المحتوى الرئيسى

غزة تختار التنمية بقلم: م. محمد يوسف حسنة

06/12 23:22

غزة تختار التنمية.

بقلم: م. محمد يوسف حسنة


يُروى أن صياداً كان يعلق السمك بصنارته كثيراً، حتى بات موضع حسد أقرانه من الصيادين، وفي ذات يوم استشاطوا منه غضباً وعجباً، فهو يقذف السمك الكبير في الماء ويكتفي بالصغير منه، وحين سؤاله لمَ يفعل ذلك أجاب أن لا مقلاة في بيته تتسع للسمك الكبير.

وهكذا هى حال غزة مع مموليها ومانحيها، وطنت نفسها على قبول ما يُفرض عليها، وبرمجت نفسها بعقلية الرضا بواقع مرّ وهالة عجز لا يمكن تجاوزها، حتى غدا التمويل النوعي والموجه في الإطار التنموي سمك كبير لا تكفيه مقلاة غزة رغبة أو جهلاً أو سياسة.

يبلغ تعداد المؤسسات الدولية العاملة في قطاع غزة ولديها مكاتب تمثيلية أو تنفيذية ما يقارب 85 مؤسسة، حيث ازدادت أعدادهم بعد الحرب على غزة فيما يشبه تزاحم الباعة في سوق شعبيّ، ويبلغ تعداد المؤسسات الأهلية العاملة في قطاع غزة قرابة 950 مؤسسة أهلية خيرية وبعض الشركات الغير ربحية، الفاعل منها ما يُقارب 70 مؤسسة أهلية.

قدّرت دراسة ماجستير لأحد المختصين في العام 2007، أن متوسط الموازنات الخاصة بالمؤسسات الأهلية قد بلغ 5 مليارات دولار خلال عشر سنوات.

نتيجة توافد العديد من المؤسسات الدولية العاملة في قطاع غزة وتوسع نشاط البعض تُقدر متوسط موازنة قطاع المؤسسات الأهلي بمليار دولار سنوياً يذهب أكثر من 45% منها مصاريف إدارية ولوجستية ورواتب.

يُنفق بعضٌ من التبرعات على المشاريع الخاصة بالبنية التحتية والصرف الصحي وإعمار البيوت المدمرة نتيجة الحرب الأخيرة على قطاع غزة، إلاّ أن الجزء الأكبر من التمويل يُهدر في الجانب الإغاثي دون التنموي، وأحيانا التنموي الاستهلاكي دون الانتاجي، ناهيك عن البرامج المتعلقة بالجندر وحقوق الإنسان وحوار الحضارات، برامج غفلت أن من لم يصل قاعدة الهرم من الصعب أن يصل قمة الهرم.

ذلك مرده إلى غياب الاستراتيجية الوطنية للتعامل مع التمويل، قبل أن يكون سياسة ممولين فنحن متلقي الخدمة نرمي بالأفكار الكبيرة والأحلام الرائعة والاحتمالات الممكنة لتنفيذ مشاريع تنموية إنتاجية تساهم في بناء دولة المؤسسات ونهضة الاقتصاد خلف ظهورنا، فهى حسب وجهة النظر القاصرة أكبر من عقولنا وإمكانيتنا، حيث نقبل بالأثر البسيط القريب، ونتجاهل الأثر العظيم البعيد، رغبةً في تحقيق انجاز سريع ومال وفير وعمل لا يأخذ من الجهد الكثير، وغالبية مؤسساتنا – إلا من يعمل وفق رؤيا تنموية – تقبل بتغيير أهداف نشأتها لمجرد الحصول على منحة والتجاوب مع شروط مانح.

ولعل التقصير الأبرز هنا يقع على عاتق الحكومة، فدور المؤسسات تكاملي لا تنافسي وفق خطة وطنية يُفترض أنها مُعدة مسبقاً، يلتزم بإستراتيجيتها العامة الجميع، حتى الآن لا ألحظ تدخل حقيقي للحكومة في تنسيق وتوحيد جهود المؤسسات المحلية والدولية العاملة في قطاع غزة، وهو تقصير واضح في متابعة ملف له كبير الأثر على المجتمع.

تقصير أدى إلى تغريد كل مؤسسة حسب أجندتها الخاصة وحسب أجندة الممولين ووفق الارتهان لشروطهم، حيث تُنفَذ مشاريع باسم مساعدة الشعب الفلسطيني كيفما اتُفق دون أن تحقق أي أثر يُذكر، وأخص بالذكر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التي حوّلت بسياستها شعب فلسطين لشعب يتلقى الإغاثة ولا يطمح للتنمية، برمجته سلبياً على استقبال كوبونة شهرية وبعض المساعدات النقدية والمُخرج من عمل الوكالة لا يرقى في مجال التنمية لصفر.

لقد ضربت الإغاثة مفاصل المجتمع الفلسطيني كسوس ينخر في العظم، حيث تخلّى جزء كبير من العمال عن مهنتهم حتى لا يُبلغ واش عنهم، فيُقطع عنهم ما قد يصلهم من معونة مالية أو كبونة شهرية.

ثقافة لابد أن تُصحح داخلياً وتُعزز عبر ممارسة المؤسسات الأهلية دوراً وطنياً بعيداً عن سياسة الارتزاق والارتهان لشروط المانحين.

مجتمعنا لابد أن يرفض مبدأ الإغاثة وأن يضعها في إطارها الصحيح، لا أن يصبح أكثر من 80% من سكان قطاع غزة يعتمدون على المساعدات المقدمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين والمؤسسات الأخرى.

إن اتفقنا على مبدأ تعلُّم الصيد بدلاً من أن يُهدينا المانحين سمكاً، حينها فقط سنوحِّد خطابناً وسنعرف أن نحدد مسارنا ونحقق التغيير المنشود.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل