة أو يهرب أثناء تنفيذها، لكنه يتمسك بها قبل الجميع، فى باطن الحدود رحمة، لكن هل توجد هذه الرحمة فى صدور مَنْ يخوِّن من يخالفه سياسيا، أو يتقول على من يخالفه فكريا، أو يقتل من اجتهد فى تفكيره وأخطأ بالرغم من أن الله يمنح المجتهد المخطئ أجراً، لكن حولنا من يفضل أن يمنحه رصاصات فى صدره أو طعنة فى رقبته أو حكم بالتفريق بينه وبين زوجته.

حدود الله لا يقدر أحد أن ينكرها، لكن عمر بن الخطاب عطلها قياساً على ما كانت تشهده دولته، هل نملك رفاهية أن نتعامل معها حالياً قياساً على حسبة سيدنا عمر؟

يقول شيخى: الحكيم من كان عالماً بأحوال زمانه ومكانه.

omertaher@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل