المحتوى الرئيسى

مراجعة لمعنى العبادة

06/11 23:29

بقلم: د. محمد منصور

لم يجتمع العلماء على معنى واحد للعبادة؛ وذلك لأن معانيها جاءت متفرقة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ولهذا فيُمكن تعريفها على أجزاء، تُؤخذ من الأقوال الآتية للعلماء:
يقول الإمام القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
(الذاريات)، "..والتعبيد التذليل، يُقال: طريق مُعَبَّد.."، ويؤكد هذا المعنى الإمام ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" عند شرحه لمعنى كلمة "عَبَدَ": ".. ومن الباب الطريق المُعَبَّد، وهو المسلوك.. ".. فالعبادة بناءً على هذا الشرح تعني السَّيْر مع الله أثناء الحياة في طريق مُعَبَّد، أي سهل ميسور يُحقق كلَّ راحة وسعادة فيها، ثم ما هو أسعد وأخلد في الآخرة بعدها.

 

ويُضيف الإمام القرطبي: ".. والعبادة الطاعة.. وقال مجاهد: إلا ليعرفون.. وعن الكلبي: إلا ليوحدون.." فالعبادة في هذه التفسيرات تعني التعرّف على الخالق الكريم، وخلقه وكوْنه وخيراته واستخراجها والانتفاع والسعادة بها، كما تعني توحيده تعالى، أي اللجوء إليه وحده؛ لأنه الأحد الصمد الأقوى الأضمن لتحقيق كلِّ خير لكلِّ طالب، وتعني العمل بقواعد وأطر وأصول وأخلاق تعاليمه ووصاياه وتشريعاته وحده، وطاعتها برغبة وحب وتمسّك؛ لليقين بأنها الأكمل والأكيدة لتمام السعادة في الداريْن (برجاء مراجعة مقالة: "صلاحية الإسلام للإصلاح والسعادة للبشرية في كلِّ زمان ومكان" لمزيد ٍمن التفصيل والتوضيح).

 

ويقول الإمام حقي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾ (الفاتحة) "أي إياك نؤمل ونرجو، لا غيرك.. وإنما خصَّص العبادة به تعالى؛ لأن العبادة نهاية التعظيم، فلا تليق إلا بالمُنعِم في الغاية، وهو المُنعِم بخلق المُنتفِع، وبإعطاء الحياة الممكنة من الانتفاع.. ".. فالعبادة هنا تعني خالص التقدير والشكر والتعظيم لأفضال الله ونِعَمِه، وهذا يُطَمْئِن السائرين مع ربهم في حياتهم أنَّ معهم قويًّا عظيمًا يُكرمهم ويُعينهم ويُسعدهم.

 

وجاء في تفسير "المنتخب" للآية الكريمة السابقة: ".. لا نطلب المعونة إلا منك.." فالعبادة هنا ترتبط بطلب العون على حياة هانئة... ويؤكد هذا المعنى ما جاء بعد ذلك في تفسير قوله تعالى:

 

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)﴾ (الفاتحة) ".. نسألك أن توفقنا إلى طريق الحق والخير والسعادة، وهو طريق عبادك الذين وفقتهم.. لا طريق الذين استحقوا غضبك وضلوا عن طريق الحق والخير؛ لأنهم أعرضوا عن الإيمان بك..".

 

ويقول الأستاذ سيد قطب في تفسيره "في ظلال القرآن" لقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)﴾ (الفاتحة) "..شمول هذه الربوبية للعالمين جميعًا.. لتتجه العوالم كلها إلى ربٍّ واحد.. وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة، وعنت الحيرة بين شتى الأرباب.. ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة، وإلى أنَّ هذه الرعاية لا تنقطع أبدًا ولا تفتر ولا تغيب.." فالعبادة تعني من ثنايا كلامه الدخول في إطار تربية الله ورعايته؛ لتحقيق ولضمان الراحة والسعادة التامة الدائمة.

 

ويقول الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29)﴾: (الفجر)".. فادخلي في حزبي.. ".. فالعبادة هنا تعني الولاء، أي دائمًا مع الله والمؤمنين والصالحين والأخلاقيّين، لحياة تكافليَّة تجَمّعِيَّة تعاونيَّة تحاوريَّة، وبالتالي هنيَّة قويَّة تطوريَّة.

 

ويقول الإمام القاري في "مرقاة المفاتيح" عند شرحه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة" (رواه الترمذي وغيره): ".. أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تُسَمَّى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عمَّا سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه... عالِما بنعمة الإيجاد، طالبًا لمدد الأمداد.. وتوفيق الإسعاد.. "... فالعبادة بهذا الشرح تعني دوام التواصُل مع الخالق الرازق الكريم، وطلب عونه وتوفيقه بالدعاء بالقلب واللسان مع اتخاذ أسباب ما يُدْعَى به من أجل تحقيق حياة هانئة هادئة مُريحة سعيدة وآخرة أسعد وأتمّ وأخلد... وهذا المعنى يؤكده ارتباط العبادة بالدعاء في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)﴾ (غافر).

 

ممَّا سبق يتبين أنَّ العبادة تشمل كل الحياة، كل أمورها وجوانبها وأفعالها وأقوالها، وهذا هو الذي يؤكده ويُفهَم من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام)، والذي قال فيه الإمام الرازي في تفسيره:

 

"..أثبت كوْن الكلّ لله.."، وقال فيه الإمام القشيري في تفسيره: ".. مَن علِمَ أنه بالله عَلِمَ أنه لله..".. فالحياة كلها مع الله وحده، بدأت منه وحده، واستمرّت سعيدة مُريحة معه وخلقه ونظامه وشرعه وحده، وتنتهي عنده وحده في مستقرّ رحماته وجناته.

 

والعبادة تكون بحبٍّ ورغبة وإقبال لليقين بأنها إذا أحْسِنَ فهمها وتطبيقها ستكون السبب الأساس في السعادة والسكون، وأنَّ دونها التعاسة والتوتر والقلق، كما يُفهم ضمنا من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ..﴾ (آل عمران: من الآية 31)، وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: من الآية 54)... فعلاقة التعامُل بين الخالق وخلقه هي بالأساس علاقة حبٍّ وعزٍّ وعون وإسعاد، وليست علاقة تسلط ٍوذلٍّ وخضوع ٍوإتعاس ٍكما يحدث في استعباد بشر لغيره!!.. كما أنّ الإسلام له سبحانه ولنصائحه ولوصاياه ولتشريعاته لا يعني تكليفات وتقييدات بل سعادات وراحات!! (برجاء مراجعة مقالة: "معنى الإسلام السعادة لا التكليف" لمزيد ٍمن التفصيل والتوضيح).

 

ولهذا كله، فقد أحسنَ الإمام ابن تيمية سالفًا حينما جمَعَ كل ما سبق في تعريفه المشهور عنه لمعنى العبادة تعريفًا جامعًا شاملاً حيث يقول إنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة.. "

 

كذلك قد أحسن الإمام النابلسي حديثًا حينما عرّفها بالآتي: "معرفة، طاعة، حب، إخلاص، سلامة وسعادة.. هذه هي العبادة: طاعة طوْعيَّة ممزوجة بمحبَّة قلبية أساسها معرفة يقينيَّة تفضي إلى سعادة أبديَّة..".

 

وفي كل هذه التعريفات والمعاني للعبادة وتطبيقاتها أعظم تكريم للإنسان، كما يؤكده تعالى في قوله:

 

﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية 26)، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ (الفرقان: من الآية 63 ) والذي قال فيه الإمام ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير": ".. الإضافة إلى اسم الرحمن تفيد تشريفهم.." .. بينما طاعة وعبادة غير الله هي عين الذلة والتعاسة، كما يُفهم من قوله تعالى : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: من الآية 124)، ومن قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الحشر: من الآية 5).

 

هذا، ومجموع كل ما سبق هو أيضًا ملخص معنى قول: وشهادة "لا إله إلا الله"، وهو معنى التوحيد كذلك، أي لا نعتمد إلا عليه وحده، ولا نسير إلا في طريقه وحده، ولا نهتدي إلا بقواعد وأصول ومرجعيات هَدْيهِ وحده (راجع أيضًا مقالتيّ: " المعنى الصحيح في الإخلاص"، "الإخلاص لله وحده لا يكفي" لمزيد من التفصيل والتوضيح).

 

أما الشرك.. فلقد عَّرفه العلماء عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾ (يوسف)، يقول الإمام القرطبي: ".. معهم شرك وإيمان، آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فلا يصح إيمانهم.. وقيل نزلت في المنافقين، والمعنى: وما يؤمن أكثرهم بالله أي باللسان إلا وهو كافر بقلبه.. وقيل معناها أنهم يدعون الله أن ينجيهم من الهلكة، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا.. فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان..".

 

ويقول الإمام السيوطي في تفسيره "الدر المنثور": ".. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: سلهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله، فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره..".

 

فهذه هي تعريفات الشرك، فهي إما هو كفر بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو نفاق بحيث يُظِهر المسلم الإيمان والنفع للآخرين بلسانه ويُخفي الكفر والضرر لهم في قلبه وتصرفاته، أو اليقين بأن فلانًا ينفع ويضر وليس الله وما هو إلا سبب فقط من الأسباب قد يستطيع أو لا، أو الأهم والمهم عبادة غير الله أي طاعة غيره فيما يخالف الإسلام... أمَّا غير ذلك فلا يُعَدُّ شركًا، كالتعاون مثلاً مع الآخرين لتحقيق النفع والسعادة أو طلب معونتهم عند الحاجة أو ما شابه هذا من حاجات الحياة، وممَّا يعتبره الإسلام من صلبه وأساساته لإصلاح الدارين وإسعادهما.

 

وأما الكفر.. فهو ببساطة وعُمق، مثل الشرك، أو هو باختصار ٍاتباع نظام مخالف لنظام الإسلام، والتأكد من أفضليته عليه رغم أنه قد يضر ولا ينفع ويتعس ولا يُسعد، ولذا نبهنا ربنا لهذا كله في قوله: ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: من الآية 124)، وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (الأعراف: من الآية 3).. يقول الإمام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": ".. فرض اتباع ما أنزل من الكتاب والحكمة وحظر اتباع أحد من دونه..".

 

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل